الاثنين 2 مارس 2020 07:00 ص
  • التغيير نحو الأفضل أو الأسوأ مرتبط بمآلات تنافس القوى الخارجية أميركا وإيران على العراق.
  • تمترس الساسة وراء ما يجب أن يبقى سائداً من تيه وتشرذُم والبلد لم يعد واحداً منذ غزاه الأميركيون ثم تغلغل فيه الإيرانيون.
  • لا انتصار للحراك الشعبي لا تراجع من الميليشيات المهيمنة لا فاعلية للحكم لا تقدّم لـ«العملية السياسية» لا تناغم بين المكوّنات الثلاثة لا وفاق داخل الطوائف.

*     *     *

الوضع في العراق يُختصر كالآتي: لا انتصار للحراك الشعبي، لا تراجع أو تنازل من الميليشيات المهيمنة، لا فاعلية للحكم أو الدولة، لا تقدّم لما تسمّى «العملية السياسية»، لا تناغم بين المكوّنات الثلاثة ولا وفاق داخل الطوائف..

كلّ ذلك يترجم بإحباط وتيئيس للشعب، بترسيخ للتوتر الاجتماعي وغلبة للفساد، بتراجع فادح للمواطنة ولمفهوم دولة القانون، بالحفاظ على الإجحاف حتى في مضمون دستور معترف بوجوب تعديله، بتنافر بين القوميات والأعراق والمناطق، وبعلاقات معرّضة دائماً لاختبارات الحرب الأهلية المحتكمة للعنف.

وضع كهذا مستمر منذ سبعة عشر عاماً، إلامَ يُفضي؟ بعضٌ يقول -مستسهلاً- إلى التقسيم. وبعضٌ آخر يخلص إلى أن التغيير نحو الأفضل أو الأسوأ مرتبط بمآلات تنافس القوى الخارجية -أي الولايات المتحدة وإيران- على العراق.

المفارقة أن أحداً من الضالعين في لعبة السياسة لا يقول إن المستقبل في يد العراقيين ورهن إرادتهم؛ لذا يناقضهم شباب الانتفاضة الشعبية معبّرين عن أهدافهم بكلمتين: «أريد وطن».. شعار لافتٌ ببداهته؛ لأن معناه ببساطة أن ما يعيشون فيه ليس وطناً، وأن معاناتهم هي التي دفعتهم إلى الساحات والشوارع؛ بحثاً عن وطن لم يعد موجوداً.

القضية أن الآخرين لا يكذّبونهم، بل يمكن أن يكونوا كل شيء إلا وطنيين، بدليل أنهم أسّسوا ميليشيا من «المجهولين»، خصّصوها لقتل النشطاء والمتظاهرين ولإطلاق النار لإعاقتهم أو لخطفهم وتعذيبهم والتنكيل بهم وترهيبهم كي يعودوا إلى بيوتهم.

القضية أيضاً أن شباب الانتفاضة لم ينتدبوا من ينقلب على الحكم أو يطرحوا أنفسهم حكاماً بدلاء، بل قالوا إنهم يريدون نهاية لعهد الفساد والمفسدين، وقطعاً مع نهج المحاصصة بين الأحزاب الطائفية ووضع حدّ للتواطؤ في ما بينها على نهب المال العام.

كانت القوى السياسية -على اختلافها- أبدت التأييد لمطالب الشارع وأقرّت بأحقّيتها، وذهبت بعيداً في تظاهرها بالدفع في اتجاه إصلاحات «جذرية»؛ لكنها ما لبثت أن افتُضحت عندما حُصر الإصلاح في حكومة جديدة وأمضت شهوراً للاقتناع بجدواها وتسمية من يرأسها ويشكّلها، ليتبيّن أنه رضخ لاختيارات من سمّوه وتجاهل مَن لم يكن له دور في تعيينه.

وهكذا تفجّرت العلاقات بين المكوّنات والمذاهب وحتى داخل كل مذهب.. راح كلٌّ يدافع عن حظيرته وعن حصّته؛ لم يقل أحد إن استنساخ المجرّب وتكرار تجريبه خطأ آن أوان الإقلاع عنه، ولم يقل إن ثمّة فرصة لإحياء عراقٍ للجميع أو لاستعادة عراقٍ لا ينفكّ يفلت من أيدي أبنائه.

تمترس أهل السياسة وراء ما كان وما يجب أن يبقى سائداً من تيه وتشرذُم. وتأكد الآن أن البلد لم يعد واحداً منذ غزاه الأميركيون، ثم انسحبوا ليتغلغل فيه الإيرانيون.

جرى تصميم الدولة والنظام الجديدين ليكون الشكل واحداً والمضمون مفكّكاً، فالحكم المركزي انتقل من تحت الاحتلال الأميركي إلى تحت السطوة الإيرانية والميليشيات الشعبية، والإقليم الكردي منفصلٌ قلباً وقالباً ومندمجٌ مصالح، والمحافظات السُّنّية متخبطة؛ فلا تُعامَل على أنها مندمجة ولا هي قادرة على الانفصال.

ليس فقط انعداماً للثقة، بل أيضاً للتعايش بين مكوّنات المجتمع، كذلك داخل مكوّن وطائفة ومذهب، وهذه معضلة سرطانية عميقة لا يفيد فيها انتظار القوى الخارجية؛ فالتجربة والسوابق برهنت على أن توافقها أو تقاسمها النفوذ يحققان لها مصالحها، اعتماداً على انتهازية منظومة السياسيين، ويفاقمان أزمة الوجود التي يعيشها العراق والعراقيون.

  • عبدالوهاب بدرخان - كاتب صحفي لبناني
المصدر | العرب القطرية