الثلاثاء 3 مارس 2020 09:36 م

إلى أي مدى ستصل حالة الخلاف بين روسيا والسعودية بشأن زيادة تحالف "أوبك بلس" لحصص خفض إنتاج النفط في ظل دعم الرياض للقرار مقابل تحفظ موسكو؟

تصدر هذا السؤال اهتمامات مراقبي أسواق النفط خلال الأيام القليلة الماضية بعدما هوت أسعار الخام لأدنى مستوياتها منذ ما يزيد عن عام، الجمعة الماضي، على خلفية تأثير انتشار فيروس "كورونا" حول العالم.

وإزاء بلوغ نسبة الانخفاض في أسعار النفط نحو 25% منذ بداية العام بفعل تراجع الطلب والتباطؤ المتوقع للنمو الاقتصادي العالمي، تسود حالة من القلق بين الدول المنتجة للنفط، لا سيما روسيا، خاصة أن الدول الأعضاء في "أوبك بلس" تكبح بالفعل إنتاج النفط مقدار 1.7 مليون برميل يوميا بموجب اتفاق يستمر حتى نهاية مارس/آذار الجاري.

وكان اتفاق خفض الإنتاج يهدف إلى معالجة آثار انخفاض أسعار النفط العالمية نتيجة زيادة المعروض عن الطلب، لكن أزمة تفشي "كورونا" جاءت لـ"تزيد الطين بلة" مع المزيد من العزوف المتوقع عن الطلب خاصة من الصين ودول شرق آسيا، حسب تأكيد المحلل البلغاري والباحث في شؤون الطاقة "دريه يانييف"، الذي أشار إلى أن الخوف من "كورونا" تسبب في مضاعفة الرهان الهبوطي لأسعار النفط، وأن توقعات الطلب لا تزال قائمة، وفقا لما أوردته صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

وتفرض هذه التطورات على الدول المنتجة للنفط المزيد من تخفيضات الإنتاج للحفاظ على الأسعار، خاصة مع تراجع الأسعار دون حاجز الـ50 دولارا للبرميل.

ولكي يكون التخفيض فعالا، لا ينبغي أن يقل خفض الإنتاج في منظمة "أوبك" وحدها عن مليون برميل يوميا، بعيدا عن الإنتاج الليبي الذي لا يزال خارج نطاق الخدمة، ومن المرجح أن تتحمل السعودية وحدها نصف حصة هذا الخفض.
 

وفي هذا الإطار، جاءت إفادة "رويترز"، نقلا عن 4 مصادر مطلعة على التطورات، بشأن دراسة أعضاء في "أوبك بلس"، من بينهم السعودية، الاتفاق على خفض للإنتاج بمقدار مليون برميل يوميا في الربع الثاني من 2020، مقارنة بمقترح أولى بخفض قدره 600 ألف برميل يوميا.

في المقابل، ذكرت وكالة "إنترفاكس" الروسية أن وزير الطاقة الروسي "ألكسندر نوفاك" قال إن تقييم أي تأثير لفيروس "كورونا" على أسواق النفط "يحتاج وقتا"، مشيرا إلى أن بلاده "ليست مستعدة بعد لإعلان موقفها من تحرك أوبك لمواجهة تأثير كورونا، وأن من السابق لأوانه الحديث عن أي قرار".

وتتراوح توقعات المحللين بشأن مصير هذا الخلاف بين من يرجح انفصال روسيا عن "أوبك بلس" بالكلية، وبين من يرى أن موسكو ستستخدم الاتفاق كورقة مناورة مع الرياض قبل اجتماع للتجمع من المقرر عقده يومي 5 و6 مارس/آذار لاتخاذ قرار بشأن سياسة الإنتاج مستقبلا.

وأمام هذا التباين، يرى المحلل في شركة "IHS Markit"، "روجر ديوان"، أن سوق النفط تشهد مصيرا غامضا، إذ لا يمكن توقع ما يمكن أن يحصل في الطلب على النفط في أوروبا أو آسيا.

  • حسابات المصالح

ويعود هذا التباين في الآراء إلى اختلاف التقديرات حول مدى الانخفاض المتوقع في الأسعار وتأثيره على المنتجين؛ إذ يبدو من الواضح أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" تأقلم مع فكرة انخفاض أسعار النفط لفترة أطول، وجعل افتراضات ميزانية بلاده متحفظة للغاية، حيث تدور حول سعر 40 دولارا فقط لبرميل خام برنت.

ورغم أن "بوتين" أعلن الصيف الماضي أنه يعتبر النطاق الطبيعي لـ"برنت" بين 60 إلى 65 دولارا، إلا أن إحجام روسيا عن دعم التحرك السريع للتعامل مع آثار "كورونا" يظهر استعدادها المسبق للتعايش مع رقم أقل من هذا الهدف.

ونتيجة لذلك، تقاوم موسكو تعميق قيود الإنتاج، وهي ترى فيما يبدو أنها ليست مضطرة لخفض المزيد من إنتاجها لإنعاش الطلب على النفط، حسب ما نقلته "رويترز".

ويتوقع المحللون أن الفشل في الاتفاق على أي تخفيضات للإنتاج قد يتسبب في انخفاض الأسعار إلى نحو 40 دولارا للبرميل، وهو النطاق الذي حددته روسيا في ميزانيتها، ولا يمثل أزمة أزمة لها، فضلا عن أن الروس يتوقعون حدوث تباطؤ في نمو الصخر الزيتي في الولايات المتحدة، بما يعني احتمال عودة الأسعار للصعود مجددا.

ولن يؤثر انخفاض الأسعار إلى 40 دولارا لخام غرب تكساس الوسيط بشكل كبير على نمو الإنتاج في الولايات المتحدة في الربع الثاني من العام الجاري، لكن في النصف الثاني من العام ينبغي أن يؤدي ذلك إلى تقليص النفقات الرأسمالية، وهو ما يأمل الروس أن يتيح لهم وللسعوديين الفرصة لزيادة الإنتاج.

وفي المقابل، تعتمد افتراضات الميزانية السعودية على سعر لخام برنت عند 80 دولارا للبرميل، بما يعني أن الأسعار الحالية ستسبب عجزا كبيرا في ميزانية المملكة.

ونتيجة لذلك، تأمل المملكة أن تأثير "كورونا" على الطلب النفطي سيكون قصير الأجل؛ ما يعني بقاء نزيف الخسارة عند حدوده الحالية.

لكن المحلل لدى بنك جيفريز الأمريكي "جيسون جاميل" يعترف بأن التقليل من تقدير الدمار الذي لحق بالطلب في الأسابيع الماضية ليس في محله، وأن خفضا بما لا يقل عن مليون برميل يوميا في الربع الثاني من العام الجاري بات ضرورة لتقليص تراكم المخزونات، في ظل المؤشرات على تفشي "كورونا"، واستمرار أثره لشهور قادمة، وفقا لما نقلته "رويترز".

وفي السياق، يتوقع مدير تنمية الأعمال في شركة "تكنيك جروب" الدولية "دامير تسبرات" أن أسعار النفط مرشحة لمزيد من التراجع؛ جراء المخاوف والوضع المتوتر في السوق مع استمرار الأنباء السلبية عن انتشار "كورونا" في العديد من دول العالم، خاصة في اقتصاديات حيوية على رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا، وفقا لما أوردته صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

وبما أن أسعار النفط المنخفضة لا تناسب القطاع الأكبر من المنتجين، فإن الاتفاق بين المنتجين على تعميق خفض الإنتاج يبدو مهمة حرجة.

  • توقعات

وإزاء ذلك، يتوقع مصدران مطلعان أن "أوبك" ستمضي منفردة في خطة لخفض الإنتاج هذا الأسبوع "بدعم روسيا أو من دونه"، وفقا لما نقلته "رويترز" مع الاعتراف بأن قرارا كهذا دون موافقة روسيا "لن يبعث بإشارة جيدة إلى السوق".

وفي المقابل، يتوقع مصدر آخر أن تؤجل أوبك القرار بشأن خفض إنتاج النفط إلى أن تجبر أسعار النفط المنخفضة موسكو على المشاركة؛ لأنه "لا خيار آخر" سوى الخفض في النهاية، حسب قوله.

الأمر إذن مرهون ببقاء مستوى الأسعار في الحدود المقبولة لروسيا، وهو أمر غير مضمون حال فشلت جهود احتواء "كورونا". لذا تعتقد المختصة بشؤون النفط والغاز في شركة "أفريكان ليدرشيب" الدولية "أرفي ناهار" أن اختلاف التقديرات بين السعودية وروسيا لا يعني توقف التعاون والتنسيق المشترك بينهما بالكلية في إطار "أوبك بلس".

وتشير "ناهار" في هذا الصدد إلى أن الموقف الروسي، وإن كان مغايرا لموقف "أوبك"، إلا أن "بوتين" شدد على الحاجة إلى اتخاذ إجراء مشترك وتعزيز التعاون مع بقية الشركاء في "أوبك بلس" تحسبا لهبوط أسعار النفط عن مستوى الـ40 دولارا للبرميل.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات