الجمعة 14 فبراير 2020 06:19 ص

فجرت قضية شركة "كريبتو" لصناعة معدات التشفير السويسرية فضيحة دولية راح ضحيتها 120 دولة حول العالم، بينها دول عربية، دفعت أموالا للشركة غير معروفة الملكية، لكي يجري في النهاية التجسس عليها لا حماية خصوصيتها.

وتفجرت تلك القضية بعدما نشرت صحيفة "واشنطن بوست"، والقناة الألمانية الثانية تقريرا استقصائياً كشف عن تعاون استخباري بين ألمانيا والولايات المتحدة عبر امتلاكها لشركة "كريبتو".

شملت تلك الدول الضحية كلا من السعودية والعراق، والأردن، والكويت، ولبنان، وعمان، وقطر، وسوريا، والإمارات، والجزائر، ومصر، وليبيا، والمغرب وتونس إضافة إلى إيران ودول أخرى.

وجرى إنشاء شركة "كريبتو" عام 1970، وتخصصت بصناعة أجهزة تشفير وبيعها لأكثر من 120 دولة، لتهيمن عبر العقود الماضية على هذا السوق منذ البداية، وهي مسيطرة على أكثر من 40% من القنوات الدبلوماسية السرية، وقد حققت من خلال بيع وإنتاج هذه الأجهزة ملايين الدولارات.

شكلت إيران والدول العربية ودول أمريكا اللاتينية، والهند وباكستان أهم عملائها، بالإضافة إلى عدة دول حليفة خلال الحرب الباردة، وفي فترات التنافس المحموم على صناعة الأسلحة النووية.

وعلى مدى أكثر من 50 عاماً، كانت أسرار الحكومات والأنظمة السياسية لدول في جميع أنحاء العالم بيد شركة سويسرية واحدة، تم ائتمانها على اتصالات سرية بين الجواسيس والجنود والدبلوماسيين.

ولم تكن تلك الدول تعرف مالك هذه الشركة التي كانت تتبع سراً لوكالة المخابرات الأمريكية المركزية CIA، بشراكة مع المخابرات الألمانية الغربية BND، وبعلم المخابرات السويسرية.

بدلا من تزود تلك الشركة 120 دولة بمعدات التشفير، قامت بتزوير الشفرات، ما مكنها من كسر الرموز التي استخدمتها البلدان في مراسلاتها، مما يعني أن ألمانيا والولايات المتحدة استطاعتا كشف الأسرار السياسية والعسكرية، وحتى العمليات السرية آنذاك.

يعني ذلك أن جميع هذه الدول كانت ضحية، دفعت أموالاً طائلة للولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا من أجل امتياز قراءة معظم اتصالاتها السرية من قبلCIA والمخابرات الألمانية.

طرح كل ذلك تساؤلاً حول المسؤولية الأخلاقية التي تقع على هاتين الدولتين في جرائم الحرب التي حدثت في تلك الفترة، بالإضافة إلى حجم المعلومات التي تمكنت من الحصول عليها ومتابعتها.

استمرت تلك العلاقة السرية بين الجهازين حتى عام 1993، حينما انسحبت ألمانيا من الاتفاق، وقامت الولايات المتحدة بشراء حصة شريكتها، وفرض سيطرتها الكاملة على الشركة حتى عام 2018، وتم حفظ ملف العملية في سجل سري للـ "CIA"، ليتم الكشف عنه مؤخراً فقط.

تعتبر تلك العملية ، التي عرفت لاحقاً باسم  "Thesaurus" و "Rubicon"، أكبر العمليات السرية في الحرب الباردة، إذ استطاعت كلتا الدولتين السيطرة بشكل كامل على الشركة، وتحكموا بالتوظيف، والتصميم وتخريب الخوارزميات، وتوجيه أهداف المبيعات.

استمر التعامل مع تلك الشركة لعقود الطويلة، ما يشير إلى حجم معلومات ضخم جمعها جهازا المخابرات بشكل سري ودون علم زبائن الشركة، لكن هناك دلائل أولية آنذاك أشارت إلى وجود قناة سرية لدى واشنطن يتم من خلالها تهريب المعلومات إلى البيت الأبيض.

لكن المدى الحقيقي لـ"الباب الخلفي" الذي قدمته الشركة لواشنطن وبون (عاصمة ألمانيا الغربية في ذلك الوقت)، لم يتم الكشف عن حجمه إلا الآن.

فقد جلس العملاء الأمريكيون والألمان يتنصتون على اتصالات الرئيس المصري "أنور السادات" في القاهرة عام 1978، عقب عملية اجتماع قادة مصر و(إسرائيل) والولايات المتحدة في كامب ديفيد للتفاوض على اتفاق سلام.

كما جرى التنصت أيضا على مكالمات النظام الإيراني خلال أزمة الرهائن عام 1979، وذلك بعد قيام عناصر من "الثورة الإيرانية" باحتجاز 52 أمريكياً لمدة 444 يوماً.

وقامت المخابرات الأمريكية والألمانية الغربية بتقديم معلومات للبريطانيين خلال حرب الفوكلاند بين الأرجنتين والمملكة المتحدة عام 1982.

قائمة الدول العربية

احتكار "كريبتو" لسوق التشفير خلال العقود السابقة، جعلها وجهة العديد من دول العالم للحصول على معدات تشفير متطورة، إذ أن 120 دولة وقعت ضحية التعاون الأمريكي الألماني.

فقد كانت إيران على رأس القائمة، إلى جانب السعودية والعراق، والأردن، والكويت، ولبنان، وعمان، وقطر، وسوريا، والإمارات، والجزائر، ومصر، وليبيا، والمغرب وتونس.

وكذلك دول أمريكا اللاتينية؛ فيما كانت دول أوروبية أيضاً واقعة في شباك الجهازين وطال التورط حتى دولة الفاتيكان، إضافة إلى دول من شرق وجنوب آسيا.

رفض روسي صيني

لم يكتمل نجاح هذه العملية لأن خصوم الولايات المتحدة الرئيسيين؛ روسيا والصين رفضتا التعاون مع "كريبتو" بسبب شكوكهم حول علاقتها مع واشنطن، مما يعني أن تقنية "رسائل التشفير" لموسكو وبكين كانت تجري في معزل عن دول القطب الغربي.

كما لم تتجسس المخابرات الألمانية والأمريكية على إسرائيل والسويد وسويسرا وبريطانيا.

أثارت تلك التحقيقات فور نشرها زوبعة لدى العديد من المهتمين والناشطين وشركات تقنيات التشفير، فيما تم اعتباره فضيحة مدوية.

يقول ناشطون إن واشنطن تحاول حتى الآن إجبار شركات تكنولوجية أمريكية بشكل قانوني على فتح "باب خلفي" للسماح لها بالتجسس على دول وأفراد.

لم تصدر برلين بشكل فوري أي تصريحات رداً على المعلومات التي احتواها التحقيق.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات