السبت 22 فبراير 2020 03:56 م

عندما يُقال لي إن الشعب المصري لم يعد مهتما بالثورة، أود حينها أن أكتب في ذكرى شيء وقع منذ 9 أعوام، في 11 فبراير/شباط عام 2011.

يمكن القول إن الطرق المحيطة بقصر الرئيس السابق "حسني مبارك" كانت مُحاطة بنا نحن الشعب. وهذه هي النظرة الرومانسية. لكن في الواقع، كان الشعب منقسما إلى حد كبير بين معسكرين، أحدهما مناهض لـ"مبارك" والآخر متعاطف معه، وشكل الأخير أغلبية نسبية.

وكانت المتاريس في مكانها، مؤمنة من قبل الحرس الرئاسي لمنع الناس من الصدام، لكن هذا لم يمنع الحشد الموالي لـ"مبارك" من إهانتنا وتوجيه الشتائم والسباب إلينا، فضلا عن الذين حاولوا إزاحة المتاريس. وكانوا يصرخون: "كيف تجرؤون على القيام بذلك؟ إنه مثل أبٍ لكم. وسألنا آخرون: "من دفع لكم لكي تكونوا هنا أيها الخونة؟"

تحوّل

لكن كان كل ما يتطلبه الأمر لتغيير نغمتهم هو إعلان تنحي "مبارك". كان الأمر كما لو كنت تغير وضع مفتاح الكهرباء، وفجأة انطلقت الحشود المحيطة بنا في هتافات الفرح، نعم أولئك الذين وصفونا بالخونة. ولم يظهر أي من المحتجين الضغائن؛ بل عانقوا بعضهم البعض، ورقصوا طوال الليل مع نفس الأشخاص الذين بدوا على استعداد للاعتداء عليهم قبل لحظات فقط.

واليوم، أولئك الذين يبدو أنهم يؤيدون الدكتاتور "عبدالفتاح السيسي" لا يفعلون ذلك بدافع من قناعة صادقة، ولكن بدافع الحاجة إلى الحماية. إنهم ينحازون إلى الشخص الذي لديه قوة ونفوذ أكبر، لأن هذا هو الشيء الأكثر أمانا في نظرهم. وفي نهاية اليوم، يريد معظم الناس في كل مكان فقط ضمان السلامة لأنفسهم وعائلاتهم.

لكن لا أحد يريد أن يظهر بدون مبدأ، لذلك يخدعون أنفسهم للاعتقاد بأن الشخص الشرير الذي يقف إلى جانبهم هو "الرجل الصالح"، ويروجون لكل الدعاية التي تدور حوله، مثل أنه يحفظهم من "الإرهاب"، وأن العلاقات الدولية تتحسن، وأنه يوقف الفساد في الداخل، وأن سياساته الاقتصادية لا تشوبها شائبة. إنهم يفعلون ذلك حتى لو أثبتت جميع الدلائل غير ذلك، لأنه أكثر الأشياء أمانا للاعتقاد فيه، على الأقل في المدى القصير.

وإذا كانت الأحداث التي وقعت منذ 9 أعوام تمثل أي مؤشر، فكل ما يتطلبه الأمر بالنسبة لملايين الأشخاص لمعرفة الخطأ في طرقهم هو ضغطة واحدة على مفتاح ما، حين ينقلب الأمر ويجدوا الرجل الذي كانوا ينحازون إليه خاسرا في النهاية. لا يتعلق الأمر بالمبادئ أو الحقائق أو فعل الشيء الصحيح.

لهذا السبب، عند التعبير عن الاستياء من حكم "السيسي"، يكون الرد غالبا في شكل سؤال: "ما هي خطتك؟"، أو "من سيقود البلد بعد ذلك؟"، أو "كيف ستتم الإطاحة به من السلطة ؟"

الحكم بالخوف

وتشبه هذه الأسئلة تلك التي تم طرحها عندما كان "مبارك" لا يزال رئيسا. وخلال حكمه الذي دام 30 عاما، لم يكن بإمكان أحد أن يتخيل انتخابات رئاسية تضم 13 مرشحا، كما حدث عام 2012، في أول انتخابات حرة في مصر. ولو كان أحدهم حاول تخيل ذلك، فمن المحتمل أنه لم يتصور العديد من المرشحين الذين خاضوا الانتخابات بالفعل.

ومن المؤكد أنهم لم يتخيلوا أن "محمد مرسي" هو الرئيس المنتخب، وكان عدد قليل جدا من الناس يعرفونه. وحتى "السيسي" لم يكن معروفا لدى الجمهور قبل أن ينظم انقلابه على "مرسي" عام 2013، وهي خطوة دفعت باسمه إلى الوعي العام ورسمته كبطل للشعب.

ولم تكن هذه الخطوة ممكنة لو كان "مرسي" و"الإخوان المسلمون" يأخذون في الاعتبار آمال وتطلعات الشعب المصري عموما، ولم يسيؤوا التعامل خلال عام واحد فقط من السلطة، مما جعل البلاد على شفا حرب أهلية.

لهذا السبب بدا أن الشعب المصري يرحب بانقلاب "السيسي" بأذرع مفتوحة. ولم يعرفوا سوى القليل عما سيحصلون عليه في المقابل، لقد حصلوا على مئات القتلى في ميدان رابعة وسيناء، وأكثر من 7 آلاف و400 مدني يواجهون المحاكم العسكرية، وأكثر من 2400 حكم بالإعدام أصدرته المحاكم المصرية، وأكثر من 60 ألف سجين سياسي.

ولا يفسر هذا حتى حالات الاختفاء القسري الكثيرة، أو تكتيكات التخويف المستخدمة لإسقاط الحق في التجمع العام، أو مختلف التدابير الاستبدادية المتخذة لإنهاء ما تتمتع به البلاد من القليل من الصحافة الحرة. ثم هناك السياسات الاقتصادية التي أرسلت أكثر من 32% من المصريين تحت خط الفقر.

التواطؤ الغربي

وبكل الدلائل، لا يعد "السيسي" جيدا لمصر. وحتى لو تجاهل المرء كل الأرقام، فإن حقيقة أنه انتقل من ادعاء عدم الاهتمام بمنصب الرئيس إلى تغيير الدستور للبقاء في منصبه حتى عام 2034، تؤكد بوضوح نواياه السيئة.

ولم تكن الإدارة الذكية، التي تهتم حقا بمستقبل الشعب، لتقيد حرية التعبير وتصنع العداء ضد شعبها. بل كانت لتوفر مساحة للناس للتعبير عن مظالمهم، واستخدام هذه المظالم كدافع للحكم السليم. لكن هذا شيء لا يفعله "السيسي" ولا المؤسسة العسكرية التي تدعمه.

ولا ينبغي أن يكون هذا مفاجأة لأحد. لكن ما قد يفاجئ بعض الناس، خاصة أولئك الغافلين عن أهوال الإمبريالية الاستعمارية وعلاقتها بممارسات ما بعد الاستعمار، هو العلاقة الأكثر ودية بين "السيسي" والحكومات الديمقراطية المفترضة.

مثال على ذلك، لم تر فرنسا مشكلة في بيع طائرات "رافال" القتالية، وأنظمة الأقمار الصناعية العسكرية، لنظام "السيسي". وزادت مبيعات الأسلحة الألمانية إلى مصر بنسبة 205% في عهد "السيسي". وتواصل الولايات المتحدة تقديم أكثر من مليار دولار من المساعدات العسكرية لمصر. هذا، على الرغم من فتح "السيسي" قواعد عسكرية مصرية للقوات الجوية الروسية.

ويتعلق ذلك بالأشخاص الذين تمثلهم حكومات "منتخبة ديمقراطيا" لسببين رئيسيين. أولا، من المحتمل جدا أن هذه الحكومات تتعامل مع مصر دون علم الجمهور، فهل هذه ديمقراطية حقا؟ ثانيا، كيف تهتم الحكومة، التي تتجاهل الحقوق الديمقراطية في الأماكن الأخرى، بالديمقراطية في الداخل؟

فالمبادئ لا تتجزأ. وإذا كان المرء على استعداد للتغاضي عن الظلم في مكان واحد، فعندئذ يكون قادرا على التغاضي عن الظلم في أي مكان، وهذه صفة خطيرة للغاية في النخب الحاكمة.

أسباب الأمل

وحتى الآن، لقد رسمنا صورة شديدة القتامة. ولقد أثبتنا أن معظم الناس لديهم القليل من المبادئ، وأن الجيش المصري لا يهتم بالشعب المصري، وأن "السيسي" هو أسوأ زعيم شهدته البلاد في التاريخ الحديث، وأنه قد يستمر في إحداث الفوضى حتى عام 2034، وأن الحكومات المنتخبة ديمقراطيا في جميع أنحاء العالم لا تهتم حقا بما يفعل، بل وترغب في مواصلة العلاقات معه.

ولكن إذا كنت تقرأ ما بين السطور، فسترى أن الأمل وإمكانية تحقيق العدالة مضمنة في تسلسل الأحداث التي أدت إلى ما وصلنا إليه الآن.

أولا، لم تتطلب إقالة "مبارك" أبدا أغلبية كبيرة. وأصبح ذلك ممكنا من قبل أقلية كانت عازمة على قول الحقيقة إلى السلطة، وضد كل الصعاب.

ثانيا، لا يحتاج الرئيس القادم إلى معرفة ما قبل التقدم لهذا المنصب. ومن الناحية المثالية، ينبغي ألا يتوقف دافع المرء للوقوف في وجه الظلم على قابلية وجود مرشحين جيدين للرئاسة في المستقبل، وهو مفهوم سخيف.

أخيرا، والأهم، أن مصير الشعب دائما ما يكون بيد الشعب. وحتى "السيسي" يعرف هذا. ولكي ينظم انقلابه، كان عليه الانتظار حتى يتم تعزيز ما يكفي من السخط ضد جماعة "الإخوان المسلمون"، من أجل ضمان الدعم الثابت من الشعب المصري لخطوته الكبيرة.

وهذا هو السبب في أنه يضع الآن جميع الموارد تحت تصرفه لمنع المصريين من التعبير بحرية عن آرائهم؛ لأنه يعرف جيدا أنه لم يعد يحظى بتأييد الجمهور المصري بشكل عام، وإذا ما أُتيحت للشعب الفرصة، حتى أدنى فرصة، فسوف ينهض ويطيح به بسرعة من السلطة.

ولا شك أن أي شيء يريده الناس ممكن، ولكن فقط إذا أرادوا ذلك بما فيه الكفاية.

المصدر | جنزير - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد