الخميس 13 فبراير 2020 09:34 ص

منذ أكثر من عقد من الزمن، تضاءل الإنتاج المحلي للغاز في دبي حتى وصل إلى الصفر، ما أدى إلى الاعتماد الكلي على الواردات بسبب الطلب الكبير على الغاز والعمل على إصلاح شامل لاستراتيجية الطاقة في الإمارة، ولكن أعلنت دبي مؤخرا عن اكتشاف ضخم للغاز بالاشتراك مع إمارة أبوظبي المجاورة.

وجاء الإعلان في 3 فبراير/شباط، بتوقيع اتفاقية بين شركة بترول أبوظبي الوطنية وهيئة دبي لتزويد الغاز، محتكر توريد الغاز في دبي، وقد أعلنتا عن اكتشاف 80 تريليون قدم مكعبة من الغاز في المنطقة الواقعة جنوب ميناء "جبل علي" في دبي، وتمتد إلى أراضي أبوظبي.

وقبل إصدار هذا الإعلان، قامت شركة "أدنوك" بحفر ما لا يقل عن 10 آبار تقييم، ما يدل على تعقيدات بالحقل، حيث يشكل خزانا مختلطا، ومن المحتمل أن يتطلب تكسيرا هيدروليكيا للوصول إلى معدلات الإنتاج التجاري.

ورحب المحللون بهذا الحقل باعتباره ثالث أكبر حقل في الخليج، بعد الحقل الشمالي الإيراني القطري المشترك، أو حقل "جنوب بارس"، أكبر حقل في العالم، وحقل "باب" في أبوظبي، وكذلك باعتباره أكبر اكتشاف للغاز في العالم منذ عام 2005.

ومع ذلك، من المحتمل أن يكون هذا التقييم مفرطا في التفاؤل؛ حيث يعتمد على عامل الاسترداد المفترض، أي مقدار الغاز في الخزان الذي يمكن إنتاجه تجاريا.

ويصنف "جبل علي" باعتباره غاز ضحل، والذي يبدو أنه حيوي، بمعنى أنه يتكون من التحلل البكتيري للمادة العضوية في درجات حرارة منخفضة، وليس من النضج الحراري المعتاد لصخور المصادر الساخنة والمدفونة بعمق.

وعادةً ما يكون الغاز الحيوي جافا وجيدا، ويتكون بالكامل من الميثان تقريبا بدون سوائل غاز طبيعي أو كبريت.

ويبدو أن الخزان عبارة عن تكوين جاكساران من العصر الميوسيني، وهو سلسلة كثيفة من الصخر الزيتي والكربونات والصخور التبخرية، التي توجد في جميع أنحاء منطقة الخليج وتعتبر بمثابة ختم لتراكم البترول.

ومع ذلك، في شرق أبوظبي ودبي، تم تقييم المنطقة حديثا لاحتواء موارد الغاز، ويبلغ سمكه في شمال شرق أبوظبي أكثر من 1000 متر، ويتراوح عمقه بين 600 و1000 متر، وهو أقل عمقا من الخزانات البترولية التقليدية في الدولة والتي يبلغ ارتفاعها 3 آلاف متر أو أكثر.

ويمتد هذا الاكتشاف على أكثر من 1930 ميلا مربعا، وهو أكبر من مساحة إمارة دبي بأكملها، مم يعني وجود نحو 40 مليار قدم مكعبة من الغاز في المكان لكل ميل مربع، مقارنة بالأجزاء الأقل جودة من صخور "مارسيلوس" الشهيرة في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ولديها نفاذية منخفضة، ما يعني أن الغاز سوف يتدفق منه فقط بمعدلات منخفضة، ما لم يتم استخدام تقنيات مثل التكسير الهيدروليكي.

وقد تكون عوامل الاسترداد من مكامن الغاز الصخري، أي كمية الغاز الموجودة التي يمكن استخراجها اقتصاديا، نحو 10% إلى 15%، ومن شأن ذلك أن يسمح باسترداد ما بين 8 تريليونات و12 تريليون قدم مكعبة من اكتشاف جبل علي، وهو ما يجعله خارج فئة أكبر الحقول الخليجية، ولكن لا يزال مهما للغاية.

وكمقارنة تقريبية، فهو يعادل نحو 17 عاما من استهلاك الغاز في دبي، ولديه مزايا اقتصادية تتمثل في أنه في البر، وضحل، وهو ما يخفض تكاليف الحفر، وأنه قريب من البنية التحتية، وبالقرب من المواقع الرئيسية لاستهلاك الغاز، حيث يستخدم الغاز لتوليد الكهرباء ومجمعات صهر الألمنيوم بالقرب من ميناء جبل علي في دبي، وفي الطويلة في أبوظبي.

وبشكل عام، بالرغم من امتلاك الإمارات سادس أكبر احتياطي للغاز، وجميعها تقريبا في أبوظبي، لكنها لا تزال مستوردا بسبب الاستخدام المرتفع للطاقة لكل شخص، والتأخير في تطوير حقولها الخاصة التي تمثل تحديا تقنيا.

ومن شأن أي إنتاج لـ"جبل علي" أن يحل محل بعض الواردات إلى دبي، على الرغم من أن تفاصيل كيفية تقسيمها بين الإماراتين تحتاج إلى تروٍ.

وتواصلت الواردات من قطر على الرغم من مقاطعة الإمارات، إلى جانب السعودية والبحرين ومصر، لجارتها منذ يونيو/حزيران 2017. وتستورد الإمارة أيضا الغاز الطبيعي المسال.

وشجعت المخاوف المتعلقة بأمان الإمداد والتكلفة المرتفعة للغاز الطبيعي المسال المستورد، (حتى مع انخفاض الأسعار في الآونة الأخيرة)، وقلة التنوع في المصادر، دبي على الكشف عن استراتيجيتها المتكاملة للطاقة في عام 2011، واستراتيجية الطاقة النظيفة في نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

وتهدف هذه الخطط إلى خفض بنسبة 30% في استخدام الطاقة مع العمل كالمعتاد، وإعادة ترتيب خليط توليد الكهرباء ليصل في عام 2030 إلى 61% من الغاز، و7% من الفحم "النظيف"، و7% طاقة نووية، مستوردة من مفاعلات أبوظبي الجديدة في البركة، و25% من الطاقة الشمسية، المستمدة في الغالب من مجمع "محمد بن راشد آل مكتوم" للطاقة الشمسية، الذي تبلغ طاقته 5 آلاف ميجاوات، والمقصود منه أن يكون أكبر حديقة شمسية أحادية الموقع في العالم، وينبغي أن يبدأ تشغيل مصنع "حسيان" للفحم في دبي هذا العام.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أصدرت "أدنوك" استراتيجيتها المتكاملة للغاز، والتي تهدف إلى أن تصبح دولة الإمارات مكتفية ذاتيا في مجال الغاز، مع تطوير أبوظبي للغاز بالشراكة مع "أوكسيدنتال"، و"أو إم في"، و"إيني"، و"وينترشال"، و"لوك أويل"؛ لمخزون الغاز على حقول النفط، والغاز غير التقليدي في مشروع مع شركة "توتال".

وسيؤدي استخدام الكربون المحتجز وتخزينه إلى استبدال الغاز الذي يتم إعادة حقنه حاليا لاستخلاص النفط بشكل أفضل، ومن المقرر أن يبدأ أول مفاعل نووي في الإمارات، في "بركة" غرب أبوظبي، قريبا جدا، وتقوم شركة الإمارات للمياه والكهرباء التي أعيد تنظيمها حديثا بالمناقصة لإنشاء ثاني محطة كبيرة للطاقة الشمسية.

وأخيرا، أعلنت إمارة الشارقة المجاورة عن إنشاء حقل جديد للغاز في شهر يناير/كانون الثاني، وهو الأول من نوعه خلال 3 عقود، ما قد يلغي الحاجة إلى واردات الغاز الطبيعي المسال المخطط لها، ومن المحتمل أن تؤدي كل هذه المبادرات إلى انخفاض كبير في الطلب على استيراد الغاز في الإمارات على المدى المتوسط.

ويجب أن يتنافس غاز "جبل علي" اقتصاديا مع الغاز الطبيعي المسال المستورد، الذي وصل مؤخرا إلى انخفاض قياسي في الأسعار.

وفي عام 2032، سينتهي عقد خط أنابيب دولفين، ويمنح اكتشاف الغاز الجديد دولة الإمارات نفوذا للتفاوض مع قطر لتجديد الصفقة بأسعار معقولة، أو لإلغاء الواردات من جارتها بالكامل.

وستواجه إمدادات الغاز الرخيصة أيضا صعوبة في المنافسة في توليد الطاقة بتكلفة منخفضة مع الطاقة الشمسية الجديدة، وقد تم منح أحدث منشأة في دبي، تبلغ طاقتها 900 ميجاوات، في أكتوبر/تشرين الأول 2019، معدلا قياسيا عالميا بلغ 1.69 سنت لكل كيلووات في ساعة.

علاوة على ذلك، تواجه الإمارات تحديا أساسيا حول ما يجب القيام به مع كل هذا الغاز، ومن المخطط التوسع في الصناعة، لكن من غير المحتمل أن يكون إنتاج الغاز الجديد غير التقليدي والحامض رخيصا، ومن غير المرجح أن يساعد في التوسعات الرئيسية لصادرات الغاز الطبيعي المسال كمواد وسيطة مكلفة نسبيا مع السوق العالمية الحالية منخفضة الأسعار.

ويعد اكتشاف "جبل علي" فرصة لتخفيض فواتير الاستيراد، وتحسين أمان الإمداد، والمزيد من الغاز لتعزيز الاقتصاد، لكنه سيتطلب بعض الأعمال الفنية والتجارية الذكية للاستفادة الكاملة منه.

المصدر | روبين ميلز | معهد دول الخليج العربية في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد