الجمعة 6 مارس 2020 04:42 م

لطالما رأيت علم الجيوبوليتيك مثل الاقتصاد، باعتباره أيضًا علمًا يلخص ويتنبأ بالقوى المتجاوزة للفرد والتي تقود نظامًا أوسع من سيطرة الأفراد.

يخضع كل منهما لسيطرة قوى تبلغ درجة من القوة لا يملك معها الملوك والفلاحون على حد سواء إلا أن يتماشوا معها أو يقعوا ضحية لها. ففي نهاية المطاف؛ تجد أن الملوك لا يستطيعون تقرير دورة الأعمال العالمية، ولا يسيطرون على العلاقات بين الأمم كذلك. يجب أن يتماشى الملوك مع القوى العظمى التي تلقي بتأثيرها.

وإلى حد ما، فإن الأفراد لا حول لهم ولا قوة في مواجهة القوى الضخمة، وفي ظل عالم من 7 مليارات شخص ومتغيرات لا نهاية لها، يصنع البشر التاريخ من خلال التماشي معه.

  • قوى متجاوزة للإنسان

هذا أمر صعب، لأن التفكير بأننا عالقون في عاصفة قد نختار فيها أن نتعرض للبلل أو نصنع ونبيع المظلات تصطدم بفكرة أننا جميعًا أسياد مصائرنا.

نحن أسياد مصائرنا عندما يتعلق الأمر بالسعي لفهم القوى التي تجبرنا وتقيدنا، ونحن أسياد مصائرنا فيما يتعلق باختيار كيف نتماشى مع الواقع الواسع.

ولكن عندما تتدهور الأسواق، نجد أن ذلك في الحقيقة مترتب على قيام مليارات الأشخاص بمليارات القرارات - حتى لو ادّعينا عكس ذلك - لذا فإن أفضل ما يمكننا فعله هو محاولة توقع القرارات التي سيتم اتخاذها.

نعلم جميعًا أن السياسيين يتخذون القرارات وأن هذه القرارات مهمة؛ وأن الحكمة والنية الحسنة للقائد - أو انعدامهما - هي ما يصنع التاريخ.

إن فكرة خروج التاريخ عن السيطرة وفكرة أن الكساد والحرب أشياء خارجة عن سيطرة الزعماء الذين نحملهم المسؤولية عن كل الأشياء، الجيدة والسيئة، وفكرة أنهم لا يملكون إلا توقع ما سيأتي والتخفيف منه، هي أفكار مرعبة.

من الأفضل أن نمنحهم في أذهاننا سلطات لا يملكونها، وأن نمدحهم أو نغضب عليهم بسبب أشياء لا حول ولا قوة لهم فيها، مثلنا تمامًا.

إنني أسوق هذا في ضوء تهديد فيروس "كورونا" ، الذي يتجاوز قدرات قادة العالم، من المروّع أنه سيفعل ما سيفعله في نهاية المطاف، ومن المفزع أكثر أنه فيروس، أيّ أنه شيء بدون وعي، ولا يمكن التفاهم معه أو رشوته مثلًا.

نحن مجرد مراقبون له، ننتظر منه أن يُظهر ما إن كان قويًا فعلًا بقدر ما نخشاه، وننتظر بفزع أكثر لنرى ما إذا كنا نحن أو من نحبهم سنقع ضحايا لقوته الهائلة، أم إن تضاؤل قوته سينقذنا.

نبحث عن وسيلة للتماشي مع المرض، لكنه يتقدم ويغمرنا، مثلما يفعل التاريخ.

  • دحض وهم السيطرة

نعيش في عصر التكنولوجيا التي حققت أشياء رائعة مثل المضادات الحيوية والرقائق الصغيرة ورؤية الكون، ونفخر بكل هذا، لكن كل هذه الأشياء جاءت من فهم الطبيعة التي وُهبت لنا، والتواؤم مع قواتها، وصياغة قوى محرّكة تتوافق مع الطبيعة، وليس تغييرها.

وعندما تنمو قوتنا لدرجة نظن معها أننا أسياد الطبيعة، ينشأ شيء لتذكيرنا بحدودنا.

في الوقت المناسب، سنعرف المزيد عن فيروس "كورونا"، بما في ذلك الطرق التي يمكننا من خلالها محاربته، لكن مخاوفنا في الوقت الراهن هي التي ينبني عليها ما نفعله.

لا يقتصر تهديد الفيروس على الموت فحسب، ولكن الخوف من الموت سوف يتسبب في خروج العالم عن السيطرة.

ظهر الفيروس للمرة الأولى في الصين، وهي دولة تهيمن عليها فكرة أن سلطة الدولة تحكم كل شيء، وهذا الاعتقاد هو ما يجمع هذه الأمة معًا، لكن فيروس "كورونا" أظهر حدود القوة البشرية، حتى في الصين.

تصر بكين على أنها ستتعامل مع الفيروس وأن إجراءاتها ستوقف انتشاره، لكن الواقع هو أن الصين يغمرها المرض، والخوف من المرض.

هناك قوتان عظيمتان تتواجهان الآن؛ إحداهما عبارة عن جزئيات صغيرة تستغل نقاط الهشاشة في جسم الإنسان، وعلى الجانب الآخر، هناك العلم الذي يحاول يائسًا العثور على المكان الذي عليه أن يقف فيه، ويبرر نفسه من خلال تأكيد حدود معرفته والوعد بأنه سيعرف المزيد لاحقًا.

أعلن "السوبرماركت" المحلي لدينا أنه سيقنن عدد مناديل التعقيم التي يمكن شراؤها بسبب ارتفاع الطلب، في حين أن أحدث كلمة من الخبراء هي أن الفيروس ينتشر عن طريق السوائل البشرية.

لا يهم، فحتى حين لا يوجد حل للأمر، نخترع نحن حلولًا تمنحنا إحساسًا بالراحة نابعًا من المقاومة.

  • منبع الخوف الحقيقي

في الحقيقة، نحن لا نعرف مدى شراسة الفيروس، قد لا يقتل أكثر من الانفلونزا، وقد يكون الأمر أسوأ بكثير، نحن لا نعرف.

وبالتالي فإن الاقتصاد العالمي في حالة من الفوضى، يبدو الاقتصاد الصيني مبعثرًا، وسعر النفط يتغير بسرعة، والخوف من نقل المرض يضاعف الخوف من إطلاق تركيا للاجئين السوريين على الحدود.

نحن نتحدث هنا عن أحداث مفاجئة ذات تأثيرات كبيرة؛ أحداث لا يمكن التنبؤ بها تدمر التوقعات الاقتصادية والجيوسياسية.

هذا يذكرنا بنظرية "البجعة السوداء" (التي تعني أحداثًا تاريخية غير متوقعة تفاجئنا على حين غرة، مثل بجعة سوداء تخرج من وسط البجع الأبيض فجأة).

صحيح أن البشرية تتعرض بشكل دوري لأمراض غير متوقعة منذ زمن بعيد، وأننا نعلم أن هناك بجعات سوداء تسبح، وأن واحدة أو اثنتين ستقفز في بعض الأحيان إلى الشاطئ، لكن الوقت الذي يقررون فيه مغادرة البحيرة، والأسباب التي جعلتهم يختارون هذا الوقت بالذات، تذهلنا وتدفعنا للبحث عن التفسيرات والحلول.

ففي ظل عدم فهمنا لسبب اختيارهم لهذه اللحظة أو ما هو قصدهم في ذلك، نبحث عن تفسيرات.

وبما أن كثيرا من البشر لم يعودوا يؤمنون بأن هذه الأحداث عقاب من الله على خطايانا، فنحن نفكر أن سببها لابد أن يكون حربًا بيولوجية، أو أنها ربما قد حدثت بسبب عدم كفاءة العلماء والسياسيين.

في السابق كانت التهدئة تأتي من رجال الدين، والآن تأتي من القادة، ونحن الآن نحمّل القائد المسؤولية، ليس عن التسبب في الفيروس، بل عن عدم العمل بسرعة كافية لحمايتنا.

لا يبدو أن فيروس "كورونا" مثل الموت الأسود (الطاعون) الذي قضى على نصف أوروبا، بل يبدو أكثر مثل إنفلونزا سيئة، لكن هذا مجرد تخمين واحد في عالم مليء بالتخمينات.

لقد تم اعتباره تهديدًا عالميًا، لأنني كشخص يعيش في تكساس، أصبحت على دراية بما يجري في ووهان، قال العلماء لنا إن هذا فيروس جديد، وكوني شخص أمريكي؛ فعندما أواجه مشكلة، أتوقع أن يحلها أحد بسرعة. هذا ما أعرف أنه يهمني: إن الفيروس عالمي، ويقتل الناس، وقد تسبب في الفوضى في الصين وبعض البلدان الأخرى، وبالتالي يجب أن أكون خائفًا.

ليس المخيف هو المجهول وإنما العجز عن الفهم، فضلاً عن عجز الأشخاص الأذكياء المنوطين بحمايتي من كل الأشياء الطبيعية والخطيرة عن القيام بذلك.

توقعاتنا هي ما يخيفنا. لا يبدو فيروس كورونا خطيرًا على جنس الإنسان بشكل خاص. لكننا أصبحنا نتوقع أن نكون محميين، وعندما لا نكون كذلك، فإن خيالنا يصور لنا أننا نواجه نهاية العالم.

إن نجاحات العلم وادعاءات السياسيين دفعتنا إلى الاعتقاد بأن الإنسان لا يقهر، لذا فإن وصول الفيروس يعد انتهاكًا للعقد الاجتماعي بين الدولة والعلم وبيننا.

هناك حدود لقوة الإنسان وهذا ما يخيفنا فوق أي شئ.

المصدر | جورج فريدمان/ جيوبوليتيكس فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد