الثلاثاء 4 فبراير 2020 07:51 ص

نجحت الأجهزة الأمنية المصرية في دمج التكنولوجيا المتطورة التي تم شراؤها من عدة جهات حول العالم بشكل فعال مع تكتيكات المراقبة المحلية الخاصة بها، لتنتج في النهاية نظاما واسع الانتشار ومتعدد التخصصات لمراقبة المعلومات.

ويعمل هذا المزيج الفريد من التقنيات والتكتيكات على جمع القواعد الإلكترونية المحلية لصالح إدارة الأمن السيبراني في البلاد.

ويتم تعزيز الرقابة الجماعية على المواقع الإلكترونية، من خلال تقنية متطورة لتفتيش "الحزم العميقة" يتم الحصول عليها من شركة غربية، وتجري حملات الاعتقال التي تستهدف التعبير الرقمي.

ويُظهر التفاعل بين أساليب الرقابة أيضا كيف يتم تكييف التقنيات الجديدة المنتشرة عالميا في إطار الممارسات المحلية الحالية.

وبدأت الرقابة على الإنترنت على نطاق واسع في مصر في عام 2017، عندما تم حجب 21 موقعا في يوم واحد، واليوم، لا يمكن الوصول إلى أكثر من 500 موقع من داخل مصر.

وفي حين لا يمكن إنكار أهمية توثيق مواقع الويب الخاضعة للرقابة، فمن الأهمية بمكان أن نلاحظ المواقع التي لا يزال الوصول إليها ممكنا، ويوجد حدثان سياسيان رئيسيان في عام 2019 يوضحان ذلك.

وخلال الاستفتاء على الدستور، في أبريل/نيسان، بدأت حملة معارضة على الإنترنت تطلق على نفسها اسم "باطل" تعارض رسالة النظام وتشجع المصريين على التصويت بـ"لا" على التعديلات.

وقد تم حظر موقع "باطل" الإلكتروني فورا، وخلال فترة الاستفتاء، تم حظر أكثر من 10 "مرايا" (مواقع ويب ذات أسماء نطاقات مختلفة مصممة للتحايل على رقابة الدولة) للموقع، حتى إن سلطات الأمن المصرية منعت بشكل جماعي 34 ألف نطاق إضافي تم استضافتها على عنوان IP مشترك استخدمته "باطل" لمواقعها الإلكترونية المتطابقة.

كما أنشأت "باطل" صفحات على "فيسبوك" و"تويتر" و"تليجرام" كانت مسؤولة عن غالبية مشاركات الحملة، ومع ذلك، وبالرغم من العناد الذي اتبعته الدولة في متابعة موقع الويب الرئيسي، فلم تظهر منصات التواصل الاجتماعي هذه أبدا أي دليل على التدخل من قبل الحكومة المصرية خلال فترة الاستفتاء.

وقد لوحظت خطوط حمراء مماثلة خلال احتجاجات مصر في سبتمبر/أيلول، ووسط حملة القمع التي فرضها النظام، أفادت منظمات مراقبة الإنترنت أن "بي بي سي العربية"، و"الحرة"، وهو موقع إخباري آخر باللغة العربية تموله الحكومة الأمريكية، تم حظرهما بسبب التغطية غير المواتية للاحتجاجات، وقد واجهت منصات "تويتر" و"فيسبوك ماسنجر" انقطاعات مؤقتة، لكن لم يتم حظرهما نهائيا.

ونجح "محمد علي"، المقاول العسكري الذي شجع مظاهرات سبتمبر/أيلول، في إيصال مقاطع الفيديو التي انتشرت كالنار في الهشيم، إلى جمهور محلي هائل لأنه اعتمد على منصات التواصل الاجتماعي.

وبالرغم أن كل حملة ضد النظام تستخدم نفس المنصات، "فيسبوك و"تويتر" و"يوتيوب"، لكن الحكومة المصرية تواصل السماح بالوصول إليها داخل البلاد، ولا يوجد إطار أيديولوجي للرقابة، ولا توجد قيود تكنولوجية، وتمتنع أجهزة الأمن المصرية باستمرار عن حجب منصات التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارا.

وربما يكون حجب هذه المنصات ببساطة باهظ الثمن سياسيا واقتصاديا بالنسبة للنظام، وفي الواقع، تعتمد الحكومة نفسها عليها في تكتيكها الدعائي والتضليلي وكذلك للمراقبة، علاوة على ذلك، يعكس الخط الأحمر للرقابة موقف مصر المختلط إزاء معايير الأمن السيبراني الدولية.

ويضع الواقع الراهن مصر في حدود النموذج الصيني للسيادة السيبرانية، حيث تمارس الدولة سيطرة وطنية قوية على الإنترنت، وتمتلك شركة "المصرية للاتصالات"، المملوكة للدولة، أكبر حصة من خدمات "إيه دي إس إل"، حيث تسيطر على 75% من السوق.

وفي سوق الهواتف المحمولة، تمتلك شركة "فودافون مصر" أكبر حصة بنسبة 40.5%، ومع ذلك، تمتلك المصرية للاتصالات حصة 45% في الشركة، ما يخلق سوق إنترنت مركزية للغاية في مصر.

ووضع المرسوم رقم 242، الذي صدر أوائل عام 2019، جميع البنية التحتية للاتصالات تحت ملكية منظمة مشاريع الخدمة الوطنية، وهي منظمة تديرها وزارة الدفاع.

بالإضافة إلى ذلك، حاولت الدولة المصرية إنتاج برامجها الوطنية ومحتواها، على الرغم من أن هذه الجهود حققت نجاحا محدودا.

وفي عام 2018، أعلن وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصري، "ياسر القاضي"، عن موقع جديد للتواصل الاجتماعي المصري مملوك ومسيطر عليه وطنيا ويهدف إلى منافسة "فيسبوك" في مصر، وبعد أسبوعين، تم إطلاق "إيجيبت فيس"، ويبدو أن المشروع قد توقف، لأن قلة من المصريين كانوا على علم بالمنصة، وفي وقت كتابة هذا التقرير، لم يكن نطاق المشروع متاحا.

ومع ذلك، فإن روابط مصر الواسعة بالديمقراطيات الليبرالية الغربية، مثل الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية، والتعاون الأمني، والاستثمار الأجنبي، والمساعدات الإنمائية الدولية، تُعقِّد الدافع الذي يحرك الدولة إلى عزل نفسها بالكامل عن شبكة الإنترنت وفق النموذج الصيني أو الإيراني.

وتحافظ الولايات المتحدة ومصر على روابط قوية للأمن السيبراني، بما في ذلك تدريبات واتفاقيات الأمن السيبراني المشتركة بين "EG-CERT" و"US-CERT"، وتتمتع شركات الأمن السيبراني الغربية بوجود كبير في البلاد.

وبسبب هذا التعاون في مجال الأمن السيبراني مع الدول التي تتوافق مع تعدد الأقطاب، فإن وضع مصر داخل قطب السيادة السيبرانية يبقى مشوشا.

وتنعكس هذه التناقضات أيضا في الخطوط الحمراء للرقابة في مصر؛ أي عدم رغبة الحكومة في منع أكبر منصات التواصل الاجتماعي الأمريكية، ويعد الوصول غير المقيد إلى هذه المنصات أمرا مهما للأعمال التجارية المحلية والدولية، وسوف يعني أي تدخل طويل الأجل خلافا كبيرا مع استراتيجية التحول الرقمي التي يتبناها الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي".

ولدى وزارة المالية أيضا خطط لفرض ضرائب على الإعلانات والخدمات الأخرى على منصات التواصل الاجتماعي، وهو مصدر محتمل للإيرادات من شأنه أن يساعد في تقليص العجز في الميزانية.

وبدلا من الرقابة الكاملة، طورت وكالات الأمن أساليب أخرى لتحفيز تقييد التعبير الرقمي على هذه المنصات، مثل اعتقال وسجن المواطنين لاتهامات تتعلق بـ"التعبير الرقمي".

ولا شك أن سلطات الأمن المصرية لديها القدرة على إجراء المسح المطلوب من خلال وسائل متطورة تقنيا، ولكن هذا الاستهداف باهظ الثمن، ومن المحتمل أن يكون مخصصا للمعارضين البارزين ومراكز ثقل النظام الداخلي.

وبالنظر إلى أكبر التقديرات حول المواطنين المصريين المستهدفين والمسجونين بسبب أنشطتهم على الإنترنت، وجدت دراسة جديدة أن الاعتقالات المرتبطة بـ"التعبير الرقمي" تحدث بشكل أساسي من خلال مجموعة من الآليات غير المتطورة تقنيا، بما في ذلك عمليات القرصنة والبحث عن الأجهزة، وشبكات التجسس، والمراقبة الاجتماعية لمحتوى الوسائط المتاحة للجمهور.

وفي الواقع، وجدت الدراسة أن المنصة الأكثر استهدافا من قبل الأجهزة الأمنية المصرية هي "فيسبوك"، وتقابل الخطوط الحمراء للرقابة بحملات اعتقال تتبع "القوة الغاشمة"، وهي مصممة لإسكات النقاد الذين يعبرون عن أنفسهم عبر منصات تبدو الدولة غير راغبة في عرقلتها.

وتعتبر عمليات قرصنة الأجهزة وعمليات البحث التكتيكية التي تستخدمها سلطات الأمن المصرية، طويلة الأمد، ولكن هذه الممارسة شوهدت على نطاق لم يسبق له مثيل أثناء مظاهرات 20 سبتمبر/أيلول الأخيرة وبعدها.

وحدثت هذه العمليات في الغالب عند نقاط التفتيش الأمنية في الأماكن العامة وفي مباني الأمن القومي بعد الاعتقال، ويتم إيقاف المواطنين من قبل الشرطة في الشوارع، ويُطلب منهم تسليم هواتفهم المحمولة وإدخال كلمة المرور الخاصة بهم، ومن ثم تحصل الشرطة فورا على الوصول الكامل إلى "فيسبوك" ورسائل "واتساب" والصور.

وتستهدف سلطات الأمن أيضا التعبير الرقمي من خلال شبكات واسعة من المخبرين، وفي عام 2018، تم إنشاء "شبكة لجمع الشائعات" من قبل النيابة العامة المصرية لتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن الأخبار والشائعات الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى رقم "واتساب"، وقامت هذه الشبكة بفعالية بمراقبة المصادر على نطاق واسع وعملت كعنصر حقيقي منخفض التكلفة.

وتضمنت ملفات قضايا المعتقلين المسجونين بسبب تعبيرهم الرقمي لقطات من ملفاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يوحي بأن المخبرين كانوا يرسلون بانتظام أي محتوى "مشبوه" يواجهونه على وسائل التواصل الاجتماعي إلى وكالات الأمن.

وكثيرا ما يقدم المحامون المنتسبون للنظام، مثل "سمير صبري"، و"أيمن محفوظ"، و"أشرف فرحات"، شكاوى قانونية اعتمادا على محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، ومن المعروف أن هؤلاء المحامين يراجعون صفحات "تويتر" و"فيسبوك" للشخصيات البارزة لكشف التعليقات التي تنتقد النظام، بهدف رفع دعاوى قضائية لإسكات أي نقد.

ومرة أخرى، يتم استخدام مجموعة متنوعة من التكتيكات المنتجة محليا لقمع التعبير على منصات وسائل التواصل الاجتماعي للإفلات من التكلفة الباهظة للغاية سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية لتعطيل تلك المنصات العالمية.

ومن الواضح أن تقنية الرقابة المتقدمة يتم استخدامها مع الأساليب غير المتطورة تقنيا، وقد تم تصميم هذا النظام لتخويف المواطنين، لفرض رقابة ذاتية ومنع الآراء السياسية البديلة من التداول على المنصات الرقمية.

وللأسف، يتطلب نظام مصر متعدد الأوجه لمراقبة المعلومات أكثر من مجرد حلول تقنية لحماية التعبير عبر الإنترنت، فقد أثبتت استراتيجية النظام فعاليتها بشكل كبير، ولن يكون هناك أي أمل في إيقاف هذه الجهود إلا من خلال نهج نموذجي جديد.

المصدر | جوي شيا | معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد