الثلاثاء 25 فبراير 2020 10:54 م

في أوائل فبراير/شباط الجاري، ارتفعت أسعار أسهم شركة "تسلا" على الرغم من خسارتها دعم "صندوق الاستثمارات العامة في السعودية"، مما أعاد التركيز على استراتيجيات الاستثمار لصندوق الثروة السيادي في المملكة.

ودفعت رهانات "صندوق الاستثمارات العامة" الجريئة، على شركات التكنولوجيا العالمية، وشركات الاستثمار الكبرى، مثل "سوفتبانك"، النقاد إلى اتهامه بإهمال رجال الأعمال السعوديين والشركات الناشئة المحلية.

لكن إطلاق "صندوق الصناديق" (جدا)، وقيمته 1.07 مليار دولار، يعكس ظاهريًا محاولة لإعادة توجيه الاستثمارات، نحو الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في السوق المحلي للسعودية.

 

  • تركيز محلي

قد يعكس تأسيس "جدا" مرحلة جديدة من صناديق الاستثمار متنامية التخصص التي تقودها الدولة في السعودية.

أو ربما يعمل الصندوق الأخير على توسيع الامتداد المؤسسي لـ"صندوق الاستثمارات العامة"، ليشمل قطاعات جديدة من الاقتصاد السعودي.

وبالرغم أنه من السابق للأوان قياس تأثير "جدا" الدقيق، لكن قراراته الاستثمارية ومسار نموه على مدى السنوات المقبلة سيتكشف.

وعلى الرغم من الإعلان عنه في 2017، تم إطلاق "جدا" رسميًا، في ديسمبر/كانون الأول 2019، تحت المظلة المؤسسية لـ"صندوق الاستثمارات العامة"، جنبًا إلى جنب مع قرار من مجلس الوزراء.

وتعتزم الحكومة السعودية، أن يكون "جدا" مكونًا مهمًا في "رؤية 2030"، ومهمة الشركة هي "توفير التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة السعودية من خلال استثمارات مستدامة تجاريًا في صناديق الملكية الخاصة ورأس المال الجرئ".

ويتوقع مسؤولو "صندوق الاستثمارات العامة"، أن يوفر "جدا" 58 ألف وظيفة، ويضيف حوالي 2.29 مليار دولار، إلى الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بحلول عام 2027.

ومن خلال مبادرات مثل "جدا"، تهدف الحكومة السعودية إلى دعم الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة بشكل أفضل تماشيًا مع هدف "رؤية 2030" المتمثل في زيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من 20 إلى 35%.

وفي عام 2018، أطلقت "الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة"، صندوقاً قيمته 750 مليون دولار، والمسمى بـ"شركة فينشر كابيتال الاستثمارية السعودية"، للاستثمار في صناديق رأس المال السعودي الجرئ والشركات الناشئة.

وتأمل الحكومة أيضًا في زيادة فرص الحصول على التمويل من خلال تشجيع المؤسسات المالية على تخصيص ما يصل إلى 20% من إجمالي تمويلها للشركات السعودية الصغيرة والمتوسطة؛ التي لا تتلقى في الوقت الحالي سوى حوالي 5% من تمويلها من المؤسسات المالية في البلاد.

 

  • صندوق يحكم الكل

وتعتمد قيادة "جدا"، على مجموعة كبيرة من الخبراء، لتعزيز البيئة الاستثمارية للشركات السعودية الصغيرة والمتوسطة.

رئيس مجلس إدارة شركة "جدا"، هو "مازن الجبير" المدير العام لشركة "جوارس" المحدودة وعضو مجلس إدارة "المؤسسة العامة للتقاعد".

وهناك أيضًا "عادل العتيق"، نائب الرئيس التنفيذي سابقًا في شركة "الرياض المالية"، وحاليًا الرئيس التنفيذي لـ"جدا".

وفي مقابلة، أشار "عتيق"، إلى أن تأخر صناديق الملكية الخاصة ورؤوس المال الجرئ في السعودية والخليج "يخلق حاجة لأن تكون (جدا) مستثمر مؤسسي رئيسي".

ويسرد موقع "جدا" حاليًا 6 شركاء في الاستثمار: "أرزان فينشر كابيتال"، و"بيكو"، و"500 ستارتآبز"، و"جلوبال فينشرز"، و"رائد فينشرز"، و"فيجين فينشرز".

لكن النظام البيئي لرأس المال الاستثماري الجرئ في السعودية، رغم نموه، يتخلف عن نظيره في الإمارات، من حيث رأس المال الاستثماري والصفقات المتاحة.

وارتفع تمويل رأس المال السعودي الجرئ من 7 ملايين دولار، و16 صفقة في عام 2015، إلى ما يقدر بـ67 مليون دولار و71 صفقة في عام 2019، وفقًا لتقرير "ماجنيت 2019" لرأس المال السعودي الجرئ.

أما تمويل رأس المال الاستثماري الجرئ في الإمارات، فوصل إلى 426 مليون دولار في عام 2019.

ويمكن لصندوق السعودية، البالغ قيمته 1.07 مليار دولار، أن يغير التوازن الجغرافي لمستويات الاستثمار هذه.

لكن "عتيق" أشار إلى أن قيادة الشركة "حريصة جدًا على عدم ضخ رأس مال فائض قد يؤدي إلى ممارسات الاستثمار غير الحكيمة".

وأدى تركيز السعودية المتجدد على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم، وخاصة الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، إلى إشارات بوجود "منافسة غير معلنة" بين مراكز الأعمال التجارية في دول الخليج.

وفي الواقع، يرى العديد من رواد الأعمال المقيمين في دول الخليج المجاورة، أن سكان السعودية البالغ عددهم 34 مليون نسمة، هم سوق رئيسي لتوسيع نطاق مشاريعهم.

ويأمل المسؤولون السعوديون في جذب رواد الأعمال هؤلاء إلى المملكة وتشجيع المزيد من السكان المحليين على إطلاق مشاريع داخل البلاد.

وتنعكس استراتيجية مماثلة لإعادة تدوير الاستثمارات محلياً، ومنع التسرب الاقتصادي خارج البلاد في مشاريع التطوير البارزة الأخرى تحت المظلة المؤسسية لـ"صندوق الاستثمارات العامة"، مثل "نيوم"، ومدينة "القدية" الترفيهية، ومشروع تطوير البحر الأحمر.

ويشكك منتقدو استراتيجية الاستثمار، التي تقف خلف إنشاء "جدا"، في مدى فعالية السماح لـ"صندوق الاستثمارات العامة"، بتوسيع سيطرته المؤسسية على قطاعات إضافية من الاقتصاد.

ويتطلب اجتذاب رأس المال الاستثماري في السعودية، وفقًا لهذا النهج المنطقي، مشاركة أقل من الدولة، وشركات ناشئة أفضل.

وتفيد تقارير، بأن بعض القرارات الاستثمارية الرئيسية لـ"صندوق الاستثمارات العامة" يتخذها عدد قليل من الموظفين ومسؤولو الحكومة، مما رفع المخاوف بشأن هيكل حكم صندوق الثروة السيادي.

ويشير عدد من المحللين، إلى أنه بدلاً من الإشراف على صفقات استثمار محددة، يجب على المسؤولين الحكوميين الاستمرار في التركيز على تحسين بيئة الأعمال التجارية للشركات الصغيرة والمتوسطة.

وحققت السعودية تقدماً ملموساً في هذا الصدد، فقد صُنفت الدولة كأكثر الاقتصاديات تحسنًا في تقرير البنك الدولي "ممارسة الأعمال 2020".

وينظر مؤيدو الصندوق الجديد للمملكة، إلى مشاركة الحكومة في الملكية المحلية الخاصة ومجال رأس المال الجرئ، كخطوة ضرورية لتحفيز صناعة الشركات الناشئة في البلاد، وتوليد اهتمام أكبر بين المستثمرين المحليين الذين يتطلعون تقليديًا نحو المؤسسات المالية المحلية للحصول على عوائد قوية وآمنة.

وترى هذه النظرة الأكثر إيجابية لارتباط الدولة بـ"جدا"، أن صندوق الصناديق الجديد، يتجه نحو إداراة أكثر تكريسًا للملكية الخاصة ورأس المال الجرئ، في صناديق ثروة سيادية خليجية أكثر رسوخًا، حيث يتم تفويض اللجان المتخصصة ومديري المخاطر في قرارات الاستثمار الجماعي.

وفي ضوء ذلك، فإن أي استقلالية يتم منحها لـ"جدا" يمكن أن تعزل "صندوق الاستثمارات العامة" عن قرارات الاستثمار السيئة والأضرار التي تلحق بالسمعة.

 

  • صناديق الخليج الأخرى

و"جدا" ليس الصندوق الوحيد الذي تملكه حكومة في منطقة الخليج، لكن يختلف التركيز الجغرافي لاستثمارات الصناديق وكيفية توزيعها.

فقد أعلن صندوق الثروة السيادية الإماراتي "مبادلة"، عن إنشاء صندوق قيمته 150 مليون دولار يدعم مركز "هاب 71"، وهو مركز تقني ترعاه الحكومة في سوق أبوظبي العالمي، من خلال استثمارات منسقة في صناديق رأس المال الجرئ العالمي.

وخصص "مبادلة"، 100 مليون دولار أخرى للاستثمارات المباشرة في شركات ناشئة واعدة في مجال التكنولوجيا، ومهتمة بالانضمام إلى مركز "هاب 71".

وفي يونيو/حزيران 2018، أطلق "مبادلة" صندوقًا بقيمة 400 مليون دولار لذراعه في رأس المال الاستثماري، شركة "مبادلة فنتشرز"، لاستهداف شركات التكنولوجيا الأوروبية الرائدة.

وفي هذه الحالة، يعكس صندوق الصناديق أنشطة قسم رأس المال الجرئ داخل صندوق الثروة السيادية الأكبر.

ويضم صندوق "واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا"، وهو عضو في "مؤسسة قطر"، صندوقين يركزان على الشركات الصغيرة والمتوسطة: صندوق "تك فنتشر"، و"صندوق تطوير المنتجات".

ويوفر الأول تمويلًا مباشرًا لرواد المشاريع التكنولوجية، في حين أن الأخير يدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة التي تتوافق مع الاحتياجات المحلية، ويمتلك القطريون فيها ما لا يقل عن 20%.

وأنشأت البحرين "صندوق صناديق الواحة"، في عام 2018، لدعم صناديق رأس المال الجرئ التي تستثمر مباشرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو لها مصلحة استراتيجية في المنطقة.

ويعمل "بنك البحرين للتنمية" كمدير استثمار للصندوق الذي تبلغ قيمته 100 مليون دولار.

كما يشرف "صندوق الاحتياطي العام" في سلطنة عمان أيضًا على صندوقين: "صندوق عُمان للتكنولوجيا" بقيمة 200 مليون دولار، و"ابتكار تطوير عُمان".

والتركيز الجغرافي لصندوق التكنولوجيا العُماني، هو سلطنة عمان والشرق الأوسط، وهدفه هو "جعل سلطنة عُمان الوجهة المفضلة لشركات التكنولوجيا الناشئة في المنطقة" وكذلك وجهة لرأس المال الجرئ.

وتسعى استراتيجية استثمار "ابتكار تطوير عمان" إلى البحث عن شركات دولية مبتكرة ومؤثرة لا توفر فقط فرص استثمارية مربحة، ولكن أيضًا منتجات وحلول للتحديات التي تواجه عمان.

فيما تميل "هيئة الاستثمار الكويتية"، صندوق الثروة السيادي في البلاد، إلى تجنب المخاطر أكثر من نظيراتها الإقليمية.

وأعلنت الحكومة الكويتية عن خطط لإنشاء صندوق استثماري يركز على التكنولوجيا بقيمة 200 مليون دولار في يناير 2019، لكنها التزمت فقط بالمساهمة بمبلغ 50 مليون دولار في الصندوق.

ويبدو أنه تم إحراز تقدم ضئيل في هذه المبادرة، خاصة في مواجهة الاهتمام غير اليقيني من القطاع الخاص.

وعلى الرغم من أن إطلاق "جدا" سيؤثر على المنشآت الصغيرة والمتوسطة السعودية، إلا أن الصندوق البالغة قيمته 1.07 مليار دولار لا يزال أقل من 0.4% من القيمة المقدرة لـ"صندوق الاستثمارات العامة".

وهذا يقلل من المخاطر حيث يحاول المسؤولون السعوديون تحديد أفضل نموذج لنشر الاستثمارات في الشركات السعودية الصغيرة والمتوسطة.

ولدى "جدا" الفرصة للتعلم من نظرائها الإقليميين الأكثر رسوخًا، وقد يكون الاختبار الحقيقي للصندوق الجديد، هو ما إذا كان بإمكانه قبول عائدات بطيئة ومتواضعة لصالح أكبر للاقتصاد المحلي.

المصدر | روبيرت موجيلنكي / ذي اراب جالف ستيتس انيستيتيوت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد