الثلاثاء 25 فبراير 2020 12:44 م

حالة من القلق باتت تغلف أجواء الحديث عن خلافة أمير الكويت، الشيخ "صباح الأحمد الجابر الصباح"، الذي تجاوز التسعين عاما، مع تعرضه المتكرر لنوبات تدهور في حالته الصحية خلال الأشهر القليلة الماضية، ودخوله على إثر أحدها لمستشفى في الولايات المتحدة أثناء زيارته للبلاد، لتستمر رحلة علاجه لأكثر من شهر، قبل أن يعود إلى الكويت ويبدأ بالظهور الإعلامي على فترات متباعدة.

ويرتبط هذا القلق أيضا بالحالة التي ظهر بها الأمير بعد عودته؛ إذ بدا متعبا في لقاءاته وأحاديثه العامة، وظهر في إحداها واضعا في يده أنبوبا وريديا يستخدم لإدخال المحاليل الطبية والأدوية للجسم، إضافة إلى حالة ولي عهده وشقيقه، الشيخ "نواف الأحمد الجابر الصباح"، الذي يبلغ من العمر 83 عامًا، وخضع لعدة عمليات جراحية، ورحلات علاج داخل وخارج الكويت، ويتردد حاليا على الولايات المتحدة للسبب ذاته.

ويشي الوضع القائم بعدم استقرار بشأن خلافة رأس السلطة في الكويت، خاصة في ظل إقالة الأمير لنجله الشيخ "ناصر صباح الأحمد الجابر الصباح" من منصبه كنائب لرئيس الوزراء ووزير للدفاع قبل تشكيل الحكومة الكويتية الأخيرة، على خلفية تراشق إعلامي بشأن قضية "فساد" عُرفت إعلاميا بـ "قضية صندوق الجيش".

وتم إنشاء هذا الصندوق منذ تأسيس الجيش الكويتي في خمسينات القرن الماضي، وأشرف عليه وزراء الدفاع المتوالون. وقد فجر الكشف عن اختلاسات بقيمة تفوق 700 مليون دولار في الصندوق الكثير من الجدل، ليس فقط حول الحكومة، التي اضطر رئيسها الشيخ "جابر الصباح" لتقديم استقالته، بل حول إمكانية خلافة "ناصر الصباح" لأبيه.

  • مستقبل الخلافة

ويعد "ناصر الصباح" من مواليد عام 1948، وتنتمي والدته الشيخة "فتوح السلمان الحمود الصباح" للأسرة الحاكمة، كما أنه متزوج من الشيخة "حصة صباح السالم الصباح"، التي تنتمي للأسرة أيضًا. وحتى العام 1999، كان بعيدا عن المشهد العام في الكويت، عندما تم تعيينه آنذاك مستشارا خاصا لولي العهد، قبل أن يتم تعيينه في 2006 وزيرا لشؤون الديوان الأميري، وهو العام ذاته الذي تولى فيه والده سدة الحكم في البلاد.

وزاد الحديث عن "ناصر الصباح" وكفاءته بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، تزامنا مع تكرار غياب والده وعمه لأسباب صحية، وتقدمهما في السن، واحتل صدارة الترشيحات لخلافة لوالده، غير أن إقالته من منصبه أحاطت تلك التوقعات بكثير من الشكوك.

وكان نفوذ "ناصر الصباح" تصاعد بشكل ملحوظ خلال العامين الأخيرين إثر تبنيه مشروعا عملاقا للتغيير في الكويت يحمل عنوان "رؤية الكويت 2035"، ويهدف إلى بناء اقتصاد متعدد الموارد لا يعتمد على مبيعات النفط فقط، إضافة لتحقيق تنمية في المجالات كافة، وتحسين مستوى الخدمات الصحية والتعليم في البلاد.

لكن قيام الأمير بإقالة نجله من منصبه سبب صدمة كبيرة. وجاءت الإقالة على وقع تراشقات بينه وبين وزير الداخلية السابق "خالد الصباح" بدأت في 16 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما نشر "ناصر الصباح" تغريدات عبر "تويتر" أكد فيها أن السبب الرئيسي لاستقالة حكومة "جابر الصباح" هو اكتشاف "تجاوزات مالية" وقعت في "صندوق الجيش" والحسابات المرتبطة به، بعضها يعد "جرائم متعلقة بالمال العام تجاوزت 240 مليون دينار كويتي (768 مليون دولار).

وإزاء ذلك، رصد محللون، بينهم الكويتي "قيس الشطي"، مؤشرات خلافات وأزمة سياسية بالبلاد، قد يكون لها أثرها على مستقبل الإمارة في البلاد.

  • جناحا العائلة

وفقا لما يراه "الشطي"، فإن الخلافات الحالية داخل العائلة المالكة الكويتية تعيد إلى الأذهان ذكريات عام 2006، عندما شهدت الأسرة الحاكمة انقساما على خلافة الأمير الراحل الشيخ "جابر الأحمد الصباح"، بين جناحَي الأسرة، "الجابر" و"السالم"، تطور إلى لجوء كل طرف منهما إلى تعبئة أنصاره وتحريك الأجهزة الأمنية والعسكرية الموالية لها ما وضع البلاد على شفا مواجهة سياسية غير مسبوقة.

ورغم أن هذا الانقسام انتهى بسلام عبر تولي الشيخ "صباح الأحمد" الحكم بعد أن تدخل البرلمان وقام بعزل الشيخ "سعد العبدالله السالم الصباح"، الذي كان وليا للعهد، "لأسباب صحية"، إلا أن تلك التسوية لم تنه الصراع بين جناحي الأسرة، بل ازدادت حدة التنافس بينهما على المناصب الحكومية الرئيسية، وعلى مراكز القرار في المؤسسات العامة، بهدف تحسين موقعيهما في معركة ولاية العهد التالية التي ستندلع حال وفاة الأمير الحالي أو حال وفاة ولي عهده.

وهنا يبرز الدور الذي يمثله "مجلس الأمة" (البرلمان) في النظام السياسي الكويتي كرمانة ميزان احتياطية؛ إذ تنص المادة الثالثة من قانون توارث الإمارة على أنه "يشترط لممارسة الأمير صلاحياته الدستورية ألا يفقد شرطا من الشروط الواجب توافرها، فإذا فقد أحد هذه الشروط أو فقد القدرة الصحية على ممارسة صلاحياته فعلى رئيس مجلس الوزراء بعد التثبت من ذلك عرض الأمر على مجلس الأمة في الحال لنظره في جلسة سرية خاصة".

وتقضي نفس المادة بأنه "إذا ثبت للمجلس بصورة قاطعة فقدان الشرط أو القدرة المنوه عنهما، يقرر بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم انتقال ممارسة صلاحيات الأمير إلى ولي العهد بصفة مؤقتة أو انتقال رئاسة الدولة إليه نهائيا".

وفي هذا الإطار، يشير أستاذ علم الاجتماع السياسي البحريني "عبد الهادي خلف" إلى أن ما جرى عام 2006 فضح فشل "آل الصباح" في التوافق على اختيار أمير من بينهم نتيجة عمق الأزمة الداخلية في العائلة الحاكمة، وفتح طريقا أمام البرلمان الكويتي كي يقوم بدور حاسم في تحديد مسار الخلافة وممارسة دوره الدستوري في اختيار الأمير الجديد وفي تسوية للصراع بين جناحي "الجابر" و"السالم".

ويقوم العرف السائد في الكويت على تناوب جناحي العائلة على السلطة، لكن التسوية التي أفضت لإمارة الشيخ "صباح الأحمد" كسرت ذلك؛ إذ ينتمي مثل سلفه إلى جناح "الجابر"، الذي ينتمي إليه ولي عهده أيضا.

  • تدخل إقليمي

وفي ظل تنامي صراع النفوذ بين جناحي العائلة الحاكمة ووصوله إلى كافة مؤسسات الدولة، بما فيها مجلس الأمة، فإن قلقا يلوح في الأفق بشأن تدخل إقليمي في خلافة الأمير الحالي، وفقا لما نقلته مجلة "فورين بوليسي" عن بعض المسؤولين الكويتيين.

 وعبر المسؤولون، للمجلة الأمريكية، عن قلقهم حول مؤشرات تدخل سعودي إماراتي في عملية خلافة الأمير وولي عهده، في ظل المعطيات الخاصة بتقدم سنهما وسوء حالتهما الصحية.

وعزز من هذه المؤشرات ما نقلته وكالة الأنباء الكويتية الرسمية (كونا) عن مصادر خاصة أثناء رحلة الأمير العلاجية الأخيرة بالولايات المتحدة بشأن عقد اجتماع عاجل جمع أقطاب رئيسية في الأسرة الحاكمة ورؤساء الأجهزة الأمنية، اتفقوا خلالها على اجتماعات مفتوحة دورية، وإجراء اتصالات مع الرياض.

وإزاء ذلك، من المرجح أن قضية "صندوق الجيش" ستلعب دورا حاسما في ملف الخلافة في الكويت. وفي حال إقرار القضاء بصحة ادعاءات "ناصر الصباح"، فسيكون بمقدور نجل الأمير تقديم نفسه للرأي العام الكويتي باعتباره رمزا لمكافحة الفساد وخليفة شرعيا لأبيه الذي لم يجامله بإبقائه في منصبه. وبخلاف ذلك، هناك بوادر صراع مكتوم تلوح في الأفق بين جناحي العائلة المالكة؛ ما قد يسمح للقوى الإقليمية بالتدخل في عملية الخلافة المرتقبة في البلاد.

المصدر | الخليج الجديد