الخميس 13 فبراير 2020 04:01 م

لم يدر بمخيلة أحد أن ينجح الشاب القادم من أروقة الاستخبارات الإثيوبية، في تجاوز وضعية بلاده، كدولة حبيسة، غير ساحلية لا تطل على بحار أو محيطات، نحو الدفع بها كي تصبح قوة بحرية مجددا خلال السنوات المقبلة.

ولا تمتلك إثيوبيا حاليا، أي قطعة بحرية عسكرية ثقيلة، باستثناء قوارب وسفن صغيرة الحجم، وذلك بعد حل أسطولها البحري رسميا عام 1996 بعد ثلاثة أعوام من انفصال إريتريا عنها عام 1993، لتصبح إثيوبيا من ذلك الحين دولة حبيسة.

وكانت البحرية الإثيوبية، تمتلك في السابق، فرقاطتين وثمانية قوارب صواريخ وستة زوارق دورية وسفينتين برمائيتين وسفينتين للدعم معظمها من أصل سوفيتي، وتم الاحتفاظ بتلك القطع لدى موانئ في جيبوتي بعد حل البحرية الإثيوبية.

وبحلول عام 1996، وجراء تخلف أديس أبابا عن سداد مستحقات تلك الموانئ، أبدت جيبوتي تذمرها من استضافة السفن الإثيوبية في موانئها، ما دفعها للاستيلاء عليها وطرحها للبيع في مزاد علني.

طموح "آبي"

وتعاني إثيوبيا وضعية صعبة كدولة حبيسة، ما يجعلها رهينة مصالح الدول المطلة على البحر الأحمر، كما يقلل ذلك من هامش المناورة لديها، فضلا عن إضعاف نفوذها، وتكبيدها خسائر اقتصادية ضخمة جراء ذلك.

لكن التحول اللافت أن إثيوبيا قررت مؤخرا ألا تستسلم لقيود الجغرافيا.

وفي يونيو/حزيران 2018، وبعد مرور أقل من شهرين على توليه منصبه بشكل رسمي، ظهر رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد علي" معلنا - عبر كلمة متلفزة بثها التلفزيون الحكومي - إعادة بناء القدرات البحرية للجيش الإثيوبي.

وعلى الرغم من تشكيك البعض في وعوده، واعتبارها مغازلة لأحلام الإثيوبيين، فإن السياسي المحنك لم ينتظر طويلا، وشرع بالفعل، ضمن مخطط مدروس لاستعادة قدرة الوصول إلى البحر.

وفي مارس/آذار من العام الماضي، حققت أديس أبابا قفزة نوعية في ها الملف، عبر توقيع اتفاقية تعاون دفاعي مع باريس، تعهدت بموجبها فرنسا بتطوير سلاح البحرية الإثيوبي، وتدريب البحارة الإثيوبيين.

ويشمل الاتفاق الإثيوبي الفرنسي، أيضا التعاون الجوي والعمليات المشتركة وفرص التدريب وشراء العتاد.

الخطوة الثانية كانت تعيين العميد "كيندو جيزو" لقيادة عملية تأسيس القوات البحرية، على أن يتمركز مقر قيادة القوات في مدينة "بحر دار"، عاصمة إقليم "أمهرا" في الشمال الإثيوبي والمطلة على بحيرة "تانا" أكبر المسطحات المائية الإثيوبية.

قاعدة عسكرية

 ظل المراقبون في حيرة، يطرحون التساؤلات حول موقع تمركز تلك القوات البحرية، في دولة حبيسة بلا سواحل أو موانئ، لكن "آبي" كان يملك الإجابة، بعد زيارة قام بها لجيبوتي، أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث التقى برئيس البلاد "إسماعيل عمر غيلة".

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، جرى الكشف عن اتفاق إثيوبي جيبوتي، يقضي بإنشاء قاعدة بحرية إثيوبية في دولة جيبوتي المجاورة، وفق صحيفة "كابيتال" الإثيوبية.

وتعد جيبوتي، البلد الصغير، شرقي القارة السمراء، الأكثر ازدحاما بالقواعد العسكرية الأجنبية على وجه الأرض، في ظل امتلاك كل من فرنسا والولايات المتحدة والصين واليابان وإيطاليا لقواعد عسكرية فيها.

وتمر 95% من صادرات وواردات إثيوبيا عبر جيبوتي، وهو ما جعل البلاد (تعدادها 105 ملايين نسمة) مضطرة للاعتماد بشكل كامل على جارتها الصغيرة.

ولذلك كان منطقيا، دخول أديس أبابا في مفاوضات مع الدولة المجاورة لتطوير ميناء "ديوراليه"، وتشغيله بشكل مشترك، والحصول على حصة فيه، مقابل حصول جيبوتي على أسهم في الشركات الإثيوبية المملوكة للدولة، ضمن خطة الخصخصة لأديس أبابا.

   تمدد إثيوبي

ويتوسع الطموح الإثيوبي نحو إنشاء قواعد أخرى في الموانئ التي تسعى إثيوبيا لاختراقها في إريتريا وكينيا وأرض الصومال والسودان.

بمعنى آخر، فإن الدولة الحبيسة، سيكون لقواتها البحرية تواجد في أكثر من دولة، بما يمنحها نفوذا وقدرة على لعب دور فاعل في الأمن البحري بمنطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، عبر المشاركة بقواتها في تأمين المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب.

كذلك تقدم أديس أبابا نفسها للمنطقة كحام محتمل لحركة الشحن في الدول المجاورة، الأمر الذي سيعزز نفوذها وسيطرتها الإقليمية.

ويدعم قدرة الجانب الإثيوبي، على تنفيذ مخططه، نجاحه منذ سنوات في تدريب أكثر من 5000 من البحارة ومهندسي السفن بهدف تشغيلهم بالأجر لصالح الأساطيل البحرية في بلدان أخرى، وهي الخطوة التي سيحصد ثمارها الآن، عبر دعم جيرانه في منطقة القرن الأفريقي بالعمالة المدربة وخبرات التشغيل اللازمة.

سد النهضة

يبدو إذن أن الدولة الحبيسة التي تفتقد السواحل، نفذت معادلة صعبة لتعويض ذلك بالقدرات والخبرات والموارد اللازمة، لتعيد تموضعها كقوة بحرية، سيكون لها خلال سنوات دورا فاعلا على الخارطة البحرية الإقليمية.

ولا جدال في أن القاعدة البحرية الإثيوبية، التي ستؤمن موطئ قدم لأديس أبابا على مدخل البحر الأحمر في جيبوتي، ستؤمن كذلك مشروعها الطموح لبناء "سد النهضة" المتنازع عليه مع مصر.

ويبدو أن مصر تدرك ذلك جيدا.

وفي 4 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وبعد يومين فقط من تداول أنباء القاعدة الإثيوبية، أجرى الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" اتصالا هاتفيا بنظيره الجيبوتي "إسماعيل عمر غيله"، بحث خلاله "قضايا الأمن في أفريقيا"، وهي خطوة تؤشر على قلق القاهرة من تحركات أديس أبابا، وخططها البحرية.

لكن بناء أسطول يتمتع بقدرات بحرية متطورة، عملية طويلة ومكلفة، وقد تستغرق سنوات، لكن الدعم الفرنسي المعلن، إضافة إلى دعم آخر قد تتلقاه أديس أبابا من قوى متعددة، قد يختصر سريعا الخطط الزمنية لتنفيذ خطط "آبي أحمد".

ويمكن القول أن منطقة القرن الإفريقي، بصدد إعادة تموضع على الصعيد البحري، خاصة مع نجاح "آبي" في إبرام مصالحة تاريخية مع إريتريا عام 2018، والتقارب مع الصومال، خلال العام ذاته، وتنامي نفو إثيوبيا في السودان، خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام "عمر البشير".

المصدر | الخليج الجديد