الأربعاء 26 فبراير 2020 08:55 ص

في آخر معقل للمعارضة في سوريا، أصبحت مخاوف الملايين من الناس حقيقة. وبمساعدة الضربات الجوية الروسية الوحشية، استولت قوات النظام السوري على نحو ثلث محافظة إدلب خلال الشهرين الماضيين، ما دفع أكثر من 900 ألف من سكان المنطقة، البالغ عددهم 3.5 مليون شخص، إلى النزوح عن ديارهم إلى الشمال باتجاه الحدود التركية القريبة، حيث يعيش 800 ألف شخص آخر من النازحين بالفعل في المخيمات المزدحمة.

وتعد الموجة الحالية من اللاجئين الفارين من إدلب، التي يشكل النساء والأطفال 80% منها، أكبر موجة نزوح في سوريا منذ 9 أعوام، في حين تعاني وكالات الإغاثة من عجز كبير.

ومع وجود معسكرات من خيام ومبان عامة بالقرب من الحدود التركية تؤوي بالفعل عددا كبير من اللاجئين، فقد اضطر 170 ألف نازح إلى النوم في مبانٍ غير مكتملة، أو في الحقول، أو على طول الطرق في درجات حرارة تقل كثيرا عن درجة التجمد، ما تسبب في وفاة عدد من الرضع والأطفال الصغار.

أزمة في طور الإعداد

ومن الواضح ماذا سيحدث إذا أسر النظام السوري هؤلاء المدنيين، سيتم قتل الكثير بكل بساطة، وكانت كل من منظمة العفو الدولية، و"هيومن رايتس ووتش"، ولجنة التحقيق الخاصة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، حذرت من الفظائع التي يرتكبها نظام "بشار الأسد" ضد المدنيين، وحتى ضد موظفي الإغاثة، فعندما تصل قوات "الأسد" إلى الحدود التركية، سيتم ترك اللاجئين إلى مصيرهم القاتم ما لم تسمح لهم تركيا بالعبور.

لكن تركيا تستضيف بالفعل 3.6 مليون سوري، وصبرها يتضاءل، وفي ظل عدم قدرتها على استيعاب موجة أخرى من اللاجئين بهذا الحجم، نشرت تركيا قواتها الخاصة في إدلب على أمل ردع التقدم السوري، وهدد الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بدفع قوات النظام السوري إلى مواقعه التي كان عليها قبل بدء هذه الجولة الأخيرة من القتال في إدلب.

وتسيطر الطائرات الحربية الروسية على سماء غرب سوريا، لكن أنقرة لا تريد مواجهة موسكو وحدها في إدلب، ولن يدعم حلف "الناتو" القوات التركية التي تعمل خارج حدود البلاد، وضربت قوات النظام السوري، المدعومة بالطائرات الروسية، مواقع تركية بالفعل، وقتلت 13 جنديا تركيا، وتعمل أنقرة على إرسال تعزيزات، لكن القوات التركية تصرفت بضبط نفس نسبي، ما سمح للنظام السوري بتجاوزها، بل حتى تطويقها.

وفي 17 فبراير/شباط، تعهد "الأسد" بإعادة السيطرة على إدلب، وتتوقف قواته من حين لآخر، ثم تبدأ في التحرك مرة أخرى، وتكتسب أرضية، حيث تضعف المقاومة، وإذا لم تتمكن تركيا من وقف تقدم "الأسد"، فسوف تضطر إلى فتح حدودها، وبما أنه لا يمكن لها أن تستقبل الكثير من اللاجئين، فسوف تسمح للكثيرين منهم، إن لم يكن معظمهم، بالانتقال عبر البلاد إلى أوروبا، وستكون هذه الموجة من اللاجئين السوريين أكبر من تلك التي حدثت عام 2015 وأدت إلى تغيير السياسة في أوروبا وأدت إلى زيادة دعم اليمين المتطرف في العديد من البلدان.

أفضل بديل

وقد يؤدي الوجود العسكري التركي الكبير إلى تأجيل اللحظة الأخيرة في إدلب، لكن الحكمة تتطلب أن تكون الخطة البديلة جاهزة.

ويعد أفضل خيار يتجنب التدخل العسكري الأمريكي المباشر هو إنشاء  منطقة آمنة تقع على الجانب السوري من الحدود التركية، تدافع عنها أنظمة المدفعية والصواريخ والطائرات التركية الموجودة على الجانب التركي من الحدود، وإذا اقتربت طائرة تابعة للنظام السوري من المنطقة الآمنة، تضربها الدفاعات الجوية التركية في المجال الجوي السوري.

وقد يكون هذا كافيا لردع النظام السوري، حيث توقفت المقاتلات السورية عن الطيران حين استخدمت المعارضة السورية المسلحة الصواريخ التركية لإسقاط مروحيتين سوريتين في وقت سابق من هذا الشهر.

وإذا لم يكن الأمر كذلك، وأطلقت قوات النظام البرية النار على المنطقة الآمنة أو اقتربت منها، فقد تتمكن تركيا من المواجهة عبر المدفعية والصواريخ بالتنسيق مع مقاتلي المعارضة السورية، ويمكن أن تكون المنطقة الآمنة أقل من 10 أميال، أي فقط بالقدر الذي يمكن للجيش التركي أن يغطيه بشكل موثوق من جانبه من الحدود.

ولا تعد المنطقة الآمنة فكرة جديدة، ولديها العديد من الجوانب السلبية التي دفعت إدارة "أوباما" إلى التخلي عنها في السابق، وتبقى أكبر مشكلة محتملة هي حماية المنطقة الآمنة نفسها.

ومن شبه المؤكد أن قوات النظام السوري ستختبر المنطقة الآمنة، ما يعني رد فعل تركي دفاعي، وإذا دعمت طائرة روسية التوغل السوري وإطلاق النار على الوحدات التركية المدافعة من داخل تركيا، فيجب حينها على "الناتو" استدعاء المادة 5 للدفاع عن السيادة التركية والوحدات التركية، وهذا الالتزام موجود منذ انضمام تركيا إلى "الناتو" قبل 68 عاما، لكنه الآن يواجه أعظم اختبار له.

وقد انتهكت روسيا وسوريا المجال الجوي التركي أو أطلقا النار على تركيا عدة مرات منذ عام 2014، ومع ذلك، لم يحدث في تاريخ الحلف أن اندلع مثل هذا القتال العنيف بالقرب من حدود دولة تابعة لـ"الناتو".

ولدى تركيا العديد من النقاد في واشنطن وعواصم "الناتو" الأخرى التي تشعر بالاستياء من شراء تركيا لنظام دفاع جوي روسي، وعدائها تجاه الميليشيات الكردية السورية التي تشترك مع واشنطن في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية".

لكن إدلب ليست المكان المناسب لتسوية الحسابات مع أنقرة، فإلى جانب المخاطر الإنسانية الهائلة، فإن احتمال تدفقات اللاجئين الضخمة من جديد، التي ستعمل على زعزعة الاستقرار مرة أخرى في أوروبا، يتطلب من "الناتو" الوقوف إلى جانب تركيا إذا دافعت قواتها عن منطقة آمنة داخل سوريا.

تقليل المخاطر

ولتقليل خطر المواجهة بين "الناتو" وروسيا، يجب أن تكون رسالة واشنطن وعواصم "الناتو" واضحة، وهي أن أعضاء "الناتو" يدركون أن المنطقة الآمنة جزء من سوريا، وأنها يجب أن تعود إلى سيطرة النظام السوري عندما يكون هناك قرار سياسي لإيجاد نهاية للحرب.

ويجب على أعضاء "الناتو" أيضا دعم العملية السياسية المتعثرة للأمم المتحدة، التي تدعمها روسيا أيضا، وفي غضون ذلك، يجب على النظام السوري  أن يتوقف عن انتهاك معايير القانون الدولي بطريقة وحشية تجبر الملايين من المواطنين على الفرار إلى الدول المجاورة وتثير عدم الاستقرار، وسوف يدافع "الناتو" بالتأكيد عن حدود دوله الأعضاء.

وبالإضافة إلى صعوبات الدفاع عن المنطقة الآمنة، ستحتاج تركيا والمجتمع الدولي إلى فحص أولئك الذين سيتمتعون بالحماية هناك، وطرد الجهاديين الذين يختلطون بالمدنيين، فلن ترغب الولايات المتحدة وحلفاؤها في "الناتو" في الدفاع، حتى ولو بطريقة غير مباشرة، عن شريط ضيق تسيطر عليه الجماعات الإرهابية.

ومن الناحية المثالية، سوف يصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارا يجيز المنطقة الآمنة، ويفرض نشر مراقبين دوليين ينشؤون آليات تدقيق وقوة شرطة مقبولة لدى أعضاء الناتو وروسيا هناك، وقد يسمح قرار مجلس الأمن للموظفين التابعين للأمم المتحدة في المجال الإنساني بالوصول إلى المنطقة الآمنة.

وسيتطلب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرضا الروسي بالطبع، ولن توافق موسكو دون حافز، لذا فإن الدول الغربية بحاجة إلى أن تكون مستعدة لتقديم تنازلات، وربما يكون أحد الخيارات التي قد تحظى باهتمام موسكو هو إزالة بعض العقوبات الكثيرة ضد النظام السوري.

على سبيل المثال، قد يعلق الغرب العقوبات المفروضة على تصدير النفط إلى سوريا، وهي خطوة من شأنها أن تساعد حليف روسيا في دمشق، ويجب حينها توضيح أنه إذا أدت الأعمال العسكرية السورية أو الروسية إلى انتهاك المنطقة الآمنة فإن العقوبات سيتم استعادتها بكل قوة.

ولا تعد المنطقة الآمنة حلا طويل المدى، لكنها ستحبط أزمة حادة وفورية إذا بدأ النظام السوري في التقدم مرة أخرى تحت مظلة جوية روسية، ولا يعد انتصار النظام السوري وروسيا في إدلب بعيد المنال، ولا يوجد أمام ملايين المدنيين مكان يذهبون إليه سوى محاولة الفرار إلى أوروبا، وتحتاج واشنطن إلى البدء في وضع الأسس لمنطقة آمنة الآن وفورا.

ويعني هذا البدء في التحدث مع موسكو على الفور حول عدم قبول نقل اللاجئين إلى تركيا، وكيفية تحديد الجهاديين، وكيفية تحديد شكل المنطقة الآمنة، وكيفية ترتيب إجراءات خفض التصعيد حتى لا يتم إسقاط طائرة روسية أخرى في الداخل التركي.

ويعني هذا أيضا حشد دعم أعضاء "الناتو" لدعم الخطط التركية، وتنظيم استجابة إنسانية لدعم المنطقة الآمنة، قد يبدأ الهجوم القادم للنظام السوري في غضون أسابيع. وليس هناك مجال لتضييع الوقت.

المصدر | روبرت فورد | فورين أفيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد