الثلاثاء 11 فبراير 2020 10:58 ص

إلى أي مدى يعبر تصويت البرلمان العراقي على إخراج القوات الأجنبية، بما فيها الأمريكية، من البلاد عن موقف جدي؟

سؤال تصدر اهتمامات المراقبين في ضوء الجدل حول مستقبل الوجود الأمريكي في العراق في أعقاب التصويت البرلماني على طرد القوات الأمريكية في يناير/كانون الثاني الماضي.

وجاء التصويت العراقي فيما يبدو ردا على قيام الولايات المتحدة باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني"، وقادة عدد من الميليشيات الشيعية على الأراضي العراقية مطلع العام العام الحالي.

فبينما ترشح الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لمنصبه مستندا إلى وعد بتقليل القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط إلى الحد الأدنى، فإنه أكد أن الولايات المتحدة لن تغادر العراق إلا إذا دفعت بغداد تكلفة القاعدة الجوية الأمريكية هناك، التي تقدر بمليارات الدولارات، كما هدد بفرض عقوبات "لم ير المسؤولون العراقيون مثلها من قبل" في حال مضوا قدما في خطتهم لإبعاد القوات الأمريكية.

وتنظر واشنطن إلى وجودها في العراق باعتباره ضرورة استراتيجية لمواجهة نفوذ إيران في المنطقة ومنع ظهور تنظيم الدولة مجددا، بما يعني أن الانسحاب الأمريكي من العراق لن يكون بهذه السهولة، وأن هناك الكثير من العوامل التي ستحدد مصير القوات الأمريكية.

وفي هذا السياق، يقدم الزميل غير الدائم بمعهد دول الخليج العربي "دي بي دي روشي" 4 أسباب رئيسية تجعل الولايات المتحدة غير راغبة في الانسحاب من العراق وهي: الاحتفاظ بالقدرة على مواصلة القتال ضد تنظيم الدولة، وتخفيف نفوذ إيران الإقليمي، وضمان بقاء المنطقة الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي، ومنع استهداف الأمريكيين والمجمعات الدبلوماسية الأمريكية في البلاد.

وفي ضوء هذه المصالح الأمريكية المتعددة، كشف تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن صناع السياسة في واشنطن رسموا 3 مسارات للتعاطي مع المشهد العراقي، يقوم أولها على بقاء القوات الأمريكية وإصلاح العلاقات مع بغداد، استنادا إلى "الكم الكبير من رأس المال البشري والموارد التي تم استثمارها في العراق"، فضلا عن أهمية ذلك التواجد العسكري في التصدي لـ"تنظيم الدولة" ومساعي احتواء إيران.

ويتمثل المسار الثاني في إنهاء الوجود العسكري في العراق، وتقديمه على أنه تنفيذ لوعد إدارة "ترامب" بخفض عدد القوات الأمريكية بالخارج، وتجنب الخوض في المزيد من الصراعات بالشرق الأوسط، لكن مع ضمان الاحتياطات الأمنية اللازمة لحماية مصالح الولايات المتحدة.

أما المسار الثالث فهو تخفيض الولايات المتحدة لتواجدها بشكل ملحوظ في بغداد دون الانسحاب من كامل المنطقة، عبر توطيد علاقات واشنطن مع حكومة إقليم كردستان العراق، باعتبار أن تعزيز علاقة أمريكا العسكرية بشريك موثوق يمكن أن يعوّض عن تقليص الوجود الأمريكي ويضعف الحكومة الموالية لإيران في بغداد.

القوة القاهرة

ويستند سيناريو بقاء القوات الأمريكية بالعراق إلى وجود خليط من الجماعات المسلحة العنيفة التي قد توقد شرارة صراع مسلح بين إيران والولايات المتحدة في أي لحظة، وتعصف معها بما تبقى من استقرار في بغداد.

وبحسب مقال لـ"عمر العمراني" و"إميلي هوثورن" نشره مركز "ستراتفور"، فإن مقتل القيادي بقوات الحشد الشعبي "أبومهدي المهندس" في الغارة الأمريكية التي استهدفت "سليماني" تسبب في توحيد الميليشيات الموالية لإيران، وفتح الباب على مصراعيه لمزيد من إضعاف قبضة بغداد "المرتخية" أصلا على تلك المجموعات التي تناور من أجل الحصول على مزيد من السلطة.

وسيزيد ذلك من خطر اندلاع العنف الداخلي في العراق، وسيعيق التعاون بين الأطراف الخارجية، مثل الولايات المتحدة، والحكومة المركزية وقوى الأمن الاتحادية في مجال مكافحة الإرهاب، وهو ما يستدعي بقاء القوات الأمريكية في العراق، وفقا للمركز.

ويشير الخبير الاستراتيجي العراقي اللواء "ماجد القيسي"، في هذا الصدد، إلى أن ورقة الضغط الاقتصادي تعد حاسمة في فرض هذا السيناريو، إذ يمكن للولايات المتحدة فرض عقوبات على العراق، تشمل تعليق مساعدات عسكرية بقيمة 250 مليون دولار، ومطالبة بغداد بدفع تكاليف القواعد العسكرية التي تقول واشنطن إنها أنفقت عليها مليارات الدولارات.

 وقدم تصريح وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" أن بلاده تقوم بمراجعة المساعدات العسكرية والأمنية التي يتم تقديمها للعراق منذ سنوات، مؤشرا على هذا الاتجاه، حيث تسعى واشنطن لفرض ضغوط على بغداد للتراجع عن القرار البرلماني الذي تنظر إليه واشنطن باعتباره غير ملزم، لأنه لم يصدر بعد بصيغة القانون.

ثمة أوراق ضغط اقتصادي أخرى بجعبة واشنطن، حسب تقدير المحلل السياسي العراقي "عبدالقادر النايل"، الذي أشار إلى إيداع مبالغ النفط العراقي في البنك الفيدرالي الأمريكي، بحماية خاصة من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، تجدد سنويا.

وفي حال تراجعت واشنطن عن هذه الحماية، فإن هناك ديونا على العراق بمليارات الدولارات يمكن أن يتم تحصيلها وهو ما يمكن أن يضع العراق على حافة انهيار اقتصادي، وفقا لما أوردته وكالة "سبوتنيك" الروسية.

وتمثل العملة ورقة ضغط ثالثة، بحسب "النايل"، حيث تلعب واشنطن دورا في تثبيت قيمة الدينار العراقي أمام الدولار عبر ضمان استمرار تدفق العملة الصعبة إلى بغداد، وفي حال قامت واشنطن بحجب وصول العراق إلى الدولار فإن ذلك سيتسبب في انهيار قيمة الدينار العراقي، ووضع بغداد على حافة انهيار اقتصادي كبير.

تقليص الحضور

ويعد السيناريو الثاني حال فشلت واشنطن في الحفاظ على وجودها، هو تقليل حضور القوات الأمريكية بالعراق، وتسويق ذلك في صورة الانسحاب، مع إخضاع القوات الأمريكية لإطار سياسي أقل استفزازا للعراقيين عبر تحويل مسماها إلى "قوت تدريب تابعة لحلف الناتو".

بالتزامن مع ذلك، يمكن لواشنطن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في محيط بغداد إلى الحد الأدنى مع توطيد علاقاتها مع حكومة إقليم كردستان، شمالي العراق، ونقل عدد كبير من القوات الأمريكية إلى الإقليم.

ووفقا لـ"ستراتفور"، فإن دعم المزيد من الاستقلال الكردي من شأنه أن يمارس ضغوطا مالية إضافية على حكومة بغداد، التي تعاني أساسا لسد عجزها، في حال إصرارها على المضي قدما في إبعاد أغلب القوات الأمريكية وتوطيد علاقتها بطهران، وهو ما يعني أن سيناريو نقل واشنطن لمراكز ثقلها في العراق من بغداد إلى أربيل ليس مستبعدا في ضوء المستجدات الراهنة.

المصدر | الخليج الجديد