واجه المحتجون اللبنانيون والعراقيون معركة شاقة لجذب انتباه وسائل الإعلام العالمية منذ اندلاع الانتفاضات الشبيهة بالربيع العربي في كلا البلدين، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث تضاءلت تغطية الاحتجاجات بسبب القصص الإخبارية الدولية الكبرى الأخرى التي تزامنت مع المظاهرات، مثل احتجاجات "بريكست" وهونج كونج.

كانت النتيجة الرئيسية لتراجع التغطية هي عدم وجود ضغوط دولية مستمرة على الزعماء السياسيين اللبنانيين أو العراقيين لاستيعاب مطالب المحتجين بتغييرات منهجية شاملة.

ويكمن خطر إبقاء الاحتجاجات بعيدة عن الأضواء في السماح للجهات السياسية الفاعلة برفع سقف ردودها. وفي حالة العراق، أدى الانتقام العنيف إلى مقتل 600 شخص على الأقل منذ بدء الاحتجاجات.

  • تركيز الإعلام الأمريكي والبريطاني على الشأن المحلي

يعزز هذا أيضاً من أوجه القصور في صناعة الإعلام العالمي. ففي الوقت الذي لا تزال فيه وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية تمتلك نفوذاً كبيراً في تشكيل الخطاب العالمي، فإن التحول السياسي الداخلي في كلا البلدين في السنوات الأخيرة أدى إلى انخفاض في تغطية القصص الدولية الهامة، فحركات الاحتجاج اللبنانية والعراقية تمتلك فرصًا ضئيلة لمنافسة أخبار مثل مساءلة "دونالد ترامب" أو"بريكسيت" .

ربما كانت لبنان والعراق ستتلقيا المزيد من الاهتمام العالمي لو اندلعت انتفاضاتهما جنبًا إلى جنب مع الربيع العربي 2010/2011، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا مستقرتين محليًا نسبيًا، ومع وجود مساحة إعلامية أكبر للأخبار الدولية.

لكن تناقص الموارد التحريرية لدى المنافذ الإعلامية الأمريكية والبريطانية الكبرى وتركيز جماهيرهم على القضايا المحلية، جعلهم يواجهون عملية فرز دقيقة تؤدي إلى تقليل المساحات الإعلامية البارزة للقصص الإخبارية الدولية.

كما أن اندلاع الاحتجاجات المناهضة للأنظمة في تشيلي ولبنان والعراق وهونغ كونغ - رغم تهليل بعض الدوائر له باعتباره بداية لحركة جماهيرية معولمة - أسفر في الواقع عن تنافس كل حركة احتجاج على المساحة المحدودة الممنوحة للقصص الإخبارية الدولية، مما خفض التغطية أكثر.

تلقت احتجاجات هونغ كونغ تغطية دولية أكبر بكثير قبل بدء الانتفاضتين اللبنانية والعراقية، مما أجبر غرف الأخبار العالمية فعلياً على تقسيم التغطية المحدودة بين حركات الاحتجاج.

ومع ذلك، لم تنتقص أي حركة احتجاج من المساحة المخصصة لتغطية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي ظلت محور اهتمام المحررين العالميين وكذلك جماهيرهم في أمريكا الشمالية وأوروبا.

  • غياب التغطية يغيّب فرصًا للسياسة الأمريكية

جرى تقليص مساحة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الحملات الانتخابية الرئاسية بشكل ملحوظ، وغابت بالكامل تقريباً عن مرحلة النقاش.

ومع ذلك، فإن قلة اهتمام الرأي العام الأمريكي بالتحديات التي تتجاوز شواطئه لا يقلل من تأثير الولايات المتحدة الهائل في مختلف أنحاء العالم. فالولايات المتحدة صاحبة مصلحة رئيسية في الأحداث في لبنان والعراق، وتمتلك القوة الكافية لصنع أو كسر حركات الاحتجاج.

لكن السياسة الخارجية للولايات المتحدة - مثلها مثل سياساتها الداخلية - مجرد نظام راسخ بعمق عبر عقود من الجمود البيروقراطي والمصالح الخاصة.

جرت هيكلة سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان والعراق في إطار هاجس ضيق لمواجهة النفوذ الإيراني، لكن ثمار جمود السياسة الأمريكية كانت في الواقع ضد مصالحها الخاصة.

فقد بقي النهج الأمريكي في لبنان، على سبيل المثال، ثابتًا لمدة 4 عقود؛ داعمًا لنفس الحلفاء السياسيين المحليين الذين شاركوا في حكم البلاد بقسوة مع حلفاء إيران المحليين، والذين أصبحت تنحيتهم عن المشهد السياسي بالكامل مطلبًا جماهيريًا.

كما كان النهج الأمريكي في العراق نهجًا عسكريًا بحتًا؛ وهو ما اتضح من اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني" في خضم الاحتجاجات الشعبية المناهضة لإيران.

وتأتي تغطية وسائل الإعلام لأخبار لبنان والعراق حاليًا في إطار رد الفعل، أيّ استجابة للأحداث التي تمليها الإجراءات الأمريكية، حيث كان اغتيال "سليماني"، على سبيل المثال، لحظة الذروة في تغطية أحداث لبنان والعراق.

ويعبر رد أمريكا العشوائي على حركات الاحتجاج؛ عن ركود سياسي في إطار عجز واضح عن تغيير سياستها المستمرة منذ عقود.

وبدون تركيز وسائل الإعلام وزيادة اهتمام الجمهور، فلن يكون هناك حافز كبير للبيروقراطيين الأمريكيين كي يغيروا مسارهم، والنتيجة هي: فرصة ضائعة.

  • يجب على الإعلام تغيير السردية حول الشرق الأوسط

عبر الصحفيون والمحررون في وسائل الإعلام الرئيسية عن صعوبات في نقل أبعاد الأحداث الأجنبية إلى الجماهير المحلية.

وفي الواقع، فإن شرح النظام السياسي الطائفي المعقد بشكل رهيب في لبنان للجمهور الأمريكي يعد أمرًا معقدًا للغاية،  فهناك قوات أجنبية تدعم جماعات محلية، والجماعات المحلية تتقاسم الحكم رغم كرهها لبعضها البعض، لكنها تتعاون لضمان نصيب في الكعكة المالية وإثراء أنفسهم فيما ينحدر الاقتصاد، كلها أمور صعبة الشرح.

ولكن هناك رواية أوسع تتطلب تحولًا في الطريقة التي يمثل بها الناشطون قضاياهم، وكيف تحكي وسائل الإعلام الرئيسية قصة الشرق الأوسط.

فكل من الربيع العربي قبل 10 سنوات، وكذلك حركات الاحتجاج اليوم، يصوران شرقًا أوسط يختلف اختلافًا كبيرًا عن الطريقة التي يتم بها تصوير المنطقة بشكل متكرر للجماهير الدولية.

تكشف الانتفاضات الشعبية عن الاختزال القاصر للشرق الأوسط إلى مجموعة من المنافسات الجيوسياسية أو الخلافات الطائفية القديمة التي تخلق الوهم بكونه استثناءً منفصلًا عن التجارب السياسية القريبة من الجمهور الأمريكي.

والحقيقة أنه بالنسبة للعديد من المواطنين العاديين في الشرق الأوسط؛ لا يوجد فرق كبير بين العائلات المالكة في الخليج والملالي الإيرانيين والديكتاتوريين العلمانيين في الجمهوريات العربية، فجميعهم يساهمون في تدهور المنطقة وقمع المدنيين والحرمان من الفرص الاقتصادية والكرامة.

تعكس تطلعات وإحباطات شعوب الشرق الأوسط الاتجاهات السائدة في الدول المتقدمة؛ المتمثلة في الاستياء الواسع النطاق من النخب القوية التي استحوذت على الكثير وخلقت مصاعب يومية لا تطاق للأغلبية.

هذه هي الرواية التي لا يتم سردها كما يجب، مع أنها ستلمس وترًا مألوفًا مع الجماهير الأمريكية والأوروبية.

المصدر | انطون عيسى / معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد