على مسافة كيلومترين تقريبا، ومن منطقة معبر كرم أبو سالم جنوبًا وحتى معبر رفح البريّ شمالا، وبارتفاع 6 أمتار فوق الأرض وعمق 5 أمتار تحت الأرض، بدأت السلطات المصرية، أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، في بناء ثاني جدار على حدود قطاع غزة، مع تعرض القطاع لحصار مشدد، للعام الحادي عشر على التوالي.

وبينما كشفت القناة السابعة العبرية عن الجدار عبر موقعها الإلكتروني، لم يصدر عن الجانب المصري أي إعلان رسمي بهذا الخصوص حتى صباح الثلاثاء 18 فبراير/شباط حين أورد موقع "المونيتور" الأمريكي تفاصيل عن الجدار الجديد.

ونقل الموقع الأمريكي عن مصادر قبلية في شمال سيناء (شمال شرقي مصر) أن الجدار الجديد يتم إنشاؤه باستخدام الخرسانة المسلحة، بموازاة الجدار الصخري القديم الذي أنشأته مصر على الحدود مع غزة في مطلع يناير/كانون الثاني 2008، وتفصلهما مسافة لا تتجاوز الـ 10 أمتار.

وستشمل المرحلة الثانية والأخيرة من الجدار تشديد البناء في مقاطع حدودية متفرقة (غير محددة)، وهي المقاطع التي يعتبرها الجيش المصري ضعيفة أمنياً أو تحتوي على أنفاق، بحسب المصادر، التي أشارت إلى أن أعمال إنشاء هذا الجدار قد تمتد حتى منتصف العام الجاري.

ولا يعد ذلك الإجراء الأول من نوعه، فقد أنشأت القاهرة منطقة عازلة على طول الحدود المصرية مع غزة، بمسافة 14 كيلومترا، في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2014، بعمق 500 متر في الجانب المصري وبطول الحدود، ليصل عمق هذه المنطقة في أكتوبر/تشرين الأول 2017 إلى 1500 متر.

لكن يبدو أن ذلك لم يكن كافيا لمنع الأنفاق بين غزة وسيناء، ففي الـ 3 من فبراير/شباط الماضي، أعلن الجيش المصري عن اكتشافه نفقا جنوبي ساحة معكسر رفح الأمني يمتد من قطاع غزّة إلى قلب مدينة رفح (المصريّة الحدوديّة) بطول يبلغ حوالي الـ 3 كيلومترات.

وبحسب رواية المصادر الأمنية المصرية فإن النفق كان مخصصا "لتسلل العناصر الإرهابية من قطاع غزة لزرع العبوات الناسفة في الجانب المصري والدفع بعناصر إرهابيّة تدعم تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء ونقل الأسلحة والمتفجرات"، واكتشفته السلطات المصرية بعد مقتل 5 جنود وإصابة آخرين (3 فبراير/شباط) بتفجير عبوة ناسفة في جنوب مدينة الشيخ زويد الحدوديّة مع غزة، وفقا لما نقلته وكالة "معا" الفلسطينية.

وأثار ذلك تساؤلات المراقبين حول سر إنشاء الجدار الثاني، وإذا ما كانت يأتي في إطار محاولات القاهرة تشديد الخناق على قطاع غزة وحركة "حماس"، أم أنه محض احتراز أمني وفق التقدير المصري؟

تنسيق مع حماس

تدعم إفادة الخبير في الشؤون الأمنيّة بوزارة الداخليّة في غزة "محمد أبو هربيد" الافتراض الثاني، إذ أكد أن إنشاء الجدار الثاني تمّ بتنسيق عالٍ مع حركة "حماس" ووزارة الداخليّة في القطاع، بهدف "الوصول إلى مرحلة متقدّمة من الأمن على طرفي الحدود" حسبما نقل "المونيتور"، واصفا الإجراءات الأمنيّة التي اتّخذتها السلطات المصريّة بأنها "تخدم مصالح الطرفين".

ويلفت "أبو هربيد" إلى أن هناك مئات الأنفاق في أسفل الحدود الفلسطينيّة المصريّة، بعضها يتّسع لتهريب السيّارات، ولكن بعد الحملة المصريّة ضدها، أصبح عددها محدوداً للغاية، مشيرا إلى وجود "أنفاق مجهولة، يديرها أشخاص لتهريب بضائع من مصر إلى غزّة من أجل التهرّب الجمركيّ، أو لتهريب مواد ممنوعة".

وشدّد الخبير بوزارة الداخليّة في غزّة أن الوزارة لا ترى ضرورة لوجود هذه الأنفاق، بينما تفتح مصر معبر رفح أمام سكّان القطاع، ولا تسمح لأيّ محاولات لحفر أيّ أنفاق جديدة.

وتعزز إفادة "أبوهربيد" تلك الإجراءات التي اتخذتها حركة "حماس" على الجانب الفلسطيني لتعزيز الأمن على الحدود مع مصر ومنع أي محاولة تسلّل إلى الأراضي المصريّة، إذ أقامت في 28 يونيو/حزيران 2017، منطقة عازلة في الجانب الفلسطيني من الحدود يبلغ عمقها 100 متر، حسبما يرى الكاتب والمحلّل السياسي في صحيفة فلسطين "إياد القرا".

فـ"حماس" عملت على مدار السنوات الماضية على تعزيز أمن الحدود مع مصر، من خلال نشر عشرات الجنود والعديد من أبراج ونقاط المراقبة المدعومة بالكاميرات لمنع أيّ حالات تسلّل، وأعلنت في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، عن إحباطها محاولة تسلّل 3 أشخاص من أنصار تنظيم "الدولة الإسلاميّة" من القطاع إلى الأراضي المصريّة.

ويقرأ "القرا" وصول وفد أمنيّ مصريّ إلى غزة لتفقّد الحدود أثناء إنشاء الجدار الثاني، في إطار "التوافق" بين القاهرة و"حماس"، مشيرا إلى أن الأخيرة معنيّة إلى حدّ كبير بضبط الحالة الأمنيّة على الحدود مع مصر، "لأنّ تحقيق الأمن في سيناء سيؤثّر إيجاباً على بسط الأمن في قطاع غزّة" وفقا لما نقله المونيتور.

ضرر كبير

في المقابل، يحذر الخبير السياسي والأمني، العميد "مصباح أبو كرش" من أن الجدار الجديد ربنا يتسبب في إلحاق ضرر كبير بقطاع غزة، في حال عادت مصر لإقفال المعابر الحدودية الرسمية في وجه سكان القطاع؛ "لأن الهدف من بناء الجدار، مرتبط بالدرجة الأولى بالقضاء على تلك الأنفاق التي تم استخدامها بشكل عام للحد من أضرار الحصار على أكثر من صعيد" وفقا لما نقله موقع "عربي 21".

وعليه، فبناء مصر للجدار الفاصل الثاني يعتبر "سلاحا ذا حدين بالنسبة لغزة الملاحقة والمحاصرة، لاحتضانها المقاومة"، بحسب "أبو كرش"، خاصة أن علاقة غزة بالعالم الخارجي لا تزال غير مستقرة.

وفي السياق ذاته، تخبرنا عوامل، مثل زمن إنشاء الجدار بالموازاة مع طرح "صفقة القرن" وتشابهه الهندسي مع جدار الفصل الإسرائيلي العنصري بالضفة الغربية، أن الجدار الجديد يعد استمرارا لسياسة تجفيف الأنفاق على الحدود مع غزّة وزيادة الضغط على "حماس".

وتصب توقعات صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية في هذا الاتجاه بقوة، إذ ذكرت أن أعمال بناء الجدار ستنتهي بحلول نهاية العام 2020 الجاري، على أن يتم "دمج الجزء الغربي منه مع المنظومة التي أنشأتها (إسرائيل) تحت وفوق الماء في البحر المتوسط شمال القطاع، لمنع تسلل غواصين فلسطينيين إلى المستوطنات القريبة من غزة".

وفي هذا الإطار، يرى الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية "رفيق أبو هاني" أن الهدف الرئيسي من بناء مصر لهذا الجدار الخرساني المسلح والطويل هو "ضرب المقاومة الفلسطينية في غزة، وتشديد الخناق عليها"، مشددا على أن هذه الخطوة "لا يمكن أن يتخذها الجيش المصري إلا بتنسيق مسبق مع الجانب الإسرائيلي"، وفقا لما نقله موقع "الخليج أونلاين".

ويشير "أبو هاني"، في هذا الصدد، إلى أن "التنسيق الأمني بين القاهرة وتل أبيب بات متطوراً للغاية، ووصل إلى مراحل متقدمة وهو تنسيق يهدف إلى حصار المقاومة الفلسطينية وقطع طرق إمدادها"، مضيفا أن "هذا الجدار من شأنه فعلياً أن يؤثر على المقاومة في ظل الحصار المشدد المفروض عليها من قبل مصر وإسرائيل".

وعليه فإن الجدار المصري الجديد سيخلق أزمة ليس فقط للمقاومة، بل لسكان غزة المحاصرين الذي يعتبرون الأنفاق شريان حياة لهم لإدخال الوقود والمواد الغذائية والأدوية، في ظل الأزمات الطاحنة التي يعيشونها بفعل الحصار، بحسب "أبو هاني".

في السياق ذاته، ينوه الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي "عماد أبو عواد" إلى أنه "منذ مجيء الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم، باتت السياسة المصرية تتواءم بشكل كبير مع ما يريد الاحتلال، وهو ما ينطبق على هذا الجدار أيضا"، وفقا لما نقله موقع "عربي 21".

ويتوقع "أبو عواد" أن يولد الجدار احتكاكا ما بين قطاع غزة ومصر في المستقبل القريب، وأن يضيق الخناق كثيرا على القطاع المحاصر.

المصدر | الخليج الجديد