الثلاثاء 24 مارس 2020 05:31 م

لماذا قرر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تعيين ممثلة خاصة لشؤون الطاقة إلى السعودية؟ وما هو مغزى توقيت القرار؟ وإلى أي مدى يؤثر ذلك في حرب النفط الدائرة بين المملكة وروسيا؟

تصدرت هذه الأسئلة اهتمامات مراقبي الشأن السعودي خلال الساعات الماضية بعدما نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول في وزارة الطاقة الأمريكية، الإثنين، إن الرئيس الأمريكي عين "فيكتوريا كوتس" كمبعوثة خاصة لشؤون الطاقة إلى السعودية.

ويأتي تعيين "كوتس" في أعقاب تأكيد "ترامب" نفسه، عبر "تويتر"، أنه على وشك التدخل لوقف حرب النفط بين السعودية وروسيا؛ ما يعني أن المغزى وراء تعيين "كوتس" يتجاوز التبرير الرسمي لوزارة الطاقة الأمريكية حول رغبتها بـ"تعزيز حضور الوزارة في المنطقة"، خاصة في ظل ارتباط اسم الممثلة الأمريكية الخاصة سابقا بملف الأمن القومي، وكونها من بين المساعدين الأمنيين لـ"ترامب"، إضافة إلى تخصصها في شؤون الشرق الأوسط، ولاسيما إيران.

فالولايات المتحدة تواجه صعوبة في معالجة انهيار عالمي بأسعار النفط يهدد منتجي الطاقة الأمريكيين، في ظل الآثار الإيجابية لهذا الانهيار بالنسبة للمستهلكين؛ ما دفع "ترامب" لتجنب التدخل لحين وصول حرب النفط بين السعودية وروسيا إلى "نقطتها الحرجة"، والتي تتمثل –حسب ميزان المصلحة الأمريكية– في تهديد شركات إنتاج النفط الأمريكية بالإفلاس، وهو ما سبق لـ"الخليج الجديد" تناوله في تقرير سابق (طالع).

غير أن انهيار الأسعار وصل إلى هذه النقطة بالفعل؛ ما دفع بعض شركات النفط الصخري الأمريكية إلى تسريح عاملين.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن الإدارة الأمريكية أيقنت أنها بحاجة إلى "حضور" مباشر في مجال الطاقة في المملكة واتصال ساخن مع مسؤوليها النفطيين، وهو الدور الذي وصفه وزير الطاقة الأمريكي "دان برويليت" بأنه "حملة دبلوماسية لتحقيق استقرار أسواق الطاقة"، وفق "رويترز".

  • حملة دبلوماسية

في هذا الصدد، ترى صحيفة "وول ستريت جورنال" أن تعيين "كوتس" يأتي في سياق محاولة استثمار حرب النفط لاستقطاب السعودية نحو "تحالف نفطي" مع الولايات المتحدة، تضمن به الرياض حدا معقولا من أسعار النفط، بما لا يضر بقطاع النفط الصخري الأمريكي أيضا، في إطار معادلة تقوم على وضع مصالح كلا البلدين بسلة واحدة في مواجهة روسيا، التي تضع الإضرار بقطاع النفط الصخري الأمريكي على رأس أهدافها.

ومن شأن هكذا تحالف أن يكتب شهادة وفاة "أوبك بلس" بشكل نهائي، وربما يثير حفيظة العديد من دول "أوبك" أيضا؛ بما قد يعني تمهيد الطريق أمام مغادرة السعودية لمنظمة الدول المصدرة للبترول وانهيار المنظمة، حسبما أفادت مصادر الصحيفة الأمريكية.

وتؤكد المصادر ذاتها أن مجموعة من المسؤولين داخل وزارة الطاقة الأمريكية يضغطون على "ترامب" من أجل إقرار "تحالف نفطي" مع السعودية، في إطار صيغة "حل وسط" بين الطرفين تضمن حدا أدنى من المصالح الأمريكية والسعودية.

ووفقا لمحلل شؤون الأسواق الناشئة في شبكة "CNN" الأمريكية "جون ديفتيريوس" فإن الرياض بعثت عبر حرب النفط الدائرة حاليا برسالتين؛ الأولى مفادها أن السعودية تبقى مستعدة لفرد عضلاتها وتذكير الجميع بما ستؤول إليه الأوضاع في أسواق النفط إن قررت التوقف عن لعب دورها في الحفاظ على استقرار أسعار الخام والحيلولة دون إغراق الأسواق، والثانية مفادها أنه لو تركت المملكة الأسواق بشكل حر تماما، فإن منتجي النفط في الخليج سيكونون آخر المتضررين؛ حيث يكلفهم استخراج النفط الخام قيمة أقل من أي دولة أخرى بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي المقابل، لا تبدو السعودية مهتمة بخوض الحرب الروسية ضد شركات النفط الصخري الأمريكية، بعدما فشلت محاولتها السابقة في الفترة بين عامي 2014 و2016 في تحقيق الهدف ذاته، عندما اعتقد مسؤولوها أن منتجي النفط الصخري الأمريكي غير قادرين على إنتاج النفط على أساس مستدام بسعر مساوٍ أو أقل من نحو 70 دولارا للبرميل، وهو ما لم يحدث، بعدما تمكن هؤلاء المنتجون من تقليل كلفة الإنتاج عبر توظيف التقدم التكنولوجي.

وبالفترة ذاتها، سمح الازدهار المستمر لقطاع النفط الصخري للولايات المتحدة بتقليص اعتمادها على مصادر الطاقة الخارجية، وتوسيع نطاق نفوذها الجيوسياسي أكثر، من خلال تحولها للمنتج الأول للنفط في العالم، وهو ما أثر سلبا على السعودية، وفقا لما أورده موقع "أوبل برايس".

وعليه، يبدو أن السعودية لا تمانع في الوقت الراهن تدخل الولايات المتحدة لإعادة الانضباط إلى الأسواق والأسعار، لكن مدى تأثير ذلك على مكانتها في منظمة "أوبك" يبقى غير واضح حتى الآن.

  • مهمة صعبة

في السياق ذاته، تأتي تصريحات وزير الطاقة الأمريكي لتلفزيون بلومبيرج، الإثنين؛ حيث أكد أن "إقامة تحالف نفطي بين الولايات المتحدة والسعودية أحد الأفكار العديدة التي يتداولها صُناع السياسات الأمريكيون، لكن من غير المؤكد أن يتحول إلى مقترح رسمي".

في مواجهة هذا المقترح، سيكون على السعودية إما أن تقبل الانقلاب على "أوبك" بشكل نهائي، أو أن تقبل لعب الولايات المتحدة دور الشريك لمنظمة الدول المصدرة للبترول، لتحل بذلك محل روسيا.

معطيات التاريخ تؤشر إلى أن الولايات المتحدة لا ترى في "أوبك" شريكا؛ إذ طالما لوح المشرعون في الكونجرس منذ عام 2007 بمقترح قانون "نوبك"، الذي يهدف إلى مكافحة ما تراه واشنطن احتكارا وضغطا تمارسه "أوبك" على باقي دول العالم من أجل إبقاء أسعار الطاقة مرتفعة.

وبالمقابل، فإن تخلي السعودية عن زعامتها التاريخية لمنظمة الدول المصدرة للبترول يبدو صعبا، خاصة في ظل تأرجح علاقتها بمؤسسات الدولة الأمريكية بين تحالف وتوتر خلال السنوات الماضية.

بين هذين السيناريوهين تتأرجح مهمة "كوتس" الصعبة في ظل سوق متغير باتت الولايات المتحدة فيه هي المنتج الأول للنفط عالميا، في وقت يبدو فيه أن الرياض على وشك الاستسلام لهذه الحقيقة.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات