الثلاثاء 18 فبراير 2020 06:02 م

هناك سطران حول العلاقة الروسية التركية التي كانت متداولة في السنوات القليلة الماضية. إحداهما أن قادة هاتين الدولتين "فلاديمير بوتين" و"رجب طيب أردوغان" أصبحا متقاربين بشكل متزايد نتيجة لاستيائهم من السياسات الأمريكية والأوروبية، وكذلك تصميمهم على إحباطهم. والآخر هو أن موسكو وأنقرة على خلاف متزايد حول قضايا مهمة مثل سوريا وليبيا. والسؤال إذن هو: هل التعاون المثير للإعجاب الذي حققه "بوتين" و"أردوغان" يتيح لهما التغلب على خلافاتهما الخطيرة، أم أن خلافاتهما ستكون شديدة لدرجة أنها تؤثر سلبا على استعدادهما وقدرتهما على التعاون؟ أم أنهما سيكونان قادرين بطريقة أو بأخرى على الحفاظ على مستوى تعاونها الحالي رغم الخلافات الجادة بينهما؟

وتلك الاختلافات خطيرة، خاصة في سوريا؛ حيث يبرز الآن تصميم نظام "بشار الأسد" المدعوم من روسيا على استعادة إدلب من المعارضة السورية المدعومة من تركيا. ما تخشاه أنقرة هو أنه إذا سيطر نظام "الأسد" على إدلب، فسيتدفق عدد كبير من اللاجئين شمالا إلى تركيا؛ حيث تكافح أنقرة بالفعل لدعم موجات اللاجئين السابقة من الحرب الأهلية السورية التي استمرت منذ عام 2011. علاوة على ذلك، إذا سيطر النظام على إدلب، فقد يسعى بعد ذلك إلى استعادة مناطق أخرى شمالا تسيطر عليها تركيا مثل عفرين. لقد حدث بالفعل صراع بين القوات التركية وقوات نظام "الأسد"، الذي يشارك معها جنود روس، وقد يزداد سوءا. قد تتطور ديناميكية مماثلة في الصراع بين الحكومة الليبية المعترف بها في الأمم المتحدة والجنرال "خليفة حفتر".

ومع ذلك، فإن حقيقة قيام "بوتين" و"أردوغان" بتأسيس تعاون مثير للإعجاب على مدار الأعوام القليلة الماضية، تثير احتمال أن يكونا قادرين على احتواء، إن لم يكن التغلب عليهما بالكامل، خلافاتهما الخطيرة في سوريا وليبيا. إن الانتعاش في علاقاتهم، بعد أقل من عام من النقطة المنخفضة التي وصلوا إليها في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 عندما أسقطت القوات التركية طائرة عسكرية روسية، تشير إلى أن "بوتين" و"أردوغان" قد يكونا قادرين على التغلب على خلافات أخرى كذلك. اعتقاد "أردوغان" بأن أمريكا وأوروبا أيدتا محاولة الانقلاب ضده في يوليو/تموز 2016، بينما رفضه "بوتين"، دعم هذا التقارب بين الزعمين الروسي والتركي إلى حد كبير.

لكن هل يمكن لمشاركتهم في المظالم ضد الغرب أن تسمح لـ"بوتين" و"أردوغان" بالتغلب على خلافاتهما الحالية كما حدث عام 2016؟. المشكلة هي أنه بينما يعترضان على السياسات الأمريكية والغربية، إلا أنهما لا يعترضان على كل السياسات. "بوتين" غاضب من الغرب بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا بسبب ضم شبه جزيرة القرم وغيرها من الإجراءات في أوكرانيا. لكن بينما لم ينضم "أردوغان" إلى هذه الحملة الغربية ضد روسيا، فإنه لا يدعم ما فعله "بوتين" في أوكرانيا أيضًا. وبالمثل، في حين أن "أردوغان" غاضب من الولايات المتحدة لدعمها القوات السورية الكردية التي يرى أنها متحالفة مع المعارضة الكردية داخل تركيا، تواصلت موسكو مع الأكراد السوريين وعرضت التوسط بينهم وبين نظام "الأسد" بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا.

في صراعات الشرق الأوسط المختلفة، غالبا ما لا يكون النهج المفضل لموسكو هو الوقوف بشكل كامل مع طرف ضد الطرف الآخر، بل في محاولة الحفاظ على علاقات جيدة مع كليهما. في سوريا، على سبيل المثال، فإن موسكو راضية إلى حد كبير عن مساعدة نظام "الأسد" في السيطرة على "سوريا المفيدة" بالنسبة لروسيا. ليس من الضروري بالنسبة لموسكو استعادة "الأسد" للأراضي المفقودة في إدلب أو في أي مكان آخر. في الواقع، يمكن أن تعيش موسكو مع وجود نفوذ سائد في تركيا في المناطق القريبة من الحدود السورية التركية إما بسبب مخاوفها من زيادة اللاجئين السوريين أو النفوذ الكردي. المشكلة، مع ذلك، هي أن نظام "الأسد" غير مستعد للعيش مع النفوذ التركي في شمال سوريا؛ لذلك يسعى بنشاط إلى طردها.

تريد تركيا من روسيا كبح جماح حلفائها السوريين، لكن موسكو أثبتت أنها غير راغبة أو غير قادرة على ذلك. في الواقع، قد تشعر موسكو بأنها مضطرة لدعم تصرفات نظام "الأسد"؛ خشية إما فقدان نفوذها لإيران، أو الأسوأ من ذلك، المخاطرة بقوات النظام السوري التي قد تهزمها قوات المعارضة السورية والقوات التركية. في أفضل الأحوال، يمكن لهذا أن ينهي آمال موسكو في تهدئة سوريا بما يكفي لجذب الاستثمارات الاقتصادية الخارجية من الخليج العربي وحتى من الغرب الذي تأمل موسكو (على الرغم من أنه غير واقعي) في تشجيعه. في أسوأ الأحوال، يمكن أن تؤدي نكسة نظام "الأسد" إلى إعادة إحياء المعارضة ضده بشكل عام، وهو الأمر الذي لا ترغب موسكو في رؤيته.

في سوريا على وجه الخصوص، تدور الخلافات بين موسكو وأنقرة حول مآزق كبير للجانبين. وليس واضحا على الإطلاق ما إذا كانت الكراهية المشتركة تجاه السياسات الأمريكية والأوروبية ستكون قادرة على مساعدة "بوتين" و"أردوغان" على التغلب على خلافاتهما هذه المرة أم لا.

المصدر | responsiblestatecraft/مارك إن كاتز-ترجمة وتحرير الخليج الجديد