الأحد 8 مارس 2020 03:20 م

في بداية شهر مارس/آذار، كثف المتمردون الحوثيون صراعهم مع القبائل المحلية والقوات الحكومية المدعومة من السعودية في شمال اليمن، واكتسبوا أراضي في محافظة "الجوف" الحساسة.

ويغير الاستيلاء على "الحزم" عاصمة "الجوف"، ميزان القوى لصالح الحوثيين، كما أنه يهدد بإحداث "تأثير الدومينو" بما يسمح للحوثيين بالسيطرة على المدن الحيوية القريبة من الحدود السعودية.

وأثار هذا التقدم السريع في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة مخاوف في جميع أنحاء البلاد حول تواطؤ ورضا القوات الحكومية اليمنية التي فشلت في حماية هذه الأرض.

ومع ذلك، كانت "الجوف" تعاني من انقسامات داخلية بين القادة العسكريين المتنافسين، المتحالفين في الأساس مع الحكومة اليمنية المعترف بها في الأمم المتحدة، وهو ما استغله الحوثيون لصالحهم.

ويعد الاستيلاء على "الحزم"، التي تقع على بعد أقل من 100 ميل من الحدود السعودية، أمرا مهما نظرا لقربها السياسي من حكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي" والتحالف الذي تقوده السعودية، ولطالما كانت "الجوف" مرتبطة بمحافظة أخرى منتجة للنفط، وهي "مأرب"، التي تشترك في نفس الثقافة القبلية.

وكانت كلتا المحافظتين تعتبران من أكثر المناطق التي ينعدم فيها القانون في اليمن قبل الحرب، حتى بالمعايير اليمنية المحلية، وكانت تعرف أيضا كمعقل لتنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية، لكن المحافظتين شهدتا تحولا خلال الصراع بسبب عوامل متعددة، أهمها الفرص الاقتصادية، والدعم السعودي.

وأصبحت "مأرب"، التي يبلغ عدد سكانها 350 ألف نسمة، منطقة آمنة لنحو مليوني يمني من جميع أنحاء البلاد فروا إليها بعد استيلاء الحوثيين على مدنهم.

كما أنها موطن لبعض الخصوم السياسيين للحوثيين، بما في ذلك "حزب الإصلاح"، المحسوب على جماعة "الإخوان المسلمون".

ولم يكن من الممكن أن ينجح الحوثيون في منطقة الجوف دون الاستيلاء على حي "نهم" قبل شهر واحد، وقد مكّنهم ذلك من السيطرة على سلسلة من الجبال المطلة على الجوف ومأرب وجبال يام ومعسكر "اللواء 312" المدرع الذي كان بحوزة قوات "هادي" في "نهم".

لكن من غير المرجح أن تكون هذه المناطق الشمالية المحطة الأخيرة للحوثيين، حيث تسعى القوات الحوثية للسيطرة على الموارد الحيوية والوصول إلى جميع موارد اليمن النفطية وموانئها البحرية، بما في ذلك مصافي النفط الجنوبية في شبوة وميناء عدن وباب المندب.

وكان الحوثيون يقاتلون بالفعل بلا كلل في مدينة "الضالع"، الأمر الذي يمهد لهم  الطريق للسيطرة على الطريق المؤدي إلى عدن.

وبالنظر إلى أهمية هذه المناطق بالنسبة للتحالف الذي تقوده السعودية، كان هناك توقع بأن تكون صعبة الوصول بالنسبة للحوثيين، وأكثر استعدادا لمقاومة الهجمات.

وبالرغم من قيام السعوديين بشن غارات جوية، لكنهم واجهوا أيضا مجموعة من التحديات الخاصة بهم، مثل عندما أسقط الحوثيون طائرة مقاتلة سعودية.

لكن حتى الآن، لم يكن هناك المزيج من الموارد أو الاستراتيجيات بما يكفي لإيقاف الحوثيين، الذين استفادوا من الدعم الإيراني لتطوير أسلحة عسكرية أكثر تقدما، والتي تحل محل قدرة القبائل المحلية إلى حد كبير.

وحاليا، يتم توجيه لوم واسع النطاق ضد التحالف الذي تقوده السعودية لعدم قدرته على منع تقدم الحوثيين إلى الجوف.

وأشار بعض المحللين إلى المفاوضات السرية بين السعوديين والحوثيين باعتبارها السبب وراء تراجع اهتمام السعوديين بحماية المحافظة.

ومع ذلك، يظل الوضع في اليمن أكثر تعقيدا، نظرا للطبيعة القبلية لهذه المواقع وصعوبة فرض القيادة والسيطرة الفعالة في نظام غير رسمي.

وتشير التقارير المحلية إلى أن الانقسامات الداخلية بين الوحدات العسكرية التي تعمل تحت قيادة "هادي" ربما كانت السبب في بعض الإخفاقات داخل السلطة المركزية في اليمن.

وكان هذا واضحا مع قرار إقالة "هاشم الأحمر"، الذي يحظى بدعم كبير من نائب الرئيس اليمني "علي محسن الأحمر"، من قيادة المنطقة العسكرية السادسة، بعد أن حققت قوات الحوثي تقدما ملحوظا في الجوف في أوائل يناير/كانون الثاني.

وأصبحت هذه الانقسامات علنية عندما أعلن "هاشم الأحمر" عن خلافه مع حاكم الجوف، "أمين العكيمي"، بشأن المخصصات المالية لأحد كتائبه العسكرية، ومع ذلك، يعود التوتر بين هذين العملاقين السياسيين إلى عام 2018 بسبب الانقسامات السياسية والقبلية.

وعلى الرغم من أن كليهما عضو في "حزب الاصلاح"، لكن "العكيمي" من مواليد الجوف، وهو شيخ قبلي مؤثر من قبيلة "حمدان"، وبدافع الحذر من تأثير "هاشم الأحمر"، الذي ينتمي لاتحاد قبلي منافس، كان لتحرك "العكيمي" عدة أسباب، أهمها المفاوضات المزعومة بين "هاشم الأحمر" والحوثيين.

وقد اتهم كلا الشخصين بعضهما البعض بـ"خيانة الجيش الوطني اليمني"، إما عن طريق الاستهداف المباشر عن طريق الأجهزة المتفجرة، أو عن طريق توفير المعلومات والاستخبارات للحوثيين.

وأصبح "العكيمي" محبطا عندما رأى أن قوات "هاشم الأحمر" لا تزال محايدة في المعارك الأخيرة مع الحوثيين، وبالنظر إلى انعدام الثقة بين هاتين النخبتين القويتين، وتصور "العكيمي" للأداء السيئ لوحدات "هاشم الأحمر" العسكرية، أقال "العكيمي" "هاشم الأحمر" في نهاية شهر يناير/كانون الثاني.

وفي بلد تتحول فيه التحالفات باستمرار، تعتمد الأجهزة الأمنية والأداء العسكري على الولاء الشخصي والولاء القبلي.

على سبيل المثال، أرسلت الحكومة تعزيزات عسكرية إلى "العكيمي" تحت قيادة قائد لواء القوات الخاصة "محمد علي الهجر"، ومع ذلك، فقد طردهم "العكيمي" في نهاية شهر فبراير/شباط الماضي لعدم الامتثال لاستراتيجيته.

لكن ما هو واضح في الجوف، وفي جميع أنحاء اليمن، هو أن الهوية الوطنية تتراجع لصالح الهوية القبلية، ويجعل هذا من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن تتحرك الحكومة المركزية في ساحة المعركة بكفاءة، وفي حين تدرك حكومة "هادي" الانقسامات الموجودة في الجوف، لكنها لم تظهر القدرة على إدارتها بنجاح. 

وفي الواقع، تعثرت الحكومة في إيجاد بعض الحلول السريعة، مثل تعيين اللواء "الصغير حمود عزيز" مؤخرا - وهو عضو في "حزب المؤتمر الشعبي العام" - كقائد للعمليات المشتركة ورئيس الأركان العامة.

ولا تقل جهود "هادي" لموازنة القوى السياسية بين الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام تعقيدا عن تعقيدات جهود سلفه الرئيس الراحل "علي عبدالله صالح"، الذي وصف حكم اليمن بـ"الرقص على رؤوس الأفاعي".

وفي غضون ذلك، يبدو أن الحوثيين قد استنتجوا أن الحل العسكري يضمن لهم وضعا أفضل في المفاوضات، خاصة أنهم لم يتم محاسبتهم على انتهاكات اتفاقية استكهولم التي تم التوصل إليها بوساطة الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2018.

علاوة على ذلك، يحرص المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، "مارتن غريفيث"، على عدم إغضاب الحوثيين؛ خشية أن يستنتجوا أنه منحاز للتحالف، وهو اتهام واجهه جميع أسلافه.

لذلك، مع الضغط المحدود للأمم المتحدة، تمكن الحوثيون من إشعال ساحات القتال المتعددة، علاوة على ذلك، فإن أي تعليق مؤقت للهجمات التي يشنونها غالبا ما يتم الترحيب به كإشارة إيجابية على "تراجع التصعيد"، ما يحبط حكومة "هادي"، التي لم تتمكن من إحراز أي تقدم كبير في السيطرة على أراضي اليمن، بالوسائل السياسية أو العسكرية.

وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن الحوثيين سيستمرون في التقدم، وقد أرسلوا بالفعل رسالة إلى حاكم مأرب، "سلطان العرادة"، يطلبون منه فيها التخلي عن مدينة مأرب بسلام وتجنب الحرب.

ووسط هذا الاستفزاز، تم توجيه الغضب المحلي نحو حكومة "هادي" والسعوديين لفشلهم في الحد من قوة الحوثيين في الصراع الذي دام 5 أعوام.

ويتعين على حكومة "هادي" إعادة ضبط استراتيجيتها، لتصبح أكثر نشاطا من مجرد التحرك دائما كرد فعل، لتحول تركيزها بسرعة إلى بناء تحالفات محلية بدلا من استرضاء زمرة صغيرة من المنتسبين السياسيين.

المصدر | فاطمة أبوالأسرار | معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد