الأحد 1 مارس 2020 03:19 م

لم تكن زيارة رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" إلى الدوحة نهاية الأسبوع الماضي جملة اعتراضية في مجمل سياسات باكستان في الآونة الأخيرة، فقبل أسبوعين فقط من هذه الزيارة، استقبل "خان" الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في باكستان، وافتتح مستشفى باسمه قبل أسبوعين، وقبلها قدم "خان" اعتذارا عن عدم حضوره القمة الإسلامية في كوالالمبور أمام رئيس الوزراء الماليزي المستقيل مؤخرا "مهاتير محمد" مطلع الشهر الماضي.

كل ذلك قام به رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" في أقل من شهر، الأمر الذي أثار تكهنات حول اقتراب باكستان من محور "قطر - تركيا"، رغم أن إسلام أباد تعد من المحسوبين تقليديا على محور الرياض - أبوظبي.

في المقابل، رجح الكثير من المحللين أن ما يقوم به "خان"، نجم الكريكيت السابق، يعد جزءا من نهج "إمساك العصا من المنتصف"، وأن الأمر لا يعد كونه برجماتية سياسية لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة من المحورين المتنافسين لإنقاذ اقتصاد بلاده الذي يعاني من أزمات كبيرة.

تصحيح خطأ استراتيجي

افتتح "عمران خان" شهر فبراير/شباط الماضي بزيارة إلى العاصمة الماليزية كوالالمبور استغرقت يومين، ووصفت بأنها محاولة لوقف التدهور في علاقة البلدين، بعد غياب "خان" عن قمة كوالالمبور التي عُقدت في ديسمبر/كانون الأول الماضي بسبب ضغوط سعودية إماراتية.

وخلال مؤتمر صحفي جمعه مع نظيره الماليزي "مهاتير محمد" (استقال من منصبه في وقت لاحق)، فند "خان" ما وصفها بـ"الانطباعات الخاطئة لدى بعض الدول الإسلامية التي دفعته لعدم حضور القمة"، مؤكدا رغبته في تنفيذ أجندة القمة.

وخلال الزيارة، قال "خان" إنه "أصبح واضحا الآن أن قمة كوالالمبور لم تكن تهدف إلى تقسيم الأمة، والنتائج التي توصلت إليها توحد الأمة"، معقبا بالقول: "بالطبع كنت أتمنى الحضور".

وفي حينها اعتبر محللون أن باكستان ارتكبت خطأ استراتيجيا بقرارها التراجع عن المشاركة في قمة كوالالمبور والخضوع بالكامل للضغوط السعودية، حيث أظهرت إسلام آباد بهذا التصرف أن قرارها لا يزال يخضع للرياض، وأن السعودية تحتفظ بنفوذ كبير على سياسة باكستان الخارجية.

ووفق لتحليل نشره المحلل "عمير جمال" في مجلة "ذا دبلومات"، فقد كانت تكلفة ذلك القرار باهظة بالنسبة لباكستان، فحقيقة تراجع باكستان عن الحدث تدل على أن سياستها الخارجية لا تزال عرضة للضغوط الخارجية.

وأضاف "جمال" قائلا: "أكد هذا القرار أيضا أن دولا مثل إيران وتركيا وماليزيا، التي انحازت إلى موقف باكستان تجاه كشمير، لا يمكنها أن تتوقع من إسلام آباد حماية مصالحها الخاصة بقوة".

وطرح هذا الموقف شكوكا أيضا حول قدرة باكستان المزعومة على الوساطة بين إيران والسعودية، حيث اتضح أن قدرة باكستان على إدارة شراكتها بين المعسكرين الإسلاميين الرئيسيين مقيدة بشدة.

ويبدو أن المسؤولين فطنوا لهذا الخطأ وحاولوا تداركه ليس فقط في اتجاه ماليزيا ولكن أيضا من ناحية قطر وتركيا.

وعقب زيارته ماليزيا بأيام، استقبل "خان" الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في 13 فبراير/شباط الماضي، وفي 22 من الشهر نفسه، افتتح "خان" مركزا طبيا جديدا داخل مستشفى "رجب طيب أردوغان" (افتتح في عام 2014) بإقليم البنجاب شمال شرقي البلاد، وبث التليفزيون الرسمي في باكستان مراسم افتتاح المركز الذي يتسع لـ400 سرير.

كما أكد "خان"، خلال زيارة "أردوغان" أن بلاده تقف إلى جانب تركيا ضد الهجمات التي تتعرض لها في سوريا.

ويوم الأربعاء الماضي أعلنت وكالة الأنباء القطرية أن أمير البلاد، الشيخ "تميم بن حمد"، سوف يستقبل "خان"، ويبحث معه العلاقات الثنائية، وأوجه تطويرها وتعزيزها، كما سيبحث الجانبان عددا من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وتعد الزيارة هي الثانية لرئيس الوزراء الباكستاني إلى الدوحة، بعد زيارة أولى أجراها أوائل العام الماضي، فيما قام أمير قطر بزيارة باكستان في يونيو/حزيران 2019، حيث تعهد باستثمار 3 مليارات دولار.

العصا من المنتصف

وعلى الجانب الآخر يرى البعض أن تودد "عمران خان" إلى تركيا وقطر لا يعد كونه جزءا من سياسة رئيس الوزراء الباكستاني القائمة على إمساك عصا السياسة من المنتصف، واللعب على المحاور المتنافسة لتحقيق أقصى منافع اقتصادية لبلاده.

ويمكن الاستشهاد بذلك بأن "خان" زار السعودية في عام 2019 أربع مرات، كما كان "خان" أحد الزعماء المعدودين الذي حضروا مؤتمر دافوس في الصحراء في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وهو الحدث الذي تجنبه معظم قادة العالم خشية على سمعتهم بعد تورط السعودية في مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في إسطنبول مطلع الشهر نفسه.

ونتيجة لذلك، اعتبر الباحث الباحث في معهد بروكينغز والمحلل السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية "بروس ريدل"، أن "عمران خان" هو الرابح الأبرز من أزمة "خاشقجي"، حيث حصل "خان" على حزمة مساعدات سعودية بـ6 مليارات دولار أمريكي لدعم الاقتصاد الباكستاني.

وخلال سنواته الأولى في الحكم، فشل "خان" في إعادة اقتصاد البلاد المتأرجح إلى مساره الصحيح، واضطر "عمران خان" إلى استبدال فريق الاقتصادي بالكامل، واعتبر محللون اقتصاديون أن أداء حكومته كان أقل من المتوسط في بداية حكمه.

غير أن حكومة "خان" حققت مؤخرا انخفاضًا كبيرًا في العجز التجاري وعجز الحساب الجاري، وهو ما يُعزى بالأساس إلى انخفاض الواردات، وزيادة التحويلات والمعونات الأجنبية.

المصدر | الخليج الجديد