الجمعة 21 فبراير 2020 04:53 م

في حين دعمت واشنطن بقوة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لعقود من الزمان، إلا أن القيادة الأمريكية الحالية ربما تكون الأكثر تطرفا تجاه هذا الدعم على الإطلاق.

ومنذ تنصيبه عام 2017، ألغى "دونالد ترامب" المساعدات للسلطة الفلسطينية، وحرم اللاجئين الفلسطينيين من الدعم، مع تخفيضات قاسية في التبرعات الأمريكية لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وأغلق البعثة الدبلوماسية الفلسطينية في واشنطن، واعترف بسيادة (إسرائيل) على مرتفعات الجولان السورية.

وربما كانت أكثر حلقات الوقاحة في ولاية "ترامب" هي إعلانه عام 2017 بأن القدس، وهي مدينة مقدسة لجميع الديانات الإبراهيمية الثلاثة، عاصمة غير مقسمة لـ (إسرائيل)، مع ما رافق ذلك من تعهد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدلا من تل أبيب.

وانضم إلى "ترامب" في هذا الالتزام، زعماء أمثال رئيس البرازيل "جايير بولسنارو"، زميل "ترامب" في "الديماجوجية اليمينية" (استراتيجية لإقناع الآخرين).

ثم أتى الفصل الأخير في التاريخ السريالي للدفاع الأمريكي عن التوسع الإسرائيلي فيما يسمى بـ "خطة السلام" التي أطلقها "ترامب" في 28 يناير/كانون الثاني. وتتألف الخطة، الملقبة إعلاميا بـ"صفقة القرن"، من أكثر المطالبات الإسرائيلية اليمينية تطرفا. وهي المواقف التي يدعمها رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته "بنيامين نتنياهو" في كل قضية تقريبا.

ولا يحاول "ترامب" ولو محاولة ضئيلة، إخفاء انحياز إدارته الصارخ لـ(إسرائيل). وفي المؤتمر الذي تم فيه الكشف عن "صفقة القرن"، لم يحضر سوى "نتنياهو" وزعيم المعارضة الإسرائيلية "بيني جانتس"، ولم تتم دعوة القيادة الفلسطينية للمشاركة في العملية.

وعلى مدى عقود، زعمت الولايات المتحدة رسميا أنها وسيط محايد بين (إسرائيل) والفلسطينيين، في حين أظهرت تصرفاتها تحيزا كبيرا لصالح (إسرائيل).

ولإعطاء مثال واحد من بين الكثير منها، استخدم الرئيس "أوباما" حق النقض ضد قرار مجلس الأمن لعام 2011 الذي يدين المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، على الرغم من أن إنهاء التوسع الاستيطاني كان سياسة رسمية معلنة للولايات المتحدة في ذلك الوقت.

بمعنى آخر، لا تعد تصرفات "ترامب" جديدة، لكن الجديد هو الانخفاض الكبير في دعم موقف الإدارة الأمريكية من (إسرائيل) بين الجمهور الأمريكي.

وكان دعم (إسرائيل) في الولايات المتحدة ساحقا، لكن في العقود الأخيرة، أصبح هذا الدعم يتركز في أجيال معينة، وفئات دخل محددة، وأصحاب الانتماءات الدينية والولاءات الحزبية. وتتمتع الحكومة الإسرائيلية تقليديا أيضا بدعم شامل من وسائل الإعلام الأمريكية، وهو اتجاه مستمر بشكل عام.

ولم تكن تغطية "خطة السلام" التي طرحها "ترامب" في وسائل الإعلام الرئيسية أكثر من مجرد دعاية تعكس ثقافة يتم فيها استبعاد الأصوات المؤيدة للفلسطينيين بشكل منهجي. وفي وقت قريب من عام 2018، طردت "سي إن إن" أحد المساهمين فيها، وهو البروفيسور "مارك لامونت هيل"، لظهوره في حدث والإشارة إلى "فلسطين حرة من النهر إلى البحر".

وبالرغم من كل هذا، تغيرت نظرة الجمهور للقضية بشكل كبير في الأعوام الأخيرة، وخاصة بين الشباب والديمقراطيين.

وبالنسبة للديمقراطيين، يعد أحد أسباب التغيير هو أن الكثير من الأمريكيين ينظرون إلى الحكومة الإسرائيلية على أنها تؤيد بشكل متزايد الحزب الجمهوري. وشعر العديد من الديمقراطيين بالإهانة بسبب أعمال مثيرة مثل خطاب "نتنياهو" سيئ السمعة عام 2015 أمام الكونجرس بشأن إيران، الذي ألقاه دون إذن من الرئيس "باراك أوباما".

وفي سبتمبر/أيلول 2018، وجد استطلاع للقضايا الحرجة بجامعة ميريلاند أن 55% من الديمقراطيين، مقارنة مع 44% من الجمهوريين، قالوا إنهم يعتقدون أن الحكومة الإسرائيلية لها تأثير كبير على السياسة الأمريكية.

علاوة على ذلك، يعارض العديد من الديمقراطيين بشدة التشريعات الإسرائيلية، مثل "القانون الأساسي للأمة اليهودية"، الذي عرّف (إسرائيل) كدولة يهودية دون الرجوع إلى الديمقراطية، ما يمنح مواطني (إسرائيل) اليهود حقوقا أكثر من غيرهم. وقد عارض العديد من القادة اليهود الأمريكيين هذا التطور المقلق.

وأظهر الاستطلاع نفسه أن 82% من الديمقراطيين يعتقدون أن الحكومة الأمريكية يجب أن تكون محايدة بين (إسرائيل) وفلسطين، بينما قال 57% من الجمهوريين إنهم يريدون من الولايات المتحدة أن تميل إلى (إسرائيل) بشكل مباشر.

وفي دوائر النخبة، كثيرا ما يقال إن التماسك الذي دعا إليه الناخبون الديمقراطيون يدل على وجود موجة متصاعدة من المشاعر المعادية لـ (إسرائيل)، أو حتى "معاداة السامية".

  • تفسيرات متباينة للبيانات

وأظهر استطلاع للرأي، تم إجراؤه في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2015، أن 81% من الأمريكيين قالوا إن لديهم وجهة نظر إيجابية عن الديانة اليهودية، حيث أعرب 89% عن آراء مؤيدة للشعب اليهودي. وكنقطة مقارنة، وجد الاستطلاع نفسه أن 37% من الأمريكيين لديهم نظرة إيجابية عن الإسلام.

وكما تشير "فورين بوليسي"، فإن "هذه النتائج لا تشير إلى ارتفاع معاداة السامية، أو حتى زيادة العداء تجاه (إسرائيل) على هذا النحو. فكما أظهرت تحليلات استطلاعات سابقة، فإن الكثيرين ممن يناصرون هذه الآراء يبنونها على نظرة عالمية مبدئية تؤكد على حقوق الإنسان والقانون الدولي".

  • الشباب الأمريكي يقود هذا الاتجاه

ويعد الأمريكيون الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما هم الأكثر احتمالا للتعبير الآن عن تضامنهم مع الفلسطينيين مقارنة مع (إسرائيل).

وأثناء عملية "الجرف الصامد"، الهجوم الذي شنه جيش الاحتلال الإسرائيلي على غزة عام 2014، قال 51% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما، لـ "جالوب"، إنهم يعتقدون أن تصرفات الجيش الإسرائيلي غير مبررة. وعبر الأمريكيون الأفارقة والأمريكيون من أصل إسباني عن وجهات نظر مماثلة في عدد من استطلاعات الرأي.

وتبقى المجموعات الوحيدة التي ما زالت تدعم الحكومة الإسرائيلية بشكل موثوق هي "الناخبون الجمهوريون الأكبر سنا" و"المسيحيون الإنجيليون".

بعبارة أخرى، بينما لا يزال الدعم لـ (إسرائيل) يسيطر على الرأي العام الأمريكي، فقد أصبح تدريجيا قضية يمينية متطرفة.

