الجمعة 20 مارس 2020 02:34 ص

بين انخفاض أسعار الخام، والمراوحة السياسية، وتراجع الدعم الدولي، ووباء "كورونا" المستجد، يقف العراق على حافة كارثة مالية.

وقد تدفع هذه الكارثة العراق إلى تدابير تقشفية، وتعيد تجديد الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة.

لكن يبدو أن المسؤولين متفائلون بشكل غريب، وهو ما يصفه الخبراء بأنه حالة "إنكار"، نظراً إلى أن الانهيار المتوقع لأسعار النفط سيكلف العراق ثلثي دخله الصافي العام الحالي.

وانخفضت أسعار "خام برنت" الأسبوع الحالي، إلى 26 دولاراً للبرميل الواحد، وهو المستوى الأدنى منذ العام 2003، في أعقاب تضرر الطلب العالمي على النفط بسبب تفشي فيروس "كورونا" المستجد، وحرب الأسعار بين المنتجين الرئيسيين السعودية وروسيا.

  • ضغوط هائلة

يقول رئيس وكالة الطاقة الدولية "فاتح بيرول"، إن العراق الذي تشكل عائدات النفط أكثر من 90% من إيراداته سيواجه "ضغوطاً اقتصادية هائلة".

والعراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة "أوبك"، ويصدر عادة حوالي 3.5 مليون برميل يومياً.

واعتمد العراق في مسودة ميزانيته للعام 2020، على سعر متوقع قدره 56 دولاراً للبرميل.

ومع انخفاض الأسعار، سينخفض صافي دخل العراق بنسبة 65% في العام 2020، مقارنة بالعام الماضي، مسبباً عجزاً شهرياً قدره 4 مليارات دولار مخصصة فقط لدفع الرواتب والحفاظ على استمرارية عمل الحكومة.

ويلفت "بيرول" إلى أنه "في الأزمة الحالية، سيعاني العراق لتعدي عائدات النفط 2.5 مليار دولار شهرياً"، مناشدا المسؤولين العراقيين إيجاد "حلول عاجلة".

ويستند هذا التوقع، إلى سعر 30 دولاراً للبرميل قبل الانخفاض الأخير.

ويقول مسؤولون عراقيون كبار، إن وزارتي المالية والنفط والبنك المركزي العراقي والمصارف المملوكة للدولة، تبحث سبل خفض التكاليف والعثور على تمويل.

يقول محافظ البنك المركزي العراقي "علي العلاق"، إن "هناك بعض القلق، لكنه ليس شديداً".

ويضيف: "أعتقد أن أسعار النفط بهذا المستوى لن تدوم طويلاً.. لا نتوقع ارتفاعات كبيرة، لكن بالمستوى الذي يؤمن الحجم المطلوب".

  • ميزانية متضخمة

يلفت "العلاق"، إلى أن المسؤولين ما زالوا يراجعون من كثب مسودة ميزانية 2020، وهي واحدة من أكبر ميزانيات العراق على الإطلاق بحوالي 164 تريليون دينار عراقي (حوالي 137 مليار دولار).

وتم تخصيص أكثر من 75% منها للرواتب وتكاليف أخرى، مع إنفاق الباقي على الاستثمارات الرأسمالية.

وقفز إجمالي الرواتب من 36 مليار دولار في العام 2019 إلى 47 مليار دولار العام الحالي، بعد تعيين 500 ألف موظف جديد لاسترضاء الشارع المنتفض منذ أشهر.

وتوظف الحكومة نحو 4 ملايين عراقي، وتدفع رواتب 3 ملايين منهم، والرعاية الاجتماعية لمليون موظف.

ويوضح "العلاق"، أنه "بناء على مؤشراتنا الأولية، سنتمكن من تغطية الديون الخارجية والرواتب"، يتم تقليص الإعانات والخدمات التي "تنقصها الكفاءة الاقتصادية".

لكن إلغاء أي منافع في وقت الانكماش الاقتصادي العالمي، يمكن أن يعيد الناس إلى الشوارع بزخم أكبر.

ويلفت "العلاق" إلى أن الخِيارات الأخرى تشمل استعادة "تريليونات" من الدينار العراقي من الحسابات في المصارف المملوكة للدولة، حيث قامت الوزارات بتخزين سنوات من فائض الأموال، وكذلك إصدار سندات للناس وإعادة جدولة مدفوعات الديون الداخلية.

وأضاف أن محادثات جديدة جارية أيضاً مع صندوق النقد الدولي، لكن مع عدم إقرار ميزانية وعدم تشكيل حكومة جديدة، يبدو أنها لن تثمر.

ولا تخطط الحكومة لخفض قيمة العملة، أو الحصول على قروض خارجية جديدة، أو وقف المدفوعات لشركات النفط العالمية، التي تبلغ قيمتها حوالي مليار دولار شهرياً.

وكان "العلاق"، متفائلاً بأن تدفع الضغوط الحكومة إلى إدخال إصلاحات مالية طال انتظارها، قائلاً إن "الضربة التي لا تكسر ظهرك، تقويك".

  • دفن الرأس في الرمل

ويعترف بعض المسؤولين بشكل غير علني أنهم لا يشاركون العلاق تفاؤله.

ويصف أحد كبار المستشارين العراقيين الوضع بأنه "أزمة خطيرة"، بينما يقول آخر إنه سيكون من المستحيل تقليص الميزانية في بلد صنفته منظمة الشفافية الدولية في المرتبة الـ 16 في لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم.

ويقول المستشار الذي رفض الكشف عن هويته، إن "بعض الوزراء يعارضون التخفيضات لأنه سيخترق شبكات المحسوبية الخاصة بهم".

ويضيف أن الحكومة تفترض أن أسعار النفط ستعود إلى طبيعتها خلال شهرين، وهو ما لم تتوقعه وكالة الطاقة الدولية.

فيما يلفت "أحمد الطبقشلي" من معهد الدراسات الإقليمية والدولية ومقره العراق، إلى أن "دفن الرأس في الرمال ليس سياسة".

وعلى الرغم من أن العراق واجه انهياراً في الأسعار في عامي 2014 و2016، إلا أنه لم يشهد التراجع الكبير الحالي في الطلب العالمي، لا سيما من الصين المنكوبة بفيروس "كورونا"، المستورد الرئيسي للعراق.

  • اللجوء للاحتياطي

والاعتماد على المجتمع الدولي أقل ديمومة مما كان عليه في العام 2014، عندما كانت القوى العالمية حريصة على مساعدة العراق في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

يقول "الطبقشلي"، إن العراق قد يضطر إلى اللجوء لاحتياطيات تبلغ قيمتها نحو 60 مليار دولار لتغطية العجز، لكن سيتعين عليه حتما تخفيض الرواتب وربما الاقتراض دولياً.

وحتى لو استقرت الأسواق في نهاية المطاف، فإن النفط العراقي سيعاني للمنافسة مع وفرة المنتج السعودي.

لذا يعتبر "الطبقشلي" أن "هناك تعديلات مؤلمة نحتاج إلى القيام بها الآن، لا أن نتركها لأحفادنا".

المصدر | أ ف ب