الأربعاء 25 مارس 2020 09:10 ص

اختارت المملكة العربية السعودية وقتا استثنائيا عصيبا لشن الحرب الأخيرة على أسعار النفط.

ومع وضع قيود على السفر بسبب تفشي وباء الفيروس التاجي الجديد "كوفيد-19"، وتأثير ذلك بشكل كبير على الطلب على النفط، ومع فشل "أوبك" وروسيا في الاتفاق على تمديد تخفيضات إنتاج النفط طويلة الأمد، أعلنت الرياض في 6 مارس/آذار تمزيق الصفقة بالكامل.

وبدلا من خفض الإنتاج، قررت المملكة العربية السعودية عكس مسارها وزيادة الإنتاج بمقدار 2 مليون برميل يوميا.

وادعى السعوديون أنهم سيزيدون الطاقة الإنتاجية الإجمالية إلى مستوى غير مسبوق يبلغ 13 مليون برميل يوميا. 

وفي 18 مارس/آذار، وصل النفط إلى أدنى مستوى له في 18 عاما، ليبلغ ما يزيد قليلا على 20 دولارا.

ويأتي ذلك بعد 5 أعوام من استقرار السعر في أغلب الأوقات فوق 50 دولارا، وقرابة عقد من وجوده حول مستوى الـ100 دولار.

وجعلت استراتيجية النفط السعودي الجديدة المراقبين يتساءلون عما إذا كانت حرب الأسعار هذه تشكل خطرا كبيرا على المملكة نفسها ودول الخليج الأخرى.

وفي السطور التالية نستعرض لم قد يحدث هذا.

وتعد "حرب الأسعار" السلاح الرئيسي الذي تملكه المملكة لإعادة الانضباط بين منتجي النفط في العالم، ويؤدي تكثيف إنتاج النفط إلى انخفاض الأسعار، ما يضر بالمنافسين مثل روسيا ومنتجي النفط الصخري الأمريكي.

كما ترسل المملكة رسالة تذكير بأن مكانة الرياض باعتبارها المنتج الأقل تكلفة في العالم تعني أن جميع المنتجين المنافسين يعتمدون إلى حد ما على ما تتركه لهم السعودية من حصة في السوق.

لكن هل يمكن لهذه الخطة أن تأتي بنتائج عكسية، بما يؤذي جميع منتجي النفط؟ حسنا، لقد عانى العالم من حرب أسعار قصيرة في عام 2014، وحرب أسعار مدمرة في عام 1986، أثرت على كل مدينة نفطية في العالم تقريبا.

وتأتي حرب أسعار 2020 في خضم أزمة اقتصادية عالمية نجمت عن جائحة الفيروس التاجي الجديد.

وقد قلص الوباء بالفعل الطلب على النفط بمقدار العشر، أي نحو 10 ملايين برميل يوميا، ومع انتشار الفيروس، من المحتمل أن ينخفض ​​استهلاك النفط أكثر فأكثر، ويبدو إطلاق حرب أسعار في هذه الظروف غير مسؤول في أحسن الأحوال.

عائدات النفط ضامن بقاء النظام

وتبقى الأنظمة الاستبدادية في الخليج في السلطة من خلال توزيع أرباح النفط لشراء دعم شعوبها، وعندما تنخفض أرباح النفط، ينخفض ​​الإنفاق الحكومي، بما في ذلك مزايا الرعاية التي تعوض المواطنين عن نقص المشاركة السياسية.

وقد تمت الإطاحة بحكومات الدول الأعضاء في "أوبك"، مثل إندونيسيا وفنزويلا، بسبب الانتفاضات التي تلت الصدمات النفطية.

وكان المستبدون في الماضي يستجيبون أحيانا للسخط من خلال السماح بزيادة طفيفة في المشاركة الديمقراطية، لكن في أعقاب انتفاضات الربيع العربي عام 2011، تشعر الأنظمة الخليجية بالتهديد الشديد إذا فتحت المجال السياسي.

ولا يترك هذا لتلك الأنظمة سوى القمع، وفي جميع أنحاء الخليج، ازداد القمع منذ الانتفاضات العربية وبروز تنظيم "الدولة الإسلامية".

وقفزت درجة "الإرهاب السياسي" في المملكة من المستوى 3 في عام 2011 إلى المستوى 4 في عام 2018، وتمثل الدرجة 1 سيادة القانون بشكل تام، بينما تشير الدرجة 5 إلى القمع الحكومي غير المحدود.

وبالمثل، تحولت الإمارات من درجة 1.5، التي تعني دولة حرة نسبيا، في عام 2011، إلى 3، التي تعني قمعا أكبر بكثير، في عام 2018. 

وقد يؤدي التراجع الأخير في عائدات النفط إلى إثارة السخط الشعبي، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى تفاقم هذه النزعات القمعية.

ويبقى الخطر الكبير، بالطبع، هو أن القمع، أو الحرمان، يمكن أن يؤدي إلى احتجاجات واسعة النطاق.

وجاء القرار السعودي بخفض الأسعار وزيادة الإنتاج مصاحبا لاعتقالات بين المنافسين لولي العهد "محمد بن سلمان" داخل العائلة المالكة والجيش.

وبينما قالت الحكومة السعودية إن الاعتقالات استندت إلى مزاعم فساد، ربما كانت أيضا خطوة تمهيدية لحرب أسعار النفط التي تعد بإعاقة قدرة الحكومة على الإنفاق بسخاء.

وقد تكون الاعتقالات بمثابة تحذير للمتآمرين المناهضين للنظام، أو الفصائل الملكية المتنافسة، أو أي ساخطين من الجمهور السعودي، بأن المعارضة لن يتم التسامح معها، أو ربما لتمهيد الطريق لـ"محمد بن سلمان" لخلافة والده كملك.

لماذا هذا التوقيت؟

ويأتي قرار المملكة الأخير استجابة لكل من الاتجاهات طويلة الأجل في أسواق النفط والخلافات الأخيرة داخل "أوبك".

وفي أوائل مارس/آذار، اقترح السعوديون في البداية تخفيضات من شأنها أن تجعل إنتاج النفط العالمي يتماشى مع تقديرات وكالة الطاقة الدولية، التي توقعت انخفاضا بنسبة 3% تقريبا في الطلب على النفط طوال العام بسبب الفيروس التاجي.

لكن روسيا، وحدها على ما يبدو، من بين أعضاء "أوبك+"، رفضت الموافقة على تخفيضات الإنتاج الإضافية التي طرحتها السعودية.

وجادل صانعو السياسة النفطية في روسيا، متأثرين بضغط رئيس "روسنفت" "إيجور سيتشين"، بأن المزيد من التخفيضات ستطيل فقط الفرصة لمنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، الذين كانوا يعملون بحرية في ظل تخفيضات الإنتاج من "أوبك+" منذ عام 2016.

وفي كل مرة تمكنت تخفيضات "أوبك" من تعزيز أسعار النفط، كان منتجو النفط الصخري الأمريكي يجلبون المزيد من النفط إلى السوق.

وجادل "سيتشين" بأن الأمريكيين، المتعثرين بالفعل بوجود النفط تحت مستوى 50 دولارا للبرميل، يجب أن يتم إجبارهم على إجراء تخفيضات في خضم أزمة الفيروس التاجي.

وجدير بالذكر أن هذه الإمكانية قيد الدراسة الآن في تكساس.

ومع عدم رغبة روسيا في تخفيض الإنتاج، غيرت الرياض مسارها سريعا، ولطالما أكدت المملكة أنها لن تتحمل عبء موازنة السوق بمفردها، ويعني هذا أن حرب الأسعار مستمرة، وبدلا من حماية الإيرادات، ستحاول المملكة الاستفادة من الأسعار المنخفضة لاسترداد حصة سوق النفط التي استحوذ عليها النفط الصخري الأمريكي وغيره.

ماذا الآن؟

لم يشهد العالم هذا النوع من صدمات العرض والطلب المتزامنة في نفس الوقت، لذلك هناك قدر كبير من عدم اليقين، وربما تكون أولى الضحايا هي "رؤية 2030" السعودية، التي تهدف إلى تحويل الاقتصاد السعودي بعيدا عن الاعتماد على النفط.

ويتطلب هذا التنويع أرباحا نفطية كبيرة لتمويل احتضان الشركات غير النفطية، ولن تكون هذه الأرباح متاحة إذا استمرت حرب الأسعار لفترة طويلة.

وإذا ظلت أسعار النفط منخفضة، فسوف يكون له تداعيات سلبية على المناخ أيضا؛ حيث يعطل النفط الرخيص تطوير كفاءة الطاقة، ويطغى توفر الوقود على السياسة؛ حيث يكون عدد أقل من الناس على استعداد لدفع المزيد مقابل التقنيات النظيفة عندما يكون البنزين رخيصا.

ومن المفارقات الرئيسية أن إيران قد تكون المصدر الخليجي الوحيد المعزول عن حرب الأسعار، حيث تم حظر صادراتها بسبب العقوبات الأمريكية.

لكن إيران ستجد أيضا أنه من المستحيل تقريبا الانتقام بطريقتها المعتادة، أي مهاجمة شحنات النفط والبنية التحتية النفطية، لأن القيام بذلك لن يكون له تأثير يذكر على الأسعار في عالم مليء بالنفط الرخيص.

ويمكن أن تكون الحرب قصيرة الأجل، فقد تتراجع السعودية بعد أن أثبتت بنجاح استعدادها وقدرتها على إحداث صدمة للسوق، لكن الصدمة ستكون قد أثرت بالفعل على الاقتصاد العالمي وعلى السياسات الإقليمية.

المصدر | جيم كران | واشنطن بوست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد