الأربعاء 12 فبراير 2020 02:31 م

جاء فيروس كورونا الجديد في وقت غير مناسب لسوق النفط. وكان السوق قد بدأ العام على أمل أن تؤدي الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى نمو أكثر قوة للطلب العالمي، حيث ارتفعت أموال المضاربة في السوق تحسبا لصفقة ما، حتى بعد تذبذب الأسعار لفترة وجيزة بعد اغتيال الولايات المتحدة للقائد العسكري الإيراني البارز "قاسم سليماني".

ولكن حتى قبل اتضاح آثار فيروس كورونا على الطلب، فقد ضعفت معنويات السوق بشأن نمو الطلب بناء على بيانات أخرى، فوضع "الشراء طويل الأجل" الكبير ترك السوق مهيئا للانخفاض السريع؛ حيث باع مديرو الأصول في صناديق التحوط وغيرها مراكزهم. وتوقعت الوكالة الدولية للطاقة وجود فائض في الإمداد بنحو مليون برميل يوميا في النصف الأول من عام 2020، في حين نما الإنتاج الأمريكي في الربع الأخير وارتفعت المخزونات، حتى مع إعلان "أوبك+"، المجموعة غير الرسمية التي تجمع أوبك وغيرها من منتجي النفط، خفض إنتاج جديد في ديسمبر/كانون الأول.

والآن، وسط تفشي فيروس كورونا، تنتشر حالة من عدم اليقين في السوق أيضا؛ لأن الفيروس قد يؤثر على طلب النفط من خلال عدة وسائل. وحتى لو حصرت الصين الوباء داخل حدودها إلى حد كبير، سيبقى هناك تأثير كبير على الطلب على مدار العام. وغني عن القول إن تأثير السوق سيكون أكثر عمقا إذا أصبح الفيروس وباء عالميا.

وفي النهاية، من المحتمل أن تتخذ "أوبك+" إجراءات ناجحة جزئيا للتخفيف من التأثير على الأسعار. ومع ذلك، من المرجح أن يكون أي إجراء متواضع ومحدود المدة؛ بسبب إحجام موسكو عن المبالغة في رد الفعل، خشية أن يدفع التحالف إلى ارتفاع الأسعار بالتزامن مع نهاية سريعة للوباء وما يرتبط به من قيود على النشاط الاقتصادي.

نقص البيانات

وتشير المعلومات إلى تأثير كبير للفيروس على طلب النفط. وبحسب ما ورد، تستغل شركات التكرير الصينية، على سبيل المثال، حقوق التباين الهبوطي في عقودها المبرمة مع المصدرين الشرق أوسطيين لخفض واردات النفط الخام.

ومع ذلك، فإن نقص البيانات يجعل من المستحيل إجراء تقدير دقيق. ومن ناحية، لا تنشر الصين بيانات حول طلب المستخدم النهائي، لذلك يجب على المراقبين أن يحصلوا على هذه المعلومات المتعلقة بالإنتاج والتدفقات التجارية واستخدام المصافي والمخزونات.

وتقدر وكالة "إس آند بي" للتصنيفات الائتمانية أن الانخفاض في الطلب قد يصل إلى 2.6 ملايين برميل يوميا في فبراير/شباط، ونشرت بلومبرج عددا أكبر من 3 ملايين برميل يوميا. ورغم ذلك، فإن أي شيء ينشر في هذه المرحلة يعد مجرد مضاربة.

وتعتمد هذه التقديرات على الكثير من الأدلة القصصية التي تشير إلى أن فيروس كورونا الجديد أثر بشكل كبير على أنشطة السفر والأنشطة الصناعية في الصين، الأمر الذي فرض قيودا صارمة على الحركة وسط إغلاقات الأعمال التي امتدت إلى ما بعد مقاطعة "هوبي".

كما أنها تعتمد هذه التقديرات على البيانات المتاحة، بما في ذلك التقارير الصحفية التي يتم الحصول عليها من مصادر مجهولة من منافذ الأخبار ذات السمعة الجيدة، والتي لا يمكن أن تعطي صورة كاملة، لكنها مع ذلك تدعم وجهة نظر انخفاض كبير في الطلب على النفط.

وقالت "رويترز" في 5 فبراير/شباط، نقلا عن أحد مصادر صناعة النفط الصينية، إن مبيعات وقود الطائرات انخفضت بنسبة 25% خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير/كانون الثاني بسبب تقليص السفر. كما أشار المصدر إلى أن فبراير/شباط سيكون أسوأ بكثير، وأن الطلب الصيني على وقود الطائرات في الربع الأول قد ينخفض ​​بمقدار النصف.

وقال تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، في 3 فبراير/شباط، إن شركة "سينوبك" خفضت طاقة مصافي التكرير لديها بنسبة تتراوح بين 13 و15% في جميع المجالات. وبعد ذلك بيومين، ذكرت وكالة "رويترز" أن مصفاة "تشاينا ناشونال أوفشور أويل كورب"، في هويتشو بمقاطعة قوانغدونغ (خارج منطقة الحجر الصحي) خفضت أعمالها بنسبة 8%.

علاوة على ذلك، قد لا تفسر عمليات التشغيل هذه الحجم الكلي لانخفاض الطلب، مما يعني أن المتداولين سيراقبون صادرات المنتجات البترولية الصينية عن كثب لمعرفة ما إذا كانت تقدم أدلة على أن شركات التكرير المحلية تسعى إلى تفريغ المزيد من المعروض من المنتجات الزائدة عن المعتاد في الأسواق الخارجية.

وتسببت الضربة الحادة في الطلب الفوري في أن يتحول منحنى العقود الآجلة للنفط الخام من "التخلف"، حيث تكون العقود المستقبلية القريبة أكثر تكلفة، إلى "الاستمرار"، حيث تكلف العقود المستقبلية طويلة الأجل أكثر من ذلك. ويشجع انحناء المنحنى مصافي التكرير ومرافق التخزين على تراكم المخزونات، لكنه يضرب المصدرين الذين يبيعون بأسعار تفاضلية محددة وفقا لمعايير قريبة مؤرخة مثل "برنت".

واستهلكت الصين ما معدله 14.5 مليون برميل يوميا من المنتجات البترولية في عام 2019، وفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وبالنظر إلى ذلك، فإن حتى لو بلغت نسبة الانخفاض في الطلب 15% سيشكل ذلك انخفاضا بأكثر من مليوني برميل يوميا.

ومع ذلك، إذا استمر تفشي فيروس كورونا محصورا إلى حد كبير في الصين، وانحسر بشكل حاد قبل نهاية الربع الأول، فقد يكون التأثير على الطلب على مدار العام بأكمله أكثر تواضعا. وقد توقعت شركة "بريتيش بتروليوم" ما بين 300 ألف إلى 500 ألف برميل في اليوم كمتوسط ​​للعام بأكمله.

وفي غضون ذلك، قامت أمانة "أوبك" بتوزيع تقدير داخلي على المسؤولين في 4 فبراير/شباط تتوقع فيه انخفاضا أساسيا قدره 200 ألف برميل يوميا، وتراجعا أسوء حالا بمقدار 400 ألف برميل يوميا للعام بأكمله. لكن بالنسبة للعديد من المحللين، فإن التقدير غير دقيق، وقد لا يعكس بالضرورة وجهات نظر الرياض وموسكو والجهات الفاعلة الرئيسية الأخرى في "أوبك +".

وبالنسبة للغاز الطبيعي، تتوفر بيانات أقل صلابة، رغم أن التأثير لا مفر منه. وتستورد الصين الغاز الطبيعي المسال المرتفع الثمن نسبيا، إلى حد كبير للاستخدام الصناعي والبتروكيماوي، بدلا من توليد الكهرباء أو الأغراض السكنية والتجارية.

ووفقا لذلك، من الآمن افتراض أن إغلاق المنشآت الصناعية سيكون له تأثير كبير، ولكن هناك بيانات أقل للمساعدة في صنع الاستدلالات مقارنة بالنفط. وفي الواقع، أعلنت "تشاينا ناشونال أوفشور أويل كورب" عن التعامل بفرض القوة القاهرة على الواردات، ورفضت قبول شحنات جديدة في الوقت الحالي، مما أجبر المصدرين على ضخ كميات كبيرة في السوق الفورية، مما أدى إلى انخفاض الأسعار إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، والتي تقل عن 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

ورفضت بعض الشركات الكبرى، بما في ذلك "شل" و"توتال"، الأساس القانوني لمطالبة "تشاينا ناشونال أوفشور أويل كورب" بالقوة القاهرة، وتنوي المطالبة بتعويض من خلال التحكيم إذا لزم الأمر. وفي الوقت نفسه، قد تكون السوق الفورية شديدة التقلب، حيث يجري بيع معظم النفط بموجب عقود محددة المدة مع صيغ تسعير محددة.

"أوبك+" تدرس إجراء متواضعا

وحتى إذا احتوت الصين إلى حد كبير ظهور فيروس كورونا في أراضيها، وانتهت منه في غضون بضعة أشهر، فإن الخسارة الحالية في الطلب ستزيد من تراكم مخزونات النفط الخام، بالرغم من فقدان أكثر من مليون برميل في ليبيا في الربع الأول من عام 2020.

ومن المرجح أن توافق روسيا على طلب المملكة العربية السعودية بتأييد خفض الإنتاج الإضافي، لكن الاختلافات في وجهات النظر بين موسكو والرياض ستحد من الحجم والمدة. وتعد روسيا، في نهاية المطاف، في وضع أفضل بكثير لاستيعاب انخفاض الأسعار من حيث متطلبات ميزانيتها؛ حيث صرح الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، على سبيل المثال، في يونيو/حزيران الماضي، أنه اختلف مع الرياض بشأن تفضيلات الأسعار، وأشار إلى أن سعر ما بين 60 و65 دولارا للبرميل لخام برنت هو الأمثل للمصالح الروسية.

ومع ذلك، فإن التحدي الذي يواجه المنتجين يتمثل في قياس الحجم الإجمالي لانخفاض الطلب بشكل صحيح، بالنظر إلى المجموعة الواسعة من الأرقام التي تتسم بعدم اليقين. وتعتبر الدولتان المهمتان في هذا الصدد هما السعودية وروسيا.

وترغب المملكة في أن تحدث تخفيضا "كبيرا" بمقدار مليون برميل يوميا أو أكثر، وربما لفترة طويلة، بينما تفضل روسيا تقديم رد محدود أكثر، ربما 500 ألف برميل يوميا من التخفيض، ولمدة محدودة، لتجنب الالتزام الذي قد يؤدي إلى ارتفاع سخونة السوق إذا لم يكن تأثير الفيروس كبيرا كما كان متوقعا في الأصل.

وفي الأسبوع الماضي، أوصت اللجنة الفنية في "أوبك+" بأن تستمر التخفيضات الحالية حتى نهاية العام، وأن تخفض المجموعة الإنتاج بمقدار 600 ألف برميل إضافي حتى نهاية يونيو/حزيران. وفي 7 فبراير/شباط، أشار وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف"، إلى أن روسيا ستواصل التعاون مع "أوبك+" لمعالجة الأزمة، على الرغم من أنه امتنع بشدة عن تأييد توصية لجنة "أوبك+".

وفي النهاية، من المحتمل أن تشرع موسكو في هذا الأمر، تماما كما فعلت في اجتماع "أوبك+" في ديسمبر/كانون الأول؛ حيث وافق الحاضرون على تعديل تعريف النفط الخام الروسي لاستبعاد المكثفات، مما يلغي أي مطلب حقيقي لخفض الإنتاج من روسيا، تحت بند خفض الإنتاج التزايدي بـ500 ألف برميل في اليوم.

ووفقا لذلك، قد توافق "أوبك+" على تخفيض إضافي متواضع، ينتهي في موعد لا يتجاوز نهاية الربع الثاني، وذلك خلال اجتماع وزاري في فيينا هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل.

ومن الطبيعي أن يكون لانتشار الفيروس الجديد خارج الصين أبعاد وبائية عالمية وعواقب وخيمة للغاية على السوق، لكن لا يوجد شيء في انتشار المرض حتى الآن يوحي بأن العالم على وشك أن يشهد مثل هذا السيناريو.

ولكن حتى لو كان تأثير الفيروس على السوق أقل حدة، يبدو أن هناك فرصة ضئيلة لوجود عام صعودي للنفط الخام، ويرجع ذلك إلى حد ما إلى رغبة روسيا في عدم فقدان حصتها في السوق. ولهذا السبب، فإن زيادة المخزونات فقط بشكل معتدل، ورجوع برنت مرة أخرى إلى نطاق 60 دولارا خلال الصيف، هو السيناريو المعقول.

المصدر | جريج بريدي - ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد