وقف الشابّ "محمود زقوت"، على ناصيةٍ قريبة من قلب مخيم النصيرات، الواقع وسط قطاع غزّة، يضرب الكف بالكف، ويتمتم بعبارات الحسرة والتأسف على حال المواطنين الذين فقدوا أرواحهم وأرزاقهم، نتيجة حادث "الحريق الكبير"، الذي وقع بعد ظهر الخميس، وأصاب أجزاءً متعددة من سوق المخيم.

ويقول "زقوت" البالغ من العمر (28 عاماً)، إنّه عاش في المخيم منذ ولادته، ولم يرَ أبداً على مدار سنوات حياته، الناس متشحين بالسواد والحزن، كما شاهدهم في هذا اليوم "العصيب"، الذي مرّت دقائقه ثقيلة، ليس فقط على أهل المخيم، بل كلّ سكان قطاع غزة، الذين تابعوا الحادث الأليم خلال الساعات الماضية.

ويوضح "زقوت"، أنّ أثر الحريق كان كبيراً، كونه وقع في منطقة تكاد تكون من أكثر من المناطق ازدحاماً في قطاع غزة، وتضم عدداً كبيراً من المنشآت التجارية التي تستخدم في عملها الوقود المشتعل وصهاريج الغاز الكبيرة، إضافة لوجود منجرة وكراج للسيارات على مقربةٍ من المكان.

ومساء الخميس، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، عن مصرع 9 مواطنين من بينهم (4 أطفال، و3 سيدات، ورجلين)، نتيجة حريق مؤسف وقع في وسط القطاع.

وأدى كذلك لإصابة 58 مواطناً بجروح متفاوتة منها 14 حالة خطيرة، لا زالت حتّى هذا الوقت تتلقى العناية الفائقة داخل أروقة المستشفيات في غزّة.

وأفاد مدير العمليات بجهاز الدفاع في غزة "رائد الدهشان"، في تصريحات صحفية، بأنّ الإصابات نتجت عن حريق هائل اندلع في أحد المخابز، وامتد لعدد كبير من المحلات التجارية والسيارات الموجودة في المكان، حيث تعاملت معه فرق من الدفاع المدني والإسعاف، إضافة لمساندة عدد كبير من المواطنين الذين يسكنون أماكن مختلفة من المحافظة الوسطى.

  • منطقة مكتظة

وبالقرب من المكان، كان التاجر "أبو محمد النوري"، يقف حائرا، بعد أن احترق محله بالكامل.

ويروي "النوري"، أنّ خسارته اليوم كبيرة، فمحله الذي يختص ببيع الملابس النسائية، ويضم بضائع يزيد سعرها عن 20 ألف دولار تدّمر بالكامل، وصار أثراً بعد عين.

ويتابع "النوري" البالغ من العمر (45 عاما): "عناية الله فقط هي من أنجتني من ذلك الحادث، ولولا تفاصيل القدر التي أبعدتني عن مكان الحادث قبل ساعة واحدة من اندلاعه، لكنت الآن في عداد المصابين أو الموتى".

ويوضح أنّ ابنه وعاملين اثنين، تمكنا من الِفرار من المحل فور سماعهم لأصوات عدّة انفجارات شديدة "نتجت عن انفجار صهاريج وأنابيب تحتوي على الوقود والغاز"، ورؤيتهم لألسنة اللهب التي رافقت تضخم حجم النيران التي غطت المكان بسرعةٍ شديدة ووصلت لمسافة تزيد عن 50 متراً من منطقة اشتعالها، كما يشير.

  • ناجون من الموت

وفي العادة، تشهد منطقة سوق النصيرات، تواجدا كبيرا للمواطنين، لاسيما في يوم الخميس، وكذلك في الأيام الأولى من الشهر، حيث أنّ الموظفين والعمّال يكونوا قد تلقوا أجورهم ويذهبون للتسوق، وهذا الأمر أدى لزيادة أعداد المصابين والمتأثرين بالحادث، وفقاً لما قالته "ريم مهنا".

وأضافت "ريم"، إنّها "كانت تحت طائلة الموت المحقق، لولا تحركها من أحد المحلات التجارية الذي أصيب كلّ من تواجد فيه، قبل دقائق معدودة من اندلاع الحادث، حيث سمعت أصوات الانفجارات، بينما كانت تسارع لركوبِ سيارةٍ أجرة على ناصية الطريقة المقابلة للجهة التي ضمت المتاجر والمباني التي اندلع فيها الحريق".

من جانبه، يبيّن "إبراهيم أبو ناصر" (37 عاماً)، أنّه كان يمرّ برفقة ثلاثة من أطفاله بجانب أحد المخابز التي تضررت بشكلٍ كبير من الحادث، وقت سماعه للانفجار الأول، الذي رمى به هو والأطفال أرضاً، وسبب لهم جروحاً مختلفة في أجسادهم.

ويلفت "أبو ناصر"، إلى أنّه التقط طفله الأصغر "أحمد"، البالغ من العمر 7 سنوات على الفور، وركض فيه دون أن ينتبه –بسبب شدة الانفجار والنار- لطفليه الاثنين اللذين ظلا يصرخان من الخوف طويلاً، "إلى أنّ نقلهما أحد رجال الشرطة، الذين كانوا يقفون لتنظيم حركة السير في منطقة قريبة من الحدث، إلى الناحية الأخرى".

  • تكاتف شعبي

ومن المظاهر اللافتة التي رافقت عملية إخماد الحريق، كان التكاتف الشعبي الكبير الذي بدا من المواطنين الذين أسرعوا لمكان الحادث على الفور، وحاولوا بكلّ الطرق العمل إلى جانب طواقم الإنقاذ لأجل السيطرة على الأمر، ومنع انتقاله لأماكن أوسع، كما ساهموا بشكلٍ كبير في إجلاء الوفيات والجرحى.

ويشير الشابّ "محمد طه"، والذي يسكن في المنطقة الغربية للمخيم، إلى أنّه فزع فوراً برفقة جيرانه إلى مكان الحادثة فور رؤيتهم لألسنة الدخان تتصاعد من منطقة السوق، وحين وصلوا وشاهدوا حجم الكارثة، أسرعوا دون تفكير إلى المناطق التي طالتها النيران بصورةٍ جزيئة وحاولوا إطفائها بالمياه التي نقلوها من المحال القريبة بالأوعية البلاستيكية.

وخلال تواجده في المنطقة، تفاجئ الشابّ، بوجود سيارة أبيه في المكان، وشاهد النيران وهي تأكلها من الداخل، وفي تلك اللحظة جنّ جنونه، لظنه أن والده بداخلها، حيث أسرع نحوها وحاول فتح الباب الذي كان عبارةً عن كتلة لهب، ويبيّن أنّه لم يهدأ سوى عندما شاهد والده خارج السيارة يساعد في إطفاء الحرائق.

أما "أبو أيمن الصوري"، الذي يعمل موزعاً للمياه العذبة، على سيارةٍ كبيرة تحميل صهريجاً حديدياً سعته 3000 لتر، يتحدث لمراسل الأناضول أنّ وقت خروجه من المحطة التي يعباً منها المياه لتوزيعها على المنازل ترافق مع سماعه لخبر الحريق.

ويضيف أنه توجه على الفور إلى المكان، وساهم من خلال سيارته في إطفاء الحرائق المندلعة في عدد من المحال التجارية.

المصدر | الأناضول