الثلاثاء 18 فبراير 2020 09:25 ص

لم تنته بعد الموجة الثانية من الربيع العربي، التي شملت الجزائر والسودان ولبنان والعراق، لكنها لم تحافظ على الزخم الذي صاحبها خلال العام الماضي 2019.

وتقف الأسباب ذاتها من تردي الأوضاع المعيشية والفساد والقمع، وراء الموجة الثانية، التي حاولت التعلم من دروس الموجة الأولى للثورات التي نشبت في عام 2011 في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين وعمان.

واتسمت موجة الاحتجاجات التي بدأت مع نهاية 2018، بالتظاهر السلمي، وإصرار المحتجين على تفويت الفرصة على الأنظمة الحاكمة في استخدام القوة ضدهم، وجرهم إلى صراع مسلح، أو حرب أهلية.

لكن التساؤلات تطرح نفسها، هل نجحت تلك الموجة؟ وما أبرز مكاسبها؟ وإلى أي مدى ستتواصل؟ وهل تمهد الأرض لموجة ثالثة من الانتفاضات الشعبية؟

سقوط "البشير"

في البداية، نجح المتظاهرون السودانيون في إزاحة الرئيس "عمر البشير" بعد نحو 3 عقود من الحكم، وبعد احتجاجات استمرت منذ ديسمبر/كانون الأول حتى أبريل/نيسان الماضي.

وبالنظر إلى حسابات الانقسامات العرقية والدينية والقبلية في البلاد، فإن قادة الحراك الثوري نجحوا في تجنب الانجرار إلى الفوضى، أو الدخول في صراع مسلح مع الجيش السوداني، رغم مذبحة فض الاعتصام في يونيو/حزيران الماضي التي شهدت مقتل وإصابة العشرات من المعتصمين.

ويحاكم "البشير" وعدد من رموز نظامه في قضايا فساد، وقد يتم تسليمه مستقبلا إلى المحكمة الجنائية الدولية في تهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، غربي البلاد، العام 2013.

اقتصاديا، لم تشهد البلاد بعد انتعاشة حقيقية، لكن حكومة "عبدالله حمدوك" تبذل جهودا حثيثة للحصول على حزمة مساعدات دولية، ورفع العقوبات الأمريكية، وشطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ورغم ذلك تظل المخاوف قائمة من تجاوز المؤسسة العسكرية السودانية، اتفاق تقاسم السلطة، الذي يقضي بفترة انتقالية تستمر 39 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات، ويتقاسم السلطة خلالها كل من المجلس العسكري، وقوى "إعلان الحرية والتغيير"، قائدة الحراك الشعبي.

إزاحة "بوتفليقة"

المفارقة أن شهر أبريل/نيسان الماضي، كان موعدا كذلك لإزاحة الرئيس الجزائري "عبدالعزيز بوتفليقة" (82 عاما)، الذي كان يستعد للترشح لولاية رئاسية خامسة، لكن ضغوط الشارع أجبرته على الاستقالة، بعد 20 عاما في الحكم.

وتستمر الاحتجاجات الأسبوعية في العاصمة وكبريات المدن الجزائرية؛ للمطالبة بدولة قانون ووضع حد للفساد وانسحاب الجيش من السياسة، وسط محاولات من الرئيس الجديد "عبدالمجيد تبون"، الذي فاز في انتخابات قاطعتها قوى سياسية وشبابية، كسب ود وشرعية الشارع.

ويسعى "تبون" لإجراء حوار مع قوى الحراك، متعهدا بتعديل الدستور، والقطيعة مع عهد "بوتفليقة"، ومحاكمة المفسدين، فضلا عن إصدار عفو رئاسي بحق 10 آلاف سجين في خطوة تعد الأكبر من نوعا في تاريخ البلاد.

ورغم ذلك، لا يزال الثوار الجزائريون يواجهون تحديا للحفاظ على الزخم الكافي لضبط مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، وانتزاع مكاسب من رئيس جديد يبحث عن شرعية الشارع.

استقالة "الحريري"

وكان لبنان حاضرا أيضا بقوة على خارطة الاحتجاجات منذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهي احتجاجات نشبت بالأساس ضد الفساد المستشري، وتردي البنية التحتية، وارتفاع معدلات البطالة، وأجبرت في النهاية حكومة "سعد الحريري" على الاستقالة، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة "حسان دياب".

ويبدو الوضع في لبنان معقدا بالنظر إلى الانقسامات الاجتماعية والطائفية والمحاصصة السياسية التي تشكل الأساس الذي يحدد شكل نظام الحكم في البلاد، وسط تمدد واضح لنفوذ "حزب الله"، الذي بدا أنه أنشأ "دولة داخل دولة".

وعلى الرغم من منح مجلس النواب اللبناني، الثقة لحكومة "دياب"، فإن الأخيرة لم تنل ثقة الشارع الذي يرى أنها محسوبة بشكل أو بآخر على "حزب الله"، ويبدو أن المتظاهرين اللبنانيين لا يزالون يتمسكون بمطالبهم الأساسية في مكافحة الفساد، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، ورحيل بقية مكونات الطبقة الحاكمة.

من المتوقع إذن أن يواصل الشارع اللبناني حراكه خلال 2020، بحثا عن نخبة حاكمة أكثر نزاهة، وخطة إنقاذ عاجلة لاقتصاد منهار، مع بلوغ سعر الصرف غير الرسمي الآن حوالي 2500 ليرة لبنانية مقابل الدولار، أي بزيادة الثلثين عن السعر الرسمي.

رحيل "عبدالمهدي"

ويمثل العراق حالة ثورية لها خصوصيتها، في بلد يشهد تواجدا لقوات أجنبية من دول عدة، ويعد مسرحا لحرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما تجلى في عملية اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني" في غارة على مطار بغداد، يناير/كانون الثاني الماضي.

وعلى الرغم من الأجندات الأجنبية التي تسيطر على توجهات الكتل السياسية العراقية، فإن المحتجين نجحوا في إجبار رئيس الوزراء "عادل عبدالمهدي" على الاستقالة، وسط دعوات لإجراء انتخابات مبكرة ومحاربة الفساد.

وسقط أكثر من 600 قتيل وآلاف الجرحى، في الحراك الشعبي الصامد في الميادين والساحات منذ أكتوبر/تشرين الأول، رغم تكليف رئيس الوزراء الجديد "محمد علاوي" بتشكيل حكومة جديدة، بعد توافق صعب توصلت إليه الكتل السياسية.

ولم يحقق الشارع العراقي، ما يصبو إليه، مع انحياز القوى الأجنبية للطبقة الحاكمة، وتركز السلطة والنفوذ بيد الأحزاب والميليشيات والقبائل ورجال الدين، وانتشار السلاح، ما يعني أن خيار الفوضى ربما يكون هو الأرجح.

وقد تستغل قوى شيعية موالية لإيران الصراع الدائر بين طهران وواشطن على الأراضي العراقية لإطلاق حملة عنيفة موسعة تسعى إلى إنهاء الاحتجاجات بشكل حاسم، ما يعني خروج العراق خالي الوفاض من موجة الربيع العربي الثانية.

دماء أقل

ومع ذلك يمكن القول إن الموجة الثانية من الربيع العربي شهدت نزيف دماء أقل، مقارنة ببحور الدم التي أريقت في مصر وليبيا وسوريا واليمن، لكن ظروف وأسباب الاحتجاج من الفساد والقمع والتدهور الاقتصادي، لم تختلف كثيرا، كما لم تختلف أيضا مواقف الجيوش المناوئة لأي حراك شعبي.

ويبدو أن الشعبين في الجزائر والسودان استوعبا دروس موجة الربيع العربي الأولى، ولم يقتنعا باقتلاع رأس النظام كبديل عن المعركة طويلة الأمد للتخلص من الحكم العسكري، في المقابل، يبدو أن أمام احتجاجات العراق ولبنان الكثير حتى تؤتي ثمارهما.

نجح الربيع الثاني إذن في إسقاط رئيسين والإطاحة بحكومتين، وأعاد الشارع العربي للواجهة، وبدا أنه تعلم من دروس الموجة الأولى، وكبد معسكر الثورة المضادة العديد من الخسائر، وربما يمهد الطريق لموجة ثالثة تكون أكثر نضجا ونجاحا.

المصدر | الخليج الجديد