الجمعة 27 مارس 2020 02:12 م

لم يكن بمخيلة أحد أن تطرح جماعة "أنصار الله" (الحوثي)، التي تسيطر على العاصمة اليمنية صنعاء، مبادرة لتبادل الأسرى مع السعودية، تقوم بموجبها الجماعة بالإفراج عن الأسرى السعوديين لديها، مقابل قيام المملكة بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين لديها بمن في ذلك أسرى حركة "حماس" الفلسطينية.

وتأتي المبادرة المفاجئة، في وقت حساس تمر فيه السعودية بمأزق صعب جراء خسائر فادحة في اليمن، في الذكرى الخامسة لانطلاق عمليات التحالف العربي، ناهيك عن تداعيات فيروس كورونا والحرب النفطية التي أدت إلى انهيار أسعار النفط إلى ما دون الـ30 دولارا للبرميل.

وقد تحرك مبادرة "الحوثي" الماء الراكد بين السعودية و"حماس"، بعد توتر كبير، وقطيعة سياسية، على خلفية محاكمة واعتقال 60 فلسطينيا؛ من بينهم القيادي "محمد الخضري" (81 عاماً)، الذي يعد مسؤول الحركة في المملكة.

ووفق منظمة العفو الدولية، فإن "الخضري" المريض بالسرطان، ونجله "تعرضا للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة خلال فترة احتجازهما"، ناهيك عن قيام السلطات بمصادرة أموال المعتقلين، وإغلاق شركاتهم.

تفاصيل المبادرة

وتتضمن بنود المبادرة التي أطلقها زعيم الحركة "عبدالملك الحوثي"، في خطاب متلفز، الخميس 26 مارس/آذار الجاري، الإفراج عن 5 جنود سعوديين بينهم طيار (لم يعلن هوياتهم)، مقابل الإفراج عن أعضاء حركة "حماس" الموقوفين لدى المملكة، منذ نحو عام.

ولا يعرف مجمل عدد الأسرى السعوديين لدى "الحوثي"، لكن شهر يناير/كانون الثاني الماضي، شهد عودة 6 أسرى سعوديين من اليمن إلى المملكة، تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وقالت جماعة "الحوثي"، وقتها، إن الخطوة تأتي في "إطار المساعي الرامية إلى حل ملف الأسرى، والدفع نحو تنفيذ اتفاق التبادل"، في إشارة إلى اتفاق ستوكهولم، ديسمبر/كانون الأول 2018، الذي يقضي بتبادل الأسرى والمعتقلين لدى الجانبين، الذين يزيد عددهم عن 15 ألفا.

وفي فبراير/شباط 2018، كشف مصدر حكومي يمني، أن عدد الأسرى السعوديين لدى جماعة الحوثي يزيد على 30 أسيرا.

ولا يعلن التحالف العربي في اليمن، الذي تقوده السعودية، عن عدد أسراه لدى "الحوثي"، لكنه من آن لآخر، يجري عمليات تبادل للأسرى عبر وساطات دولية. 

ترحيب فلسطيني

المبادرة الحوثية قوبلت بتأييد كبير من "حماس"، التي تأمل حلحلة الملف المتعثر منذ نحو عام، لا سيما أن من بين المعتقلين كبار في السن وأصحاب أمراض مزمنة.

كذلك ثمنت حركة الجهاد الإسلامي مبادرة "الحوثي"، قائلة إنها تعبر عن عمق مسؤولية الشعب اليمني الشقيق تجاه القضية الفلسطينية.

وليس من المستبعد وقوف إيران وراء رسم الخطوط العريضة للصفقة، كونها الداعم الرئيسي للحوثيين من ناحية، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع "حماس" من جهة ثانية.

وخلال الفترة الماضية، سعت حركة حماس لتوسيط مسؤولين وشخصيات عربية وإسلامية لحل أزمة المعتقلين في الرياض، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، كما أن الرياض رفضت استقبال أي من مسؤولي الحركة لبحث نقاط الخلاف بين الطرفين.

وتأمل "حماس" وفق تصريحات القيادي بها "محمود الزهار"، قبول المملكة للعرض الحوثي، الذي يحقق لها مصلحة في الافراج عن ضباط سعوديين، وبالتالي كسب رضا الشارع السعودي.

في المقابل هناك مخاوف جدية من تعنت الرياض، ورفض المبادرة الحوثية، لحرمان عدوها اللدود في اليمن من تحقيق انتصار سياسي، وقطع الطريق على أي تقارب بين "الحوثي" و"حماس".

من جانبها، ربما تهدف حركة "الحوثي" من خلال المبادرة إلى كسب تأييد الشارعين اليمني والعربي، وقلب طاولة الرأي العام ضد الرياض.

ورغم ذلك، يرجح مراقبون أن تتجاهل السعودية تماما المبادرة الحوثية وكأنها لم تحصل، بالنظر إلى تجاهلها، قبل أيام، دعوة رئيس المكتب السياسي لحماس "إسماعيل هنية" للملك "سلمان بن عبدالعزيز" بالإفراج عن معتقلي الحركة.

وساطات دولية

ورغم ذلك، من المؤكد أن المبادرة ألقت حجرا في الماء الراكد، وربما تدفع أطرافا إقليمية ودولية للعب دور الوساطة، وإبرام صفقة لتبادل الأسرى بين الجانبين، خاصة أن المبادرة تحقق مكسبا هاما للرياض بالإفراج عن أسراها، إضافة إلى إسهامها المحتمل في تلطيف الأجواء مع الأردن، الذي يطالب هو الآخر بالإفراج عن معتقلي "حماس" (بعضهم من حملة الجنسية الأردنية). 

ويتوافق ما سبق مع تصريحات عضو مكتب العلاقات الدولية في حركة حماس "باسم نعيم"، الذي كشف عن اتصالات مباشرة وعبر وسطاء مع السعودية لإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين، متوقعا إغلاق الملف قبل حلول شهر رمضان المقبل.

وأضاف "نعيم" في تصريح لـ"الأناضول"، أن بعض المعتقلين "كانوا على اتصال وتواصل دائم مع مسؤولين سعوديين في عدة ملفات، كما أنهم كانوا يعملون بالتنسيق مع السلطات هناك".

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، قال القيادي في "حماس"، "أسامة حمدان" إن صمت حركته عدة شهور كان يهدف لإيجاد حل سياسي لهذه المشكلة، مضيفا:"وصلنا للأسف إلى نقطة لم نستطع فيها البقاء صامتين".

أزمة حقوقية

ويسبب تسليط الضوء على أزمة المعتقلين الفلسطينيين في السعودية إحراجا سياسيا للمملكة التي تقول إنها تدعم القضية الفلسطينية، بينما هي تنفذ سياسات عكس ذلك. وفي الوقت نفسه، تلفت الأزمة الانتباه إلى السجل السيئ للسعودية في مجال حقوق الإنسان.

ووفق منظمة "سكاي لاين" الحقوقية، فإن عدد المعتقلين في المملكة حتى الآن يزيد على ستين فلسطينيا، بعضهم يحمل الجنسية السعودية، بينما يحمل غالبيتهم الجنسية الأردنية، كما طالت الحملة أيضا مواطنين سعوديين لا ذنب لهم سوى أنهم كفلاء لأولئك الفلسطينيين.

وتؤكد منظمات حقوقية دولية أن غالبية هؤلاء المعتقلين محرومون من حقوقهم القانونية، ولا تعرف ظروف احتجازهم ولا حتى التهمُ الموجهة إليهم، كما لا يسمح لعائلاتهم بزيارتهم أو توكيلِ محامين عنهم.

وربما يكون المحرك الرئيسي لإنجاح تلك المبادرة، عدد الأسرى السعوديين لدى الحوثي، ورتب بعضهم، حيث تقول جماعة "الحوثي"، إن من بينهم مجموعة من "ذوي الرتب العالية"، إضافة إلى قيادات مهمة في صفوف الحكومة الشرعية الموالية للتحالف، قد يتم إلحاقهم مستقبلا بالمبادرة، حال تفعيلها، وتوسيع نطاقها لتشمل آخرين.

على أية حال، تترقب الأوساط الفلسطينية، والأردنية، واليمنية، الموقف السعودي من المبادرة، وسط آمال معقودة على إمكانية عقد وساطة دولية لبرام صفقة تبادل أسرى في أقرب وقت، لاسيما وأن السعودية باتت مشغولة بمواجهة "كورونا"، وتتأهب لقبول هدنة أممية في اليمن.

المصدر | الخليج الجديد