الثلاثاء 11 فبراير 2020 11:52 ص

"بعد 4 سنوات فقط ستبدأ رحلة تلاشي الثروات التي راكمتها عائدات الطاقة عبر عقود"..

هكذا أطلق صندوق النقد الدولي إنذارا، وصفه مراقبون بالمروع، حول مستقبل الاستدامة المالية لدول الخليج العربي، والتهديدات التي تواجه العقد الاجتماعي التاريخي القائم على مكافأة الحكام للمواطنين مقابل الإذعان السياسي.

وبحسب التقرير الذي أصدره الصندوق تحت عنوان: "مستقبل النفط والاستدامة المالية في منطقة مجلس التعاون الخليجي"، فإن ثروة دول الخليج المقدرة بنحو تريليوني دولار أمريكي، مهددة بالاندثار تباعا، "بدايةً من البحرين عام 2024، ثم سلطنة عمان عام 2029 فالسعودية عام 2035 والكويت عام 2052".

ويعزو الصندوق توقعاته القاتمة للدول التي تساهم حاليا بأكثر من خُمس المعروض النفطي العالمي، إلى تضرر اقتصادات المنطقة بشدة جراء انخفاض أسعار النفط في عامي 2014 و2015 وما تبعه من آثار.

وحسب التقرير، فإن الطلب العالمي على النفط قد يبلغ ذروته في 2040 أو قبل ذلك بكثير حال تكثفت الجهود التنظيمية لحماية البيئة وترشيد استهلاك الطاقة.

ويصب هذا التوقع في ذات الاتجاه الذي حذرت منه مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" البحثية في لندن، إذ أكدت أن انخفاض أسعار النفط والطلب عليه سيؤدي إلى تراجع العائدات المالية والنمو الاقتصادي في دول الخليج.

ولما كانت إيرادات النفط تشكل نسبة تتراوح بين 70 إلى 90% من الإيرادات العامة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن دول المجلس الست خسرت عشرات المليارات من الدولارات منذ انهيار أسعار النفط عام 2014.

وقد أدى هذا الانخفاض الحاد في الأسعار إلى إضعاف المراكز المالية في دول الخليج، بحسب تقرير صندوق النقد، الذي أشار إلى أن العجز الناجم عن هذه الأزمة أدى إلى تخفيض صافي الثروات المالية في المنطقة بقيمة 300 مليار دولار على الأقل بين عامي 2014 و2018.

ووفقا للتقرير ذاته، فإن سوق الطاقة العالمي مرشح لتغييرات كبيرة مع زيادة المعروض من النفط وتقلص الطلب بفعل المخاوف المتعلقة بالتغير المناخي.

وفي هذا الإطار، رجحت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني أن تضعف الأوضاع المالية في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، خلال عامي 2019 و2020، ما يواصل الضغط على الميزانيات العامة وميزان المدفوعات في هذه البلاد.

وأظهر تقرير للمؤسسة نفسها أن العجز الإجمالي المتوقع لموازنات دول مجلس التعاون الخليجي سوف يصل إلى 50 مليار دولار خلال 2019، بنسبة 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل عجز بقيمة 28 مليار دولار في 2018، بنسبة 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي.

ونتيجة لذلك، ارتفعت ديون حكومات دول مجلس التعاون الخليجي من قرابة 100 مليار دولار في عام 2014، لتصبح نحو 400 مليار دولار في عام 2018، ما يعني صافي الثروة المالية لدول الخليج في طريقه ليصبح سلبيا بحلول عام 2034 أو حتى قبل ذلك.

عجز سعودي كبير 

ولا تعد السعودية، أكبر دول مجلس التعاون الخليجي بمعزل عن هذا الاتجاه. وكانت الرياض قد فرضت مؤخرا إجراءات تقشف حكومية بهدف خفض عجز الموازنة الكبير الذي تتوقع الرياض بلوغه 50 مليار دولار ارتفاعا من 35 مليار دولار العام الماضي..

ونتيجة لذلك، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصاد السعودية إلى 1.9% هذا العام بسبب تخفيضات إنتاج النفط التي جرى الاتفاق عليها مع سائر مصدري النفط الخام، تراجعا عن توقعه السابق بنمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بنسبة 2.2%.

ولا تزال إيرادات الهيدروكربونات (النفط والغاز) تهيمن على الاقتصاد السعودي، على الرغم من خطط ولي العهد "محمد بن سلمان" لتنويع الاقتصاد، ولذا ترجح "كابيتال إيكونوميكس" أن تضطر المملكة لتخفيض الإنفاق الحكومي بشكل ملحوظ هذا العام.

ورغم أن الميزانية المعلنة من قبل الرياض تشير إلى خطط سخية للإنفاق، لكن المؤسسة البحثية البريطانية تشير إلى أن ذلك قائم على "افتراضات غير واقعية بأن يصل متوسط سعر برميل النفط إلى 80 دولاراً".

وإزاء ذلك، يشير تحليل لمركز "ستراتفور" إلى استعداد السعودية لفرض بعض الضرائب على القطاع الخاص من أجل تحقيق إيرادات كبيرة، دون أن تطبق إصلاحات كافية بما يكفي لمساعدة هذا القطاع على النمو.

ويرى المركز الأمريكي أن الاكتتاب العام الأولي لشركة النفط السعودية العملاقة "أرامكو" في ديسمبر/كانون الأول الماضي واستثمار العائدات الناجمة عنه في مشاريع ضخمة، يولد نمواً قصير الأجل، ويمثل طريقة غير فعالة لاستخدام رأس المال على المدى الطويل.

ويعزو تحليل "ستراتفور" إخفاق الحكومة السعودية في التعامل مع الوضع الاقتصادي إلى عدم رغبتها في المخاطرة بتأجيج الاضطرابات الاجتماعية التي قد تصاحب التخفيضات الكبيرة في الإنفاق الحكومي.

الكويت.. تحذيرات جدية

وفي المقابل، تبدو الكويت أكثر جدية في التعاطي مع تحذيرات الصندوق، الذي توقع انكماش الاقتصاد النفطي للبلاد بسبب الالتزام باتفاقية خفض الإنتاج "أوبك+".

ووفقا لتقرير صندوق النقد، يحتاج الكويت لنحو 180 مليار دولار من الإيرادات الإضافية على مدار الأعوام الستة المقبلة حال فشلت البلاد في اتخاذ إجراءات مالية جذرية، وهو إجمالي مبلغ عجز الموازنة الذي يتوقع الصندوق أن يحققه الكويت خلال هذه الأعوام الستة.

وذكر الصندوق أن تغطية تلك الاحتياجات التمويلية سيشكل تحديا قد يلتهم احتياطات البلاد من النقد خلال فترة قصيرة، وتوقع أن تتحول الحالة المالية للبلاد من تحقيق فائض بنسبة 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2019، إلى عجز بنفس القيمة بحلول عام 2025.

لكن مع كونه يتمتع بأقوى مركز مالي بين دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، فإن الصندوق يتوقع أن الكويت لن يعاني مخاطر اقتصادية وجودية قبل خمسينات القرن الحالي.

البحرين وعمان.. مخاطر حقيقية 

صنف تقرير صندوق النقد البحرين بوصفها الدولة الأكثر عرضة للمعاناة المالية في الخليج، منوها أن البلاد حاولت فرض إصلاحات مالية خلال العامين الماضيين لكن دون نجاح يذكر.

ورغم حصول البحرين على تعهد بحزمة مساعدات قيمتها 10 مليارات دولار من الكويت والسعودية والإمارات لمساعدة البلاد على تفادي أزمة ديون محملة، فإن ذلك من غير المرجح أن يساعد في تغيير الوضع المالي المتردي في البلاد، حيث يتوقع صندوق النقد أن تتجاوز ديون حكومة البحرين أصولها خلال السنوات الخمس المقبلة.

أما سلطنة عُمان، التي أقرت ميزانية 2020 بإجمالي 62 مليار دولار، ومع عجز متوقع بقيمة 6.5 مليار دولار، فمن المتوقع أن تصل إلى الحالة ذاتها (تجاوز الديون للأصول)، خلال عقد من الزمن تقريبا.

الإمارات وقطر.. مخاطر قابلة للاحتواء

ورغم تمتع الإمارات بوضع مالي أفضل نسبيا مقارنة بجيرانها، حيث أقرت البلاد مؤخرا موازنة عام 2020 بلا عجز، ومع ذلك، فإن اعتماد أبوظبي النسبي على النفط يجعلها عرضة للمخاطر أيضا، وإن كان ذلك بدرجة أقل من البحرين وعمان والسعودية والكويت.

ويعزو "ستراتفور" الاستدامة المالية للإمارات مقارنة بجيرانها إلى اعتماد إمارة دبي نموذجًا شبيهًا بسنغافورة يعتمد على التجارة والتمويل، وهو خيار ليس متاحا لكل البلاد في المنطقة، خاصة أنه أثبت نجاعته فقط مع الدول الصغيرة، ولن يكون فعالًا بالنسبة للدول الكبيرة مثل السعودية.

ولكن هذا النموذج لا يخلو من المخاطر أيضا، وقد قادت أزمة سوق العقارات اقتصاد دبي إلى أزمة لا تزال الإمارة تعاني آثارها إلى اليوم.

وتبدو قطر الدولة الأقل عرضة للمخاطر المالية وفقا لصندوق النقد، خاصة مع تمكّنها من تحقيق فائض في عام 2019 وصل إلى 1.19 مليار دولار، وتوقعات بفائض يصل إلى 137.3 مليون دولار في 2020، بسبب تنويع الدوحة لمحافظها الاستثمارية واعتمادها على تصدير الغاز الطبيعي الذي يتمتع بفترة استدامة أطول من النفط.

ولذا يرجح صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد القطري بنسبة 2.8% مع بلوغ إجمالي الناتج المحلي للبلاد 159.23 مليار دولار في عام 2020.

فرص الحل

 وحسب تحليل "ستراتفور"، ليس من المؤكد أن تنجح دول الخليج في تطوير نموذج اقتصادي مستدام يشبه النموذج الحالي القائم على النفط، ورغم ذلك، يبقى المخرج الوحيد المتاح أمام هذه الدول هو السعي إلى تنويع اقتصاداتها بهدف توليد إيرادات توازي الارتفاع المضطرد في نفقاتها.

ويرى صندوق النقد أن هذا التنويع يرتبط بقيام دول الخليج بإجراء إصلاحات أعمق، تشمل خفض الإنفاق الحكومي وفرض ضرائب بشكل موسع، وإصلاح قطاعات الخدمة المدنية الكبيرة لديها، وتقليص الوظائف العامة، وخفض رواتب موظفي القطاع العام.

وفي هذا السياق، ينوه تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن العمل بضريبة القيمة المضافة والضرائب الانتقائية بدول الخليج كان خطوة إيجابية، و"خطوة" يمكن البناء عليها.

لكن الإشكال الأكبر أمام هذه الخطوة، بحسب التقرير، هو الوتيرة البطيئة لتلك "الإصلاحات"، التي ينصح صندوق النقد بتسريعها رغم إقراره بما قد يكون لها من "عواقب اجتماعية واقتصادية تؤثر على العمالة ودخل الأسرة، وثقة أوساط الأعمال والاستثمارات".

ومن المرجح أن مثل هذه الإجراءات الاقتصادية سوف يكون لها عواقب سياسية أيضا، بما يشمل نشوب اضطرابات اجتماعية قد تهدد حكم الممالك الخليجية.

ورغم ذلك، يرجح "ستراتفور" أن جيوش دول مجلس التعاون الخليجي سوف تكون قادرة على مواجهة التهديدات الداخلية، لكن ذلك سوف يضطرها إلى "تحويل انتباهها إلى الداخل وتقليل أنشطتها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا".

ويعني ذلك أن حقبة هيمنة دول الخليج على اتجاهات السياسية في الشرق الأوسط على وشك النهاية، وهو ما يمنح فرصة للقوى التقليدية مثل مصر وتركيا للعب دور أكثر نشاطًا في شؤون المنطقة.

ولم يستبعد "ستراتفور" أن تستفيد إيران أيضا من الأزمات المالية المتوقعة في دول الخليج العربي، في ظل امتلاك طهران لقاعدة تصنيع أكثر تطوراً، من شأنها حماية اقتصادها من آثار الانخفاض في أهمية النفط عالميا.

المصدر | الخليج الجديد