الأربعاء 19 فبراير 2020 05:48 ص

حركة فتح ولحظة الحقيقة

عباس يواصل التعاون الأمني مع الاحتلال ويسهم مع سبق الإصرار في توفير بيئة تسمح بتطبيق صفقة القرن.

باستثناء استراتيجية الخطابة البائسة التي يعكف عليها عباس في مواجهة صفقة القرن، لا يوجد في جعبته ما يخيف الاحتلال.

الشعب الفلسطيني مطالب بتحييد تأثير سياسات عباس المدمرة لكن حركة "فتح" يجب أن تتحمل العبء الأكبر في انجاز هذا الهدف.

*     *     *

دلت الكلمة التي ألقاها رئيس السلطة محمود عباس أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي والتي تعرض فيها لموقفه من "صفقة القرن" على أن هذا الشخص يسهم فقط في إفشال أي مسار يمكن أن يسلكه الفلسطينيون لإحباط الصفقة والحيلولة دون تطبيقها حسب المخطط الصهيوأمركي.

وإذا تجاوزنا الابتذال الذي اتسمت به الكلمة  الهزيلة والمملة كلما تعرض لإسرائيل وقادتها الذين أوغلوا في دماء شعبه، فإن الرسالة الرئيسة التي عمد الى التأكيد عليها حقيقة أنه غير معني ليس فقط بعدم اتخاذ أية خطوة نضالية لمواجهة "الصفقة" بل يصر على مواصلة مسار العلاقة القائم مع الكيان الصهيوني، وهو ما يعني توفير بيئة تسمح بتطبيق مخطط التصفية في ظل أقل قدر من الممانعة الفلسطينية.

اللافت أن الإعلام الصهيوني ونخب اليمين في تل أبيب اعتبرت خطاب عباس "إقرارا بالهزيمة"؛ أي إن كلمة عباس توصل للصهاينة رسالة مفادها أنه باستثناء إستراتيجية الخطابة البائسة التي يعكف عليها في مواجهة صفقة القرن، فإنه لا يوجد في جعبته ما يخيفهم.

ولا حاجة للتذكير بحقيقة أن عباس، وبخلاف ما أعلنه أمام اجتماع الجامعة العربية، يواصل التعاون الأمني مع الاحتلال؛ أي أنه يسهم مع سبق الإصرار والترصد في توفير بيئة تسمح بتطبيق صفقة القرن.

رغم أنه بات في حكم المؤكد أن الشعب الفلسطيني بقواه الحية مطالب بتحييد تأثير السياسات المدمرة التي ينتهجها عباس من أجل إحباط صفقة القرن؛ إلا أن حركة "فتح" يجب أن تتحمل العبء الأكبر في انجاز هذا الهدف.

على حركة فتح أن تعي أن تنظيم الفعاليات الجماهيرية بحجة دعم موقف عباس إزاء صفقة القرن، في الوقت الذي يعي قادة الحركة قبل غيرهم أن إصرار عباس على عدم تغيير نمط العلاقة مع الكيان الصهيوني يعد أحد مركبات البيئة التي قد تمكن الولايات المتحدة والاحتلال من فرض الخطة التصفوية؛ فإن هذه القيادات التي ينتقد في الجلسات المغلقة تواصل التعاون الأمني مع الاحتلال، وتقر بأنهم مغلوبة على أمرها، مطالبة الآن باتخاذ الموقف الوطني المطلوب وتعلن بصوت واضح وصريح رفضهم سياسة عباس.

لا يعقل أن يختطف عباس القضية الوطنية ويخضعها فقط لحساباته الخاصة وأهوائه ويجبر الشعب الفلسطيني على خوض المسار الذي يضمن له النجاة على المستوى الشخصي والضياع والتيه لمجمل الشعب.

على قيادة حركة "فتح" أن تعي ان عباس الذي يبلغ من العمر 84 عاما سيترجل عاجلا أم آجلا، ومن الواضح أن تمكينه من مواصلة العبث على هذا النحو بحاضر الشعب وقضيته ومستقبلها يعني إسدال الستار على أي دور لحركة فتح في تحديد وجهة هذا الشعب في المستقبل.

على قيادات فتح التحرر من الارتباطات القبلية ومنع عباس من مواصلة سد الآفاق أمام الشعب الفلسطيني، على الأقل عبر التمايز والابتعاد عن نهجه وعدم تغطيته تنظيميا.

على "فتح" أن تلتقى مع الفصائل الفلسطينية الأخرى على برنامج عمل وطني موحد شامل، يمكن الاستناد إليه في بناء الإستراتيجيات الوطنية الهادفة لإحباط المخططات التصفوية. وهذا لا يعني أن تتبنى "فتح" برامج الفصائل الأخرى.

من أسف، إن السماح لعباس بمواصلة نهجه يسمح بتوفير بيئة عربية إقليمية تساعد على تطبيق صفقة القرن. فكيف بإمكاننا أن نعترض، مثلا، على لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع نتنياهو في الوقت الذي يسمح عباس، الذي يفترض أنه يمثل الشعب الفلسطيني، بمواصلة التعاون الأمني الذي يصب في مصلحة الاحتلال.

إنها لحظة الحقيقة لحركة "فتح" التي مثلث في يوم من الأيام حاضنة وقاطرة العمل الوطني المقاوم.

* د. صالح النعامي كاتب وأكاديمي مختص بالشأن الإسرائيلي.

المصدر | السبيل الأردنية