الأحد 22 مارس 2020 11:08 ص

"سننتصر عاجلا وليس آجلا".. هكذا صرح الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، الخميس 19 مارس/آذار، في معرض تعليقه على حرب أسعار النفط الدائرة حاليا بين السعودية وروسيا، مشيرا إلى أنه سينخرط في هذه الحرب "في الوقت المناسب"، ما أثار علامات استفهام عديدة لدى المراقبين.

وتدور أسئلة متابعي الشأن الأمريكي حول الطريقة التي تنوي الولايات المتحدة التدخل بها في حرب النفط، وما هو التوقيت المناسب الذي يقصده الرئيس الأمريكي.

وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال"، الخميس، عن مصادرها أن إدارة "ترامب" تدرس التدخل لوقف حرب النفط الدائرة بين السعودية وروسيا عبر اللجوء إلى الضغط على السعودية لخفض إنتاج النفط من جانب، وفرض المزيد من العقوبات على روسيا لإثنائها عن الاستمرار في حرب الأسعار، من جانب آخر.

ووفقا لما أورده الرئيس "ترامب" نفسه على حسابه على "تويتر"، فإن توقيت التدخل الأمريكي في حرب النفط سيكون "عاجلا" وليس "آجلا"، بهدف الوصول إلى "حل وسط" للحرب الدائرة بين اثنين من أكبر منتجي النفط في العالم.

وتخوض كل من السعودية وروسيا معركة على الحصص في سوق النفط، بعد أن انهار هذا الشهر اتفاقهما لكبح الإنتاج الذي دام لثلاث سنوات، لكن الولايات المتحدة، التي أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم في عام 2019، ترى نفسها في موقف يمكنها من الاستفادة من هذه الحرب وتطويعها لمصلحتها.

وتعد واشنطن منتجا رائدا ومستهلكا كبيرا للنفط في الوقت ذاته، وغالبا ما تتناقض مصالح المنتجين والمستهلكين حول أسعار النفط في البلاد، لكن إدارة "ترامب" تكيل غالبا إلى الانحياز لصفوف المستهلكين مؤكدة أن "أسعار البنزين المنخفضة جيدة للمستهلكين الأمريكيين حتى لو كانت تضر بالقطاع".

هذا يعني أن رؤية الرئيس الأمريكي "للحل الوسط" تستند إلى ترجيح مصلحة مستهلكي النفط، الذين يمثلون السواد الأعظم من المواطنين، على أن يتحمل منتجو النفط الصخري "ضررا مؤقتا" من دون السماح بإفلاسهم.

ووفق هذا المنظور، فإن صيغة الحل الوسط النهائية تتمثل في تدخل "ترامب" لإنهاء حرب النفط بين السعودية وروسيا عند حد "أقل سعر ممكن لبرميل النفط لا يمثل تهديدا هيكليا لإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة".

خطأ روسي

لكن الوصول إلى هذه الصيغة يتوقف على مقدار تجاوب موسكو، حيث من غير المرجح أن تقبل روسيا صيغة حل تتضمن خفضا كبيرا للإنتاج يفقدها قدرا معتبرا من إيراداتها بسبب تقلص حصتها السوقية حتى وإن ارتفع سعر البرميل؛ لكن روسيا ليست سعيدة كذلك بنتائج سياسية "الإغراق" التي انتهجتها الرياض في حرب النفط، وأدت إلى تهاوي الأسعار لأدنى مستوياتها في نحو 20 عاما هذا الأسبوع.

ويمثل رقم 40 دولارا لسعر البرميل النطاق السعري المفضل لدى روسيا، إذ تعتمده الموازنة العامة الروسية كسعر تقديري بالدولار لبرميل النفط، بما يعني أن استمرار حرب النفط الحالية ستسبب في عجز كبير بالاقتصاد.

صحيح أن روسيا تمتلك احتياطيا بصندوقها السيادي يمكنه تغطية حرب النفط لمدة تصل إلى 6 سنوات، وأن قدرة السعودية على الصمود لا تتجاوز الثلاث سنوات، حسب تقدير نشره "سايمون واتكينز" بموقع "أويل برايس" الأمريكي، إلا أن هذا التقدير يستند إلى هبوط سعر البرميل إلى 30 دولارا، وليس إلى أقل من 24 دولارا كما جرى الجمعة (20 مارس/آذار).

ولذا فإن تقدير موسكو لسقف التداعيات السلبية لحرب النفط لم يكن دقيقا، وفقا لما أوردته وكالة "بلومبرج" الأمريكية. وهو ما عبرت عنه وزارة المالية الروسية بتوقع تراجع إيرادات النفط والغاز بمقدار تريليوني روبل (حوالي 27.5 مليار دولار).

أزمة السعودية

في المقابل، فإن سعر 40 دولارا للبرميل ليس مرضيا للسعودية، لأنه يمثل نصف التقدير الوارد في موازنتها العامة (80 دولارا)، بما يعني معاناتها عجزا اقتصاديا ضخما، وعليه فإن "الحل الوسط"، أو "السعر الوسط" الذي أشار إليه "ترامب"، قد يعتمد سعرا للبرميل يفوق التقدير الروسي ويقل كثيرا عن التقدير السعودي.

من هنا جاء حديث ترامب عن "تدخل عاجل" بعدما وصل إغراق السعودية لسوق النفط إلى مستوى الخط الأحمر بالنسبة للمنتجين الأمريكيين، وهو ما يتوقع المراقبون تجاوب الرياض معه، لأسباب تتعلق بفشل محاولتها السابقة لتدمير صناعة النفط الصخري.

وتعود تلك المحاولة إلى الفترة من عام 2014 إلى عام 2016، وكانت نتائجها كارثية بالنسبة للسعودية، التي اعتقدت أن منتجي النفط الصخري الأمريكي غير قادرين على إنتاج النفط على أساس مستدام بسعر مساوٍ أو أقل من نحو 70 دولارا للبرميل، وهو ما لم يحدث، بعدما تمكن هؤلاء المنتجون من تقليل كلفة الإنتاج عبر توظيف التقدم التكنولوجي.

وسمح الازدهار المستمر لقطاع النفط الصخري للولايات المتحدة بتقليص اعتمادها على مصادر الطاقة الخارجية، وتوسيع نطاق نفوذها الجيوسياسي أكثر، من خلال تحولها للمنتج الأول للنفط في العالم، وهو ما أثر سلبا على السعودية، التي انتقلت من فائض في الميزانية إلى عجز قياسي مرتفع في عام 2015 بلغ 98 مليار دولار، وهو عجز قد يتسبب على المدى الطويل في إفلاس المملكة حال استمرار حرب النفط الحالية، وفقا لما أورده "أوبل برايس".

وعليه، يبدو أن السعودية لا تمانع في الوقت الراهن في تدخل من الولايات المتحدة لإعادة الانضباط إلى الأسواق والأسعار. لكن توقيت التدخل الأمريكي لا يزال غير محدد بدقة، خاصة أن "ترامب" سبق أن أعلن أن الولايات المتحدة "ستستغل أسعار النفط المنخفضة لاستيراد كميات ضخمة من الخام وتأمين احتياطياتها الاستراتيجية منه"، وملأ الخزانات الاحتياطية التي تبلغ سعتها 77 مليون برميل.

ولكن بعد أن تمتلأ الخزائن الأمريكية بالنفط الرخيص، وتنتعش جيوب المستهلكين بفضل البنزين المخفض، من المرجح أن واشنطن ستسعى في وقت قريب لممارسة الضغوط لجلب انتعاش محدود للأسعار يسمح لمنتجي النفط الصخري بالاستمرار في العمل، لكن هذا الانتعاش من غير المرجح أن يكون كافيا لحل المعضلة التي تواجه السعودية ودول الخليج المنتجة للنفط.

المصدر | الخليج الجديد