ووفقا لمركز "بيو" للأبحاث، قال 42% من اليهود الأمريكيين إن إدارة "ترامب" تفضل (إسرائيل) أكثر من اللازم. وهذا أعلى بكثير من النسبة الإجمالية للمسيحيين الذين عبروا عن هذا الرأي بـ 26%، وأعلى بكثير من الإنجيليين بـ 15%.

علاوة على ذلك، زاد معدل هذا التغيير بشكل كبير في الأعوام الأخيرة. وأوردت استطلاعات الرأي الاقتصادية في "يوجوف"، عام 2015، أن 47% من الأمريكيين وصفوا (إسرائيل) بأنها "حليفة".

وبحلول عام 2019، انخفض هذا الرقم إلى 37%، بما في ذلك 25% فقط من الليبراليين. ويعد الانقسام الحزبي حول هذه القضية هو الأوسع نطاقا منذ عقود.

ومع ذلك، حتى بين الجمهوريين، فإن دعم الحكومة الإسرائيلية ليس كما كان من قبل. وأظهر استطلاع عام 2019 أن من تزيد أعمارهم عن 65 عاما هي الفئة العمرية الوحيدة التي تتمتع فيها الأغلبية برأي إيجابي عن الحكومة الإسرائيلية، حيث أعرب 27% فقط من الجمهوريين دون سن الـ 30 عن نفس الآراء.

وفي عصر المعلومات، أصبح الجمهور الأمريكي أكثر اطلاعا على الوضع في فلسطين. ومع استمرار سيطرة وسائل الإعلام التقليدية على الأخبار التي يستهلكها الناس، أصبح من الصعب الحفاظ على سرد ينحرف عن الحقائق في أي قضية.

ويحصل الشباب على وجه الخصوص على أخبارهم بشكل متزايد من مصادر مستقلة، وغالبا ما يتجاوزون مصادر وسائل الإعلام التقليدية. وفي الوقت نفسه، يزور المزيد والمزيد من الشباب، من جميع أنحاء العالم، الأراضي الفلسطينية المحتلة للعمل والدراسة والسفر.

وفي حين أن الوضع في فلسطين غالبا ما يتم عرضه على أنه "صراع"، مما يعني نزاعا بين قوتين متكافئتين تقريبا، فإن أولئك الذين يزورون الأراضي المحتلة يرون بأعينهم ما يجري بالفعل، ويعودون مع إدراك أن هذا ليس سوى "احتلال وحشي".

وقال الطالب البرازيلي "بيدرو دروماند" لـ "إنسايد أرابيا" في بيت لحم: "إذا زرت الجدار العازل، على سبيل المثال، فستخرج على وجه اليقين بوجود فجوة هائلة بين القوة التي يملكها كل طرف".

وأضاف: "هذا شيء لم أفهمه على الإطلاق قبل مجيئي إلى هنا... لا يزال الكثير من العالم جاهلا بما يحدث هنا". ويعد "بيدرو" مجرد واحد من ملايين الشباب الذين شاهدوا الواقع القاسي للاحتلال الإسرائيلي. وهذه هي الحقيقة التي لا يمكن إنكارها.

ومع تحول الحكومة الإسرائيلية إلى اليمين وأقصى اليمين، سيستمر تنامي كره سياساتها بين عامة الناس، بما في ذلك في الولايات المتحدة. وفي وقت ما قريبا، قد تصل هذه الكراهية إلى كتلة حرجة، الأمر الذي يوجب على الحكومات التي تدعم إجراءات (إسرائيل) الاهتمام.

وتستمر سيطرة (إسرائيل) على فلسطين بشكل أساسي من خلال الدعم الأمريكي، وإذا أجبر السكان الأمريكيون واشنطن على تغيير موقفها بطريقة ما، فإن الاحتلال سينتهي.

وفي حين قد تبدو اللحظة الحالية مظلمة بالنسبة للفلسطينيين، إلا أن هذه اللحظة تعد فرصة تاريخية للشعب الفلسطيني وحلفائه.

المصدر | توم بيلوت/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد