الاثنين 23 مارس 2020 02:30 م

تعرضت الجهود الأمريكية لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط منذ فترة طويلة للشلل بسبب "معضلة الإسلاميين" الفريدة؛ فنحن نريد الديمقراطية من الناحية النظرية ولكننا نخشى نتائجها في الممارسة العملية، إذ نخشى نجاح الأحزاب الإسلامية في الانتخابات أو فوزهم الكامل بها.

ولكن، إذا أرادت الولايات المتحدة أن تكون جادة بشأن الإصلاح الديمقراطي في المنطقة، فعلينا أن نحل هذه المعضلة بطريقة أو بأخرى.

لا ديمقراطية دون الإسلاميين

الحقيقة البسيطة هي أنه لا توجد طريقة لدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط ومعارضة مشاركة الأحزاب الإسلامية في الوقت نفسه.

وإذا كانت الأحزاب الإسلامية (ومعظمها غير عنيفة ومتقبلة للدولة القومية وتشارك في العملية البرلمانية إذا تم السماح لها بذلك) من بين أكبر الأحزاب في بلدانها، فإن الديمقراطية التي تستبعدها ليست ديمقراطية على الإطلاق، والسياسة التي ترى جميع الإسلاميين مشكلة لا يمكن إلا أن ينتهي بها الأمر إلا إلى تبرير الاستبداد الدائم.

ويعتبر هذا النهج ليس جديدا؛ فقد وقفت أمريكا باستمرار (وإن كان بدرجات متفاوتة من الحماس) إلى جانب حلفاء سلطويين مؤيدين لأمريكا.

وكما يوثق مراسل صحيفة "نيويورك تايمز"، "ديفيد كيركباتريك"، في كتاب صدر مؤخرًا، فإنه حتى إدارة "أوباما" التي كان يُفترض أنها صديقة للإسلاميين، أعطت الجيش المصري ما يعتبر ضوءا أخضر قبيل الانقلاب العسكري عام 2013 ضد حكومة إسلامية منتخبة ديمقراطيًا.

هل نحن كأمريكيين راضون بإيصال مئات الملايين من العرب والمسلمين لمثل هذا المصير تحت ستار معاداة الإسلاموية، فيما يعد بالأساس طريقة أخرى للقول بأنه لا يمكن الوثوق في اختياراتهم في التصويت؟ هذا سؤال أخلاقي، ولكنه أيضًا سؤال عما يخدم مصالح أمريكا على المدى الطويل.

نظام "السيسي" الشمولي

في مقال حديث لمجلة "أمريكان إنترست" بعنوان: "كيف يجب على أمريكا أن تتعامل مع الدول الاستبدادية؟"، كان الباحث "سفانتي كورنيل" صريحًا بشكل مثير للإعجاب بشأن نظريته.

أحد هذه النظريات تستند إلى حجة مثيرة للجدل للكاتبة "جين كيركباتريك" بأن هناك اختلافًا جوهريًا بين الدول الاستبدادية والشمولية، لكن "كورنيل" يخطئ في اعتبار نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي" استبداديًا وليس شموليًا.

وصفت "كيركباتريك" الأنظمة الاستبدادية التقليدية بأنها تلك التي لا تتدخل في الإيقاعات المعتادة للعمل والترفيه، وأماكن الإقامة المعتادة، والأنماط المعتادة للعلاقات الأسرية والعلاقات الشخصية، لكن نظام "السيسي" ومؤيديه يفعلون كل هذه الأشياء، بما في ذلك تشجيع المواطنين على التبليغ عن بعضهم البعض.

كتب "كورنيل" أن الأنظمة الشمولية "قاتلة ومفترسة"، والحقيقة أن النظام المصري ينطبق عليه وصف "القاتل" بشكل غير عادي حتى بالمعايير الاستبدادية.

تحت حكم "السيسي"، شهدت مصر واحدة من أسوأ المذابح التي تحدث في يوم واحد في القرن الماضي، حيث قتل أكثر من ألف شخص.

يرى "كورنيل" أن "السيسي" يحمي الأقلية القبطية، لكنه لم يفعل ذلك، كما تشرح الكاتبة "مارلو سافي" من مجلة "ناشيونال ريفيو" بتفصيل كبير، كما أن "السيسي" لم يشرع في الإصلاح الديني، كما ادّعى.

الحقيقة أن "السيسي" اعتمد على الطبقة الدينية في البلاد لتبرير قتل المتظاهرين بطريقة دينية صريحة لم يكن سلفه الإسلامي "محمد مرسي" يحلم بها حتى.

وقال المفتي السابق "علي جمعة"، بعد مذبحة رابعة: "عندما يحاول البعض تقسيمكم، اقتلوهم، طوبى للذين يقتلونهم، يجب أن نطهر مصر من هذه القمامة".

استخدام "جمعة" ورجال دين آخرون مؤيدين للنظام لنوع التفكير التكفيري المرتبط بتنظيم "الدولة الإسلامية" - بحجة أن مؤيدي "مرسي" كانوا أقرب إلى الزنادقة وبالتالي فإن دمهم شرعي - يكذب تصوير "السيسي" لنفسه على أنه "منارة الاعتدال".

ليبرالية أم إسلام مسيّس؟

يستشهد "كورنيل" أيضًا بالإمارات باعتبارها واحدة من الدول العربية الواعدة، ويُرجِع ذلك جزئيًا إلى كونها أكثر علمانية، لكن هذا ليس صحيحًا تمامًا؛ فما تجسده الإمارات ليس "الإسلام السياسي" بالمعنى التقليدي، ولكنه بالتأكيد إسلام مسيّس.

وكما يصفها الباحث الأمريكي الرائد في شؤون الخليج، "جريجوري جوز"، فإن "الإمارات تمثل اتجاهاً ثالثاً في الإسلام السياسي، الإسلام الرسمي في الإمارات مرتبط ارتباطًا وثيقًا بسلطة الدولة وخاضع لها".

باختصار، تقدم الأنظمة العربية التي تبدو ليبرالية وعدًا كاذبًا بأن القمع يمكن استخدامه لخدمة الليبرالية، ولكن بما أن السياسة والدين مترابطان لا محالة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، فمن المستحيل أن تكون هناك حرية دينية في غياب الحرية السياسية.

ستكون الدولة السلطوية مستعدة فقط للسماح بالتعبير الديني الذي لا يهدد الدولة، ولا يجب الخلط بين هذا وبين "الحرية الدينية" أو "التعددية الدينية".

وهم خدمة المصالح الأمريكية

ماذا إذن عن سلوك الحلفاء الاستبداديين في الخارج؟ حتى الدول الاستبدادية "الليبرالية" تكون "مفترسة" خارج حدودها، على سبيل المثال، لديك دور الإمارات المدمر (إلى جانب السعودية) في حرب اليمن المستمرة، أو دعمها بلا هوادة للديكتاتور الليبي "خليفة حفتر".

كما أن الإمارات عملت على تقويض جهود واشنطن (الفاترة) للتوسط بين "السيسي" و"الإخوان المسلمون" في محاولة لمنع اندلاع العنف بعد الانقلاب في مصر.

كانت فكرة الاعتماد على الأوتوقراطيين المؤيدين لأمريكا لتحقيق المزيد من المصالح الأمريكية أساسًا لدى الحزبين في الولايات المتحدة، في التفكير في السياسة الخارجية، على الرغم من أن ذلك لم تثبت صحته مرارًا وتكرارًا.

يمكن لأي مراقب لشؤون المنطقة أن يرى أن اعتمادنا على الحلفاء الاستبداديين لم يؤد إلى منطقة أكثر سلامًا واستقرارًا، بل إن العكس هو الصحيح.

تبرع الأنظمة الاستبدادية فقط في توفير وهم الاستقرار، الذي يكون قصيرًا بطبيعته.

ويعتبر نوع النظام مهما؛ وإذا كانت الأنظمة لا تشاركنا قيمنا، فمن الصعب عليها أن تتوافق مع المصالح الأمريكية بمرور الوقت، لأن القيم والمصالح ليست منفصلة تمامًا ويجب ألا تُعامل على أنها منفصلة.

هذا لا يعني أن صناع السياسة الأمريكيين عليهم أن يدعموا الأحزاب الإسلامية، لكنه يعني أنه يجب عليهم تجنب التحيز في المنافسات الانتخابية للدول الأخرى أو الاقتناع بادعاءات الأنظمة بأنه حتى الأحزاب الإسلامية غير العنيفة يجب استبعادها بأي وسيلة.

لم يتحقق قط الادعاء بأن الأحزاب الإسلامية ستلغي الديمقراطية بعد وصولها إلى السلطة (الاستثناء الوحيد القابل للجدل هو صعود "حماس" إلى السلطة في عام 2016، ولكن حتى هذه ليست حالة واضحة).

تسمح الديمقراطية بالانتقال السلمي للسلطة، خاصة في السياقات المستقطبة أيديولوجيًا، كما أن الديمقراطية تنظم الصراع وبالتالي تساهم في السلام والاستقرار.

توفر الديمقراطية إمكانية التنبؤ، حيث إن الخاسرين من الانتخابات لديهم الفرصة للقتال سلميُا، في فرصة أخرى، ويعتبر هدف تنظيم الصراع أكثر أهمية في منطقة مثل الشرق الأوسط التي تتسم بمستويات متزايدة من الصراع والتشظي.

هل يعني هذا أننا يجب أن نولي المزيد من الاهتمام لأخطاء حلفائنا الاستبداديين، أكثر من أخطاء أعدائنا مثل إيران أو فنزويلا؟

لا، يجب أن نأخذ كلا الأمرين على محمل الجد.

ولكن هناك سبب عمليّ في أن العديد من دعاة تعزيز الديمقراطية يركزون على أخطاء الحلفاء، وذلك لأنهم حلفاء لنا، ولأنهم يعتمدون على الولايات المتحدة للحصول على الأمن وكذلك الدعم الاقتصادي والعسكري، ولأن لدينا المزيد من النفوذ على سلوكهم.

إذا تمكنا من استخدام هذا النفوذ ليصبحوا على الأقل أقل قمعية، فيجب علينا ذلك، لأننا قادرون عليه.

لا يتماشى القيام بذلك مع مبادئنا فحسب؛ بل يتماشى في نهاية المطاف مع مصالحنا.

المصدر | شادي حميد | بروكينجز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد