الأحد 16 فبراير 2020 09:46 م

منذ الزيارة التي قام بها رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" الفلسطينية "إسماعيل هنية"، الشهر الماضي إلى طهران، للمشاركة في جنازة "قاسم سليماني"، كان هناك الكثير من الحديث عن تدهور العلاقة بين "حماس" ومصر.

وتشير التسريبات من عدة مصادر إلى أن "حماس" كانت قد وعدت جهاز المخابرات المصري بأن جولة "هنية" المستمرة إلى الدول الأجنبية، بتيسير من القاهرة، لن تشمل إيران.

ومع ذلك، تم تأطير اغتيال "سليماني" في غارة جوية أمريكية على بغداد، في يناير/كانون الثاني، من قبل "حماس" على أنه "حدث طارئ" لم يمنح "هنية" أي خيار سوى السفر إلى إيران.

وترأس "هنية" وفدا رفيع المستوى من "حماس" في الجنازة، حيث رأى أنها فرصة للحركة لاستعادة العلاقة مع طهران، التي كانت قد تضررت بسبب المواقف المختلفة بين الطرفين بشأن الحرب السورية.

ووفقا لمراقبين ومحللين، تعتقد الحكومة المصرية، وبعض الفصائل الفلسطينية، أن "هنية" قد تجاوز مجرد المشاركة في الجنازة، بوصفه "سليماني" بعبارة "شهيد القدس"، فضلا عن منحه الفضل في سياسة إيران تجاه القضية الفلسطينية.

ومنذ زيارة "هنية" إلى طهران، حدثت عدة تطورات يعتقد المراقبون أنها تشير إلى غضب مصر من "حماس" وتدهور العلاقات بينهما.

والشهر الماضي، سمحت "حماس"، التي تحكم قطاع غزة المحاصر، بأن تصل بالونات حارقة إلى الجيب الساحلي لـ (إسرائيل) لأول مرة منذ أشهر، الأمر الذي أدى إلى رد إسرائيلي جاء في شكل قصف مكثف.

ومع ذلك، ظلت مصر، التي تلعب دورا رئيسيا في مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، دون أي دور في أحداث التصعيد. وفي الوقت نفسه، حجبت القاهرة أيضا إمدادات الغاز المنزلي عن القطاع.

  • نختلف ونتفق مع مصر

ومن جانبها، لا تنكر "حماس" أن الزيارة إلى طهران قوبلت بعدم الارتياح في مصر، لكنها في الوقت نفسه كانت حريصة على تأكيد قوة علاقتها بالقاهرة، وأنها لا تقبل بديلا لمصر فيما يخص القضية الفلسطينية، وفقا لبيان أدلى به "خليل الحية"، نائب رئيس "حماس" في غزة.

وقال "الحية": "مصر اتخذت موقفا من زيارتنا لإيران"، مضيفا أن "المصريين عقلانيون، وقد ناقشنا الأمر معهم. نحن نختلف ونتفق مع مصر، والسياسة تتطلب ذلك، ونحن نعمل على استعادة العلاقات مع جميع البلدان والكيانات".

ومع ذلك، كشف مصدر مطلع لموقع "ميدل إيست آي"، أن الفصائل الفلسطينية في غزة حاولت الوصول إلى القاهرة واستعادة العلاقات بعد زيارة "هنية" لطهران، لكنها لم تتلق ردا.

وأكد المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن مصر لا تسعى إلى الانفصال التام عن "حماس".

وقالوا إن القاهرة تدرك أهمية "حماس" في الساحة الفلسطينية، وخاصة في غزة، وقد سرها التعاون الذي شهده الجانبان مؤخرا في العديد من القضايا، وعلى رأسها تأمين الحدود مع غزة.

ومع ذلك، قال المصدر إن مصر منزعجة من زيارة "هنية" وإمكانية قيام طهران بدور أكبر وأكثر نفوذا في القضية الفلسطينية، مما يؤثر على دور مصر، ويعرقل سعي القاهرة لتحقيق هدنة طويلة الأمد مع (إسرائيل) في غزة.

وأضاف المصدر أنه نتيجة لذلك، لن تتجاهل القاهرة زيارة "هنية" إلى طهران دون "تعليمه درسا".

وأكد أن تصرفات القاهرة ضد "حماس" ستظل محسوبة، لأنها تفضل أن يبقى "هنية" على رأس "حماس" في الانتخابات الداخلية القادمة المقرر إجراؤها في نهاية عام 2020، لأنه "قادر على إبقاء حماس تحت السيطرة في غزة".

وسيكون البديل عودة رئيس المكتب السياسي السابق "خالد مشعل"، المدعوم من قطر وتركيا، وهو احتمال أسوأ بكثير بالنسبة لمصر.

  • وجوده في الخارج قوة

وفضل "رأفت مرة"، رئيس قسم الإعلام الخارجي في "حماس"، عدم الخوض في العلاقات المتوترة مع مصر، لكنه قال دون الإشارة صراحة إلى مصر: "تشعر بعض الدول بالقلق من زيارات هنية، بما في ذلك زيارته لإيران، ولكن لا مبرر لهذا، لأن موقف حماس معروف وواضح، وقد زرنا إيران عدة مرات من قبل".

وأضاف: "زياراتنا إلى أي دولة ليست موجهة ضد أي دولة أخرى؛ لأن سياستنا هي التواصل مع جميع القوى لصالح شعبنا وقضيتنا".

وفيما يتعلق بجولة "هنية" الخارجية، قال "مرة" إن زعيم "حماس" يسافر للمرة الأولى منذ انتخابه رئيسا للمكتب السياسي عام 2017، وأن الجولة لها عدة أهداف، بما في ذلك التواصل مع جميع الأطر القيادية والإدارية للحركة التي تعمل في خارج فلسطين.

وقال "مرة" إنه خلال زيارة "هنية" لـ 6 دول حتى الآن، عقد أيضا اجتماعات مع الرؤساء والقادة ناقشوا فيها آخر التطورات في القضية الفلسطينية، وهناك نية لزيارة دول أخرى.

ولم يحدد المتحدث موعدا لعودة "هنية" إلى غزة، لكنه قال: "اليوم وجوده في الخارج، بعد الإعلان عن ما يسمى بـ صفقة القرن، قوة مضافة لمتابعة جهوده السياسية في التواصل مع عدد المسؤولين لشرح خطر هذه الصفقة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتوضيح موقف حماس".

ومع ذلك، قال المصدر نفسه، الذي تحدث إلى "ميدل إيست آي" حول رد فعل القاهرة، أن وجود زعيم "حماس" في الخارج خلال هذه الفترة لا يرتبط بجدول زيارات "محدد سلفا"، وأن عودته إلى غزة كانت مرتبطة بموافقة مصر ونهاية غضبها تجاهه.

  • ضغط على مصر

ويعتقد المراقبون أن قرار "حماس" السماح باستئناف نشاط البالونات الحارقة، كان المقصود منه رسالة إلى مصر، من أجل تحقيق هدفين، أولا، هي الضغط على (إسرائيل) لتنفيذ التعهدات السابقة وتخفيف الحصار، وثانيا، أن تتجاوز القاهرة التوترات بشأن زيارة "هنية" لطهران.

ومما كان لافتا عدم وجود أي وساطة مصرية على الرغم من الضربات الجوية الإسرائيلية.

ويؤيد كاتب العمود في الشؤون الإسرائيلية "مصطفى إبراهيم" الاعتقاد بأن البالونات الحارقة والصواريخ الموجهة إلى (إسرائيل) كانت رسالة إلى مصر، وتأتي في إطار الضغط عليها لإرسال وفدها الأمني ​​إلى غزة للتغلب على التوترات مع "حماس".

ولا يستبعد "إبراهيم" أن طول إهمال مصر لـ"حماس" سيؤدي إلى تدهور الوضع الأمني ​​في غزة، خاصة مع فشل (إسرائيل) في الالتزام بالتدابير المتفق عليها لتخفيف الحصار، مما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري أو استئناف الاحتجاجات الأسبوعية، ولكن ليس بالضرورة حرب مفتوحة.

وعلى الرغم من التطورات الأخيرة، لا يعتقد "حمزة أبو شنب"، المحلل السياسي المنتمي لحركة "حماس"، أن علاقة "حماس" مع مصر قد شهدت أي "نكسة"، على الرغم من اعترافه بأن مصر تلوم "هنية" على زيارته لطهران.

وقال "أبو شنب" لـ "ميدل إيست آي" إن الاتصالات مستمرة، ولم تنقطع، وهناك مصالح مشتركة، وليس هناك غنى لأي طرف عن الآخر.

ووفقا لـ"أبو شنب"، لم تطلب القاهرة أي شرط يمنع "هنية" من زيارة طهران، لكن في الوقت نفسه لم تكن راغبة في ذلك، لأن إيران ومصر ينتميان إلى محورين إقليميين متنافسين.

  • الضغط السعودي

ويتفق "ثابت العمور"، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، مع "أبو شنب" على أن علاقة "حماس" مع مصر تقوم على أساس المصلحة المتبادلة، وأن زيارة "هنية" لطهران لن تؤدي إلى انهيار العلاقة.

وقال "العمور" لـ"ميدل إيست آي" إن "حماس" تدرك أنها لا تستطيع الاستمرار في حكم غزة دون الدعم المصري، وبالتالي استخدمت "الواقعية السياسية" في تعاملها مع الحكومة المصرية، بمعزل عن علاقتها بجماعة "الإخوان المسلمين".

وفي المقابل، حسبما قال "العموري"، فإن مصر لديها مصلحة في استمرار الاتصالات مع "حماس"، وخاصة فيما يتعلق بأمن الحدود بين سيناء وغزة.

ويعتقد "العموري" أن "هنية"، في زيارته لطهران، ربما يكون قد ارتكب خطأ سياسيا، ولكنه كان جيدا من حيث "إعادة تموضع" الحركة.

وأضاف "العموري" أن "حماس" لم تعد قادرة على إقامة كل هذه "العلاقات المتناقضة" في ضوء التحالفات الإقليمية في المنطقة.

وأضاف أن مصر تدعم المملكة العربية السعودية ضد إيران، وقد يكون غضب القاهرة بسبب رسالة غاضبة من الرياض مفادها أن جولة "هنية" قد تجاوزت حدود ما تقبله المملكة.

المصدر | آدم خليل - ميدل إيست آي