الأربعاء 26 فبراير 2020 01:25 م

"تعكس وفاة مبارك المهمة المعقدة أمام المصريين، لاسيما بعد أن ظهر أن تراثه قسمهم في الموت كما قسمهم في الحياة، وهذا التحدي يكمن في إرث مبارك السيئ وهو الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي"..

هكذا علقت صحيفة "نيويورك تايمز" على وفاة الرئيس المصري الأسبق "حسني مبارك".

وقالت الصحيفة، في تقرير كتبه كل من "ديكلان وولش" و"ندى رشوان"، إن خلل الربيع العربي ظهر واضحا في التقسيم الذي سببه "مبارك" وإرثه بين المصريين.

وألقى التقرير الضوء على الأيام الأخيرة لـ"مبارك"، والتي كانت مليئة باللقطات العاطفية والعائلية، على حد وصف التقرير، حيث استمتع الرئيس الأسبق بحب عائلته وأنصاره خلال أيامه الأخيرة، وتم تداول صورة له مع حفيدته مبستما في إحدى منتجعات البحر المتوسط، فيما ظهر ابناه اللذان نبذهما كثير من المصريين، في النوادي الليلية ومباريات كرة القدم.

وقارن التقرير نهاية "مبارك"، التي وصفها بـ"المنعمة والمريحة" بنهاية خلفه "محمد مرسي"، الذي انتخب بطريقة ديمقراطية عام 2012 وأطيح به بعد عام وتم وضعه في سجن عالي السرية، حيث حرم من الأدوية الأساسية والزيارات العائلية، إلى أن سقط منهارا ليموت داخل قفص محاكمته في يونيو/حزيران 2019.

وقال التقرير، معلقا، إن المصيرين المتصادمين للرئيسين يؤكدان على المهمة المعقدة التي تواجه المصريين وهم يحاولون تقييم إرث "مبارك" الذي قسمهم في حياته ومماته أيضا.

وأضافت الصحيفة أن الآمال العالية بالديمقراطية والإصلاح، أثناء الربيع العربي الذي أطاح بـ"مبارك"، قد سحقت بالكامل في ظل الحاكم المصري الحالي "عبدالفتاح السيسي"، ما أدى ببعض المصريين إلى الحنين لحكم الرئيس الذي كرهوه مرة.

وقال أحد المصريين على "تويتر" معلقا على وفاة "مبارك": "كان محتالا ولكنه كان رجلا حقيقيا ولم يهن مصر أبدا وليس مثل الأيام السود التي نعيشها الآن".

واعتبرت "نيويورك تايمز" أن "هذا الاحترام المفعم بالحقد لمبارك يجعل من إحياء وفاته أمرا حساسا للسيسي الذي أعلن عن حداد لمدة 3 أيام".

وكانت الإشارات كلها تشير إلى رغبة الحكومة الاحتفال بـ"مبارك" كبطل حرب، خاصة لدوره في القوات الجوية المصرية أثناء حرب 1973 ضد (إسرائيل)، لكنها في الوقت نفسه كانت تريد تجنب مظاهر تعاطف وحزن شعبية واسعة.

وبحسب التقرير، كانت هذه الازدواجية واضحة في الساعات الأولى التي أعلن فيها عن وفاة "مبارك"، حيث قدم التليفزيون المصري نعيا ناقدا، تحدث عن السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك بأنها سنوات الفرص الضائعة قبل أن يتحول للترويج إلى برامج حوارية.

وفي نفس الوقت أصدر "السيسي" بيانا عبر فيه عن "حزنه العظيم وأسفه العميق" لرحيل "مبارك".

وجاء في بيانه عن الرئيس السابق: "كان واحدا من قادة حرب أكتوبر وأبطالها، وقاد سلاح الجو خلال الحرب وساهم في استعادة الكرامة والفخر للأمة العربية".

وأشارت الصحيفة إلى تباين آراء المصريين حيال وفاة "مبارك"، فقد شعر الكثير منهم بالغضب لأنه تقاعد ومات بسلام، وقال الخبير الاقتصادي "محمد الدهشان"، في تغريدة على "تويتر": "كان يجب أن يظل في الزنزانة أو في محكمة لاهاي، لكنه انتفع من نظام العدالة المكسور الذي خلفه لنا".

وأوردت الصحيفة رأي مواطن آخر، يدعى "تاكر سليمان"، وهو شقيق واحد من ضمن 800 مصري، على الأقل، قتلوا خلال انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 ضد "مبارك"، قائلا بنبرة يائسة وغاضبة: "بعد 9 سنوات، لم نعد نهتم"، مضيفا: "لم تحقق الثورة أي شيء وقلبت مطالبها رأسا على عقب ونسيها 90% من المصريين ويمكنهم منح مبارك أي جنازة يريدون".

وكانت محكمة قد أصدرت حكما ضد "مبارك" في عام 2012 بالمؤبد لدوره في قتل المتظاهرين أثناء الثورة، ثم تمت تبرئته في محاكمة ثانية، بينما انهارت قضايا فساد أخرى ضد المسؤولين في نظامه وضد ابنيه "علاء" و"جمال".

وبدأ "مبارك" تقاعده في عام 2017 بعدما أفرج عنه من الحجز في مستشفى عسكري بالقاهرة، وعاد إلى فيلته بحي هيلوبوليس الراقي بالقاهرة، وحينها أصبح معظم الناشطين الذين ساهموا بالإطاحة به إما سجناء أو أجبروا على الهروب إلى المنفى.

وفي الخريف الماضي تحدث "مبارك" في شريط فيديو على "يوتيوب" حول حرب 1973 وكان أول لقاء له أمام الكاميرا منذ الإطاحة به.

وفي مايو/أيار 2019 تحدث مع صحفي كويتي حول سياسته الخارجية عندما كان في الحكم وجهوده لمنع اجتياح العراق للكويت عام 1991.

وبحسب الصحيفة، فإن ما لفت انتباه المصريين، في المقابلة، هي صورة "مبارك" التي ظهر فيها وهو جالس بغرفة مزينة ببذخ، ووضعت الصورة على "تويتر" بتوقيع منه.

وعزى قادة (إسرائيل) وفلسطين بوفاة "مبارك"، حيث كان النزاع بينهما هو واحد من انشغالات "مبارك" أثناء عقود من حكمه.

وتذكره "بنيامين نتنياهو"، رئيس الوزراء الإسرائيلي، حيث وصفه بـ"الصديق الشخصي"، فيما قال الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" إن "مبارك قضى حياته خادما لوطنه ودافع عن قضايا الحق والعدالة في العالم، وكان موضوع الشعب الفلسطيني على رأسها".

ويعود التقرير إلى القول: "بالنسبة للسيسي فمبارك هو شخص معقد، الزعيم الذي أطاحت به ثورة شعبية وكان ديكتاتورا يدعمه الجيش".

وتنقل الصحيفة عن "يرى أندرو ميللر" من "مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط" قوله إن "إرث مبارك هو حكم القبضة الحديدية الذي يمارسه السيسي".

ويضيف: "لقد ذهب مبارك ولا يزال مئة مليون مصري يعيشون بمصر"، و"يعتبر السيسي أسوأ من مبارك من عدة طرق، ولكن بدون مبارك لم يكن ليظهر السيسي وهذا هو إرثه الحقيقي".

وقالت الصحيفة إن "مبارك" ونجليه حظيا باهتمام شديد في ديسمبر/كانون الأول 2018، عندما شهدوا جميعا ضد الرئيس السابق الراحل "محمد مرسي" في المحكمة، فقد حضر "مبارك" ونجلاه إلى قاعة المحكمة بالبدلات، أما "مرسي"، الرئيس المنتخب، فكان يرتدي زي السجن.

وبعد وفاة "مرسي"، قرأ مذيعو نشرات الأخبار نعيا وزعته عليهم المخابرات لم يتجاوز 42 كلمة ولم يشر إليه بالرئيس السابق.

وأشار التقرير إلى أن من حاول معارضة "السيسي" من داخل المؤسسة العسكرية، مثل "أحمد شفيق" و"سامي عنان"، فقد تم إسكاتهما، خاصة عندما قررا تحدي "السيسي" في انتخابات 2018.

ونقلت الصحيفة عن "عماد شاهين"، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة، والذي يعيش في المنفى الآن، قوله: "هذه رسالة واضحة: لن يتعرض رجالنا للإهانة طالما التزموا بالخط".

وتلقى أنصار "مبارك" خبر وفاته بالحزن الشديد، وقال "عاصم أبوالخير"، الذي دعم الرئيس الأسبق أثناء المحاكمة عبر جماعة "أبناء مبارك" إنه بكى و"لم يصدق الخبر".

وترى "منى الغباشي"، الباحثة في السياسة المصرية بجامعة نيويورك، أن الحنين المشترك بين المصريين العاديين لحقبة "مبارك" هو نتاج الانقسامات داخل المجتمع المصري منذ ثورة 2011 والتي وضعت من يريدون تغييرا جذريا ضد الخائفين منه.

وقالت إن المصريين منقسمون بطريقة أعمق من الأمريكيين في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية.

ويرى "جمال عيد"، الناشط في حقوق الإنسان، أنه لو واجه "مبارك" عدالة حقيقية لكانت بمثابة مثال قوي لكل العالم العربي، وقال: "لقد فقد طغاة العالم واحدا منهم، أما عن إرثه فهو فساد مستشر وقوانين سيئة وأنصار يمارسون التأثير الآن ويعرفون بالدولة العميقة".

وأضاف: "قبل كل شيء، أنا حزين لأنه مات دون مساءلة".

المصدر | الخليج الجديد