الثلاثاء 4 فبراير 2020 07:27 م

فجأة، جرى على عجل تسخين جبهة إدلب شمال غربي سوريا، وتحديدا ضد الوجود التركي هناك، عبر استهداف مكثف أسفر عن مقتل 6 جنود أتراك في تصعيد لافت ضد أنقرة.

في المقابل، ردت تركيا بقصف أكثر من 50 هدفا؛ ما أسفر عن مقتل أكثر من 70 من قوات رئيس النظام السوري "بشار الأسد" وفق تقديرات أنقرة التي نفتها دمشق، وسط تهديدات من تركيا بأنها لن تتردد في اتخاذ أي إجراء لمواجهة قوات النظام السوري.

وأرسلت تركيا تعزيزات عسكرية إلى شمال سوريا في الأيام الأخيرة، واتهمت موسكو بعدم احترام الاتفاقات المبرمة بينهما بشأن إدلب (تضم 3 ملايين نسمة).

ويبدو جليا أن تضاربا في المصالح بين تركيا وروسيا، يقف وراء هذا التحول في محافظة "إدلب"، التي تعد المعقل الأخير للمعارضة السورية بعد ترحيل المعارضين إليها من مختلف المناطق السورية خلال السنوات الماضية.

  • أجندات متضاربة

كانت وتيرة الصراع الروسي التركي اشتعلت قبل أسابيع إثر باتهام أنقرة لموسكو بإرسال مرتزقة من شركة "فاجنر" لدعم ميليشيات قوات "خليفة حفتر" الساعية للسيطرة على العاصمة طرابلس.

وقبل نحو شهر، قال الرئيس "رجب طيب أردوغان" إن تركيا لا يمكن أن تلزم الصمت حيال مرتزقة مثل مجموعة "فاجنر" التي تساندها روسيا وتدعم قوات "حفتر" في ليبيا.

لاحقا، رد وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" باتهام تركيا بتوجيه عدد كبير من المسلحين من إدلب إلى ليبيا في خرق للقرارات الدولية.

وزاد من القلق الروسي، تحركات "أردوغان" لتشكيل حلف تركي تونسي جزائري يدعم حكومة "الوفاق الوطني بقيادة "فايز السراج"، وهو الأمر الذي أثار حفيظة موسكو، القلقة من تنامي وتمدد النفوذ التركي من سوريا إلى ليبيا.

والشهر الماضي، أقر البرلمان التركي، إرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعم حكومة "الوفاق"، وذلك بموجب مذكرتي تفاهم مع "السراج"، الأولى تتعلق بالتعاون الأمني والعسكري، والثانية بتحديد مناطق الصلاحية البحرية.

وفي تعبير لافت وصريح عن الأزمة القائمة بين الطرفين، صرح وزير الخارجية التركي "مولود تشاووش أوغلو"، قائلا إن "الجروح بدأت تصيب مساري أستانة وسوتشي لكنهما لم ينتهيا تماما".

وزاد "أردوغان" الموقف سخونة، بزيارة أوكرانيا، وإعلان دعم أنقرة للسيادة الأوكرانية بما فيها على شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في العام 2014، وهي خطوة ستغضب بلا شك الحليف الروسي.

ورغم أن تركيا وروسيا نجحتا في تجاوز خلافاتهما مؤقتا وترتيب وقف لإطلاق النار في ليبيا، إلا أن الهدنة الهشة سرعان ما انهارت بعض رفض "حفتر" التوقيع على اتفاق تثبيت وقف إطلاق النار في موسكو؛ ما أدى إلى عودة لعبة الكر والفر بين موسكو وأنقرة إلى المربع الأول مجددا على ما يبدو.

  • لعبة عض الأصابع

إذن، فإن الطرفين الروسي والتركي يمارسان خلف الكواليس، لعبة عض الأصابع، في انتظار من يصرخ أولا، ويبدو أن تداعيات هذه اللعبة بدأت تظهر في "إدلب" المشمولة باتفاق لخفض التصعيد توصلت له موسكو وأنقرة في سبتمبر/أيلول 2018.

وتروج تقارير غير رسمية لوجود صفقة تلوح في الأفق، تريد روسيا بموجبها، إملاء معادلة "إدلب" مقابل "طرابلس"، على الطرف التركي، الذي يبدو أنه يعاند رافضا الصفقة، بل ويضغط على موسكو باستخدام بالورقة الأوكرانية.

ولا يمكن إغفال وجود دور مصري إماراتي سعودي في التحول الذي طرأ على الجبهة السورية، عبر منح الضوء الأخضر بموافقة روسية لقوات "الأسد" للقيام بقصف القوات التركية، في محاولة لاستنزاف أنقرة على جبهة إدلب، بالتزامن مع تسخين جبهة طرابلس بخرق قوات "حفتر" وقف إطلاق النار الذي أقره مؤتمر برلين الشهر الماضي.

كذلك فإن الضغط على جبهة "إدلب" من شأنه أن يربك ويعطل خطط أنقرة الرامية إلى تجنيد مسلحين سوريين معارضين؛ بغية إرسالهم إلى جبهات القتال في ليبيا لدعم حكومة "الوفاق" المعترف بها دوليا.

  • تشدد تركي

حتى اللحظة، لم تبد تركيا تراجعا، ويبدو أن مقتل جنودها في إدلب سيزيد من تشدد أنقرة حيال التعامل بحسم مع التطورات الجارية في الشمال السوري، دون التنازل عن دورها بشأن الأزمة الليبية.

والإثنين الماضي، قالت الرئاسة التركية إن دماء جنودها الذين قتلوا وأصيبوا جراء قصف قوات تابعة لنظام "الأسد" في سوريا، "لن تذهب هباء"، مشددة على أن أنقرة ستحاسب المسؤولين عن هذا الهجوم.

وعززت تركيا تواجدها العسكري في "إدلب" التي تقع عبر حدودها الجنوبية مع سوريا، وأرسلت 3 أرتال (الرتل يضم نحو 40 آلية عسكرية)، في خطوة تمثل تحديا لدمشق وموسكو.

في السياق ذاته، أطلق "الجيش الوطني السوري"، التابع للمعارضة والمدعوم مباشرة من تركيا، معركة "العزم المتوقد"، عبر الهجوم على مواقع النظام في محيط مدينة الباب بريف حلب الشمالي الشرقي، في خطوة مفاجئة، يبدو أن الهدف منها تخفيف الضغط على إدلب.

وفي تأكيد على توجهات أنقرة، صرح "أردوغان" قائلا: "عازمون على مواصلة عملياتنا من أجل أمن بلدنا وشعبنا وإخواننا في إدلب... من يشككون في عزمنا سيدركون عما قريب أنهم كانوا مخطئين".

وفي ما يتعلق بالملف الليبي، جدد "أردوغان"، قبل أيام، التأكيد على بقاء بلاده في ليبيا، لحين إرساء الاستقرار والأمان المنشود من قِبل كافة أبناء الشعب الليبي، مشددا على أنه "لا يحق لبارونات الحرب انتقاد موقف تركيا بلا خجل"، حسب تعبيره.

  • فرص التفاهم

إلى الآن، لم يعلن أي من الجانبين، الروسي والتركي، انتهاء العمل باتفاق خفض التصعيد، أو انهيار "اتفاق سوتشي"، المبرم في سبتمبر/أيلول عام 2018 الخاص بوقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا.

ورغم الظلال الكثيفة التي تلقي بها الأزمة الليبية على إدلب، فإن العلاقات الوثيقة بين "أردوغان" و"بوتين" قد تصل بهما إلى تفاهمات تفك الاشتباك بين الطرفين، وتقضي على التضارب القائم بشأن إدلب وليبيا.

يعزز ذلك، إعلان "أردوغان" إنه إذا أخفقت المحادثات بين الدبلوماسيين والجنرالات في الوصول إلى نتائج فإنه سيتصل بالرئيس الروسي مباشرة ليحاول حل الأمر.

وأضاف: "أبلغنا الروس بأنهم ليسوا الطرف الذي نتعامل معه هنا وإنما هو النظام (السوري) مباشرة، وإن عليهم التنحي جانبا".

وكثيرا ما تشهد العلاقات التركية الروسية تجاذبا في عدد من الملفات، لكن لغة المصالح سرعان ما تعيد التوازن لها، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن دولا مجاورة (تونس والجزائر والمغرب) ألقت بثقلها خلف حكومة طرابلس الشرعية؛ ما يقوي الموقف التركي الداعم لـ"الوفاق"، والرافض في الوقت ذاته للتخلي عن "إدلب".

المصدر | الخليج الجديد