الأربعاء 19 فبراير 2020 05:02 ص

مصر خلف القضبان

شهد النظام الجزائي المصري بفعل انقلاب 2013 تسييسا في إطار سياسة قمع متعّمد تنتهجها الدولة.

المنظومة الجزائية المصرية عقاب شديد وانتهاكات قبل المحاكمة وتداعيات على شرعية الدولة وصعود التشدد.

أمّن تحوّل النظام الجزائي المصري إلى أداة حجز لا ينتهي ومستوى مرتفع من قمع الدولة أرضاً خصبة للتشدد والعنف.

*     *     *

توفّي المواطن المصري الأميركي مصطفى قاسم في أحد المستشفيات في القاهرة في 13 كانون الثاني/يناير جراء المضاعفات التي أصابته بسبب الإضراب عن الطعام مقرونةً بالإهمال الطبي.

وكان قد حُكِم على قاسم الذي اعتُقِل في آب/أغسطس 2013 وأُبقي في الحجز الاحتياطي، أي الحجز السابق للمحاكمة، حتى أيلول/سبتمبر 2018، بالسجن 15 عاماً بتهمة الاحتجاج غير القانوني. وجاء الحكم عليه في إطار محاكمة جماعية شملت ما يزيد عن 700 مدّعى عليه، وعُرِفت بعدم مراعاتها للأصول القانونية.

وفاة قاسم هي من عوارض التحوّل في النظام الجزائي المصري بفعل انقلاب 2013. لقد شهد هذا النظام عملية تسييس تدريجية في إطار سياسة القمع التي تنتهجها الدولة على نحوٍ متعمّد.

ليس الهدف الذي يتوخّاه النظام قمع المعارضين مؤقتاً، أو سجنهم لفترة محددة، بل معاقبتهم بصورة دائمة من خلال زجّهم في السجون لفترات طويلة في ظروف قاسية جداً ما يؤدّي أحياناً إلى الوفاة.

وترمي هذه الآليات المتجذّرة في شبكة معقّدة من القوانين والممارسات في مجال المقاضاة، إلى إبقاء المعارضين السياسيين، حتى بعد اتخاذ القضاء قراراً بإخلاء سبيلهم أو تبرئتهم، محتجزين في السجون أو إخضاعهم لقيود مشدّدة.

تتّصف منظومة السجون المصرية، على وجه الخصوص، بالهمجية. في الواقع، لم تكن ظروف السجون قبل انقلاب 2013 مثالية على الإطلاق، ولكن حدث تراجعٌ لافت بعد الانقلاب. وينعكس ذلك في ارتفاع عدد الوفيات في السجون في الأعوام التي أعقبت الانقلاب.

يعاني السجناء على نطاق واسع من سوء المعاملة بسبب الإهمال الطبي، والظروف غير الصحية، واستخدام الحجز الانفرادي لفترات غير محددة. وقد أدّت هذه الممارسات إلى وفاة 600 سجين بين عامَي 2013 و2019، وأبرزها وفاة الرئيس السابق محمد مرسي إثر إصابته بنوبة قلبية خلال محاكمته في 17 حزيران/يونيو 2019.

وقد دفعت وفاة الرئيس مرسي بخبراء مستقلين من الأمم المتحدة إلى وصف الواقعة بأنها "قتل تعسّفي سمحت به الدولة" بسبب ظروف سجنه الشديدة القسوة. وقد أُبقي الرئيس المخلوع في السجن الانفرادي 23 ساعة في اليوم على مدى السنوات الست التي قضاها خلف القضبان، وأُرغِم على النوم على أرض من الإسمنت، ومُنِع من القراءة. وحُرِم أيضاً من العناية الطبية لعلاجه من السكري وضغط الدم، والتي كان من شأنها أن تنقذ حياته.

رغم أن السلطات تلقّت تحذيرات متكررة من العواقب التي قد تودي بحياته. ولكن حالة الرئيس مرسي ليست فريدة من نوعها. من الأمثلة البارزة الأخرى عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية الذي هو حالياً قيد الحجز الاحتياطي قبل المحاكمة، والمستشار السابق للرئيس مرسي للشؤون الخارجية الدكتور عصام الحداد، ونجله جهاد الحداد.

ويواجه أبو الفتوح تهمة قيادة تنظيم إرهابي، في حين أنه نُسِبت إلى الحداد ونجله تهمة الانضمام إلى تنظيم محظور، وحُكِم على عصام الحداد بالسجن عشر سنوات بسبب هذه التهمة.

وما يزيد من حدّة الظروف القاسية في السجون الاعتماد الشديد من جانب السلطات القضائية على الحجز قبل الشروع في إجراءات المحاكمة. فقد تحوّلت هذه الممارسة إلى سياسة متعمدة لإطالة أمد الحجز التعسفي، ويحدث ذلك أحياناً قبل أن يوجّه المدعون العامون تهماً رسمية.

فمثلا، أشار علاء عابد، رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب، إلى أن عدد الأشخاص الموجودين في الحجز الاحتياطي يتراوح من 25 إلى 30 ألف من أصل 65 ألف محتجز.

لقد كان الحجز الاحتياطي سائداً في عهد مبارك، ولكنه لم يكن شائعاً بهذا القدر، ولم يكن المعتقلون السياسيون يمضون أكثر من بضعة أشهر في الحجز السابق للمحاكمة. إنما أُدخِلت تعديلات في عامَي 2006 و 2007 لتحديد مدّة الحجز الاحتياطي بعامَين في الحد الأقصى.

ووثّقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية 1464 حالة في أربع محافظات حيث لايزال السجناء محتجزين بعد انقضاء المدّة القصوى المحددة بسنتَين.

يمنح الاستخدام المفرط للحجز الاحتياطي السلطات القدرة على زجّ المعارِضين السياسيين في السجون بحسب رغبتها، من دون الاكتراث للأصول القانونية، ومن خلال توجيه تهم ملتبسة.

وينطبق ذلك أيضاً في القضايا التي عمدت فيها المحاكم، في نهاية المطاف، إلى تبرئة المدعى عليهم. فمثلا، أمضى 58 في المئة من أصل 2700 شخص ظهرت براءتهم، من 6 أشهر إلى 18 شهراً في الحجز الاحتياطي، وقضى أربعة في المئة منهم أكثر من عامَين خلف القضبان.

إذاً، تتبدّل طبيعة الحجز الاحتياطي، وتترواح من إجراء وقائي إلى أداة للقمع تستخدمها الدولة من دون إشراف ولا ضوابط.

إلى جانب الانتهاكات على صعيد الحجز الاحتياطي، تبرز أيضاً الممارسة الشبيهة بـ"الباب الدوّار" في القضايا من هذا القبيل. ففي هذه الحالات، وحتى لو قرّر القاضي إخلاء سبيل المدعى عليه، أو انقضت مدّة العقوبة، يجري توقيف الشخص من جديد في قضايا مماثلة مع توجيه تهم مبهمة إليه.

وهذا ما يكشفه ما حدث مع محمد القصاص، نائب رئيس حزب مصر القوية. فقد أخلي سبيله في 9 كانون الأول/ديسمبر 2019 بعد تمضيته اثنَين وعشرين شهراً في الحجز الاحتياطي بتهمة نشر أخبار كاذبة.

ولم يُسمَح للقصاص بمغادرة زنزانته، فقد فتحوا على الفور ملفاً جديداً له مع تهم مشابهة جداً، ما يُفضي بصورة أساسية إلى احتجازه سنتَين إضافيتين من دون محاكمة.

ومن القضايا البارزة الأخرى قضية علاء عبد الفتاح الذي أمضى خمس سنوات في السجن بتهمة انتهاك قانون التظاهر المصري. وبعد الإفراج عنه في آذار/مارس 2019، جرى توقيفه من جديد في أيلول/سبتمبر من العام نفسه في أثناء وضعه قيد الاختبار لمدة نصف يوم خلال الليل في قسم شرطة الدقي في تهمة مختلفة. وقد تعرض لاحقاً للتعذيب والضرب خلال عزله في الحبس الانفرادي.

في نهاية المطاف، المدعون العامون والسلطات القضائية هم مَن يهندسون شروط الحجز المستمر من دون الحاجة إلى صدور حكم نهائي أو إلى مراعاة الأصول القانونية.

حتى عند الإفراج عن سجين بعد انقضاء مدّة سجنه، تشتمل العقوبة عادةً على فترة اختبار يمكن أن تمتد لسنوات. وتقضي شروط الاختبار بتمضية اثنتَي عشرة ساعة في اليوم – من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً – في مركز الشرطة.

وهذه القواعد المتعمدة تفرض قيوداً شديدة على قدرة السجين على عيش حياة طبيعية، والأهم من ذلك، تضعه تحت سيطرة النظام الجزائي لبضع سنوات بعد الإفراج عنه.

لقد حوّلت هذه السياسة السجون إلى معاقل للتشدد. فقد أمّن تحوّل النظام الجزائي المصري إلى أداة للحجز الذي لا ينتهي فصولاً – والمستوى المرتفع من القمع الذي تمارسه الدولة – أرضاً خصبة للتشدد وصعود التطرف العنفي.

ومثالٌ ذلك محمود شفيق محمد مصطفى، الانتحاري الذي شنّ الهجوم على كاتدرائية القديس مرقس القبطية الأرثوذكسية التاريخية في القاهرة في 11 كانون الأول/ديسمبر 2016، والذي أسفر عن مقتل 25 شخصاً.

فقد عمد تنظيم الدولة الإسلامية إلى تجنيد مصطفى أثناء وجوده في سجن طرة لتمضية عقوبة بالسجن لمدة عامَين بتهمة المشاركة في احتجاجات غير قانونية. إنه إذاً المنتَج المباشر للنظام الجزائي المصري وسياسة القمع الشديد.

اليوم، يُشكّل النظام الجزائي والقضائي المصري جزءاً لا يتجزأ من منظومة القمع التابعة للدولة. يواجه المصريون الآن مجموعة معقّدة من الممارسات التي تقوّض النزاهة المؤسسية للنظام القضائي بطريقة يصعب إلغاء مفاعيلها.

يحدث تفريغ تدريجي للنظام القضائي المصري الذي يدعم السلطة المتوسّعة للأجهزة الأمنية المصرية، بما يتنافى مع قوانين الدولة ودستورها. تترتب عن هذا التفويض للسيطرة عواقب وخيمة على البلاد.

فهو يتسبب أولاً بتقويض الثقة العامة في مؤسسة من مؤسسات الدولة وفي قدرتها على الحياد. ويساهم ثانياً في تأجيج التطرف العنفي. أخيراً، يطرح عوائق كبيرة أمام آفاق الانتقال الديمقراطي، بسبب الحاجة إلى إجراء إصلاح شامل للنظام الجزائي والقضائي.

في الجوهر، لا يؤدّي هوس النظام بمعاقبة خصومه إلى تقويض الاستقرار في البلاد في المدى القصير فحسب، بل تترتب عنه أيضاً تداعيات على آفاق العملية الديمقراطية في المستقبل.

والأهم من ذلك، يتسبب بتقويض الثقة العامة بالدولة. ففي غياب الإصلاحات المحددة الأهداف في السياسات، سوف تستمر الآثار المدمِّرة للنظام الجزائي لوقت طويل بعد رحيل الرئيس السيسي ونظامه.

* ماجد مندور محلل سياسي وكاتب عمود Chronicles of the Arab Revolt عبر "أوبن ديمقراسي".

المصدر | مؤسسة كارنيغي