الجمعة 27 مارس 2020 02:39 م

يتعرض العالم بأسره منذ مارس/آذار 2020 لشرّ لا يستطيع أحد التعامل معه أو التنبؤ بمساره بشكل دقيق، كما لم يستطع أي أحد إلى الآن توقع إلى متى قد تستمر تلك الجائحة. 

لا يجب النظر إلى التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس"كورونا" على أنها مشكلة عادية يمكن للاقتصاد الكلي حلها أو تخفيفها، وإنما يمكن للعالم أن يشهد تحولًا جوهريًا في طبيعة الاقتصاد العالمي.

صدمة العرض والطلب

تتجلى الأزمة المباشرة في العرض والطلب، إذ ينخفض ​​العرض لأن الشركات تغلق أو تخفض ساعات العمل لحماية العمال من الإصابة بـ"كوفيد-19"، ولا يمكن لأسعار الفائدة المنخفضة أن تعوض النقص في العمال الذين لن يعملوا، تخيل مصنعًا تم قصفه أثناء الحرب، مهما انخفض سعر الفائدة فإنه من المستحيل أن يعوض نقص الإمداد في اليوم أو الأسبوع أو حتى الشهر التالي. 

تفاقمت صدمة الإمدادات بسبب انخفاض الطلب العائد لحقيقة أن الناس محصورون في أماكنهم، والعديد من السلع والخدمات التي كانوا يستهلكونها لم تعد متاحة.

إذا أغلقت الدول وأوقفت حركة الطيران، فلن يؤدي أي قدر من الطلب وإدارة الأسعار إلى جعل الناس يسافرون، وإذا كان الناس خائفين أو ممنوعين من الذهاب إلى المطاعم أو الفعاليات العامة بسبب احتمالية الإصابة بالعدوى، فقد يكون لإدارة الطلب تأثير ضئيل للغاية.

تحول الاقتصاد للاكتفاء الذاتي

يواجه العالم احتمالية تحول عميق تتجلى في العودة إلى الاقتصاد الطبيعي أي اقتصاد الاكتفاء الذاتي، لكن هذا التحول هو عكس العولمة. وبينما تنطوي العولمة على تقسيم العمل بين الاقتصادات المتباينة، فإن العودة إلى الاقتصاد الطبيعي تعني أن الدول سوف تنغلق على نفسها.

هذه الحركة ليست حتمية، لأنه إذا تمكنت الحكومات من السيطرة على الأزمة الحالية أو التغلب عليها في غضون الأشهر الستة أو السنة المقبلة، فمن المرجح أن يعود العالم إلى مسار العولمة، حتى لو تمت مراجعة بعض الفرضيات التي قامت عليها، مثل سلاسل الإنتاج الممتدة التي يجري فيها التوصيل في وقته بالكاد.

ولكن إذا استمرت الأزمة، فقد تنهار العولمة. وكلما طال أمد الأزمة، وطالت العقبات أمام التدفق الحر للأشخاص والسلع ورأس المال، كلما أصبحت الحالة أكثر طبيعية.

سوف تتشكل مصالح خاصة لدعم الوضع، وقد يؤدي الخوف المستمر من وباء آخر إلى تحفيز الدعوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني، وهكذا يمكن أن تتكامل المصالح الاقتصادية والمخاوف الصحية المشروعة.

حتى المتطلبات التي تبدو صغيرة -مثل أن يحتاج دخول الشخص للدولة إلى تقديم شهادة صحية مع جواز السفر والتأشيرة- ستشكل عقبة في طريق العودة إلى الطريقة المعولمة القديمة، بالنظر لملايين الناس الذين يسافرون عادة.

قد تكون عملية التفكك هذه، في جوهرها، مشابهة لتفكك الإمبراطورية الرومانية الغربية إلى عدد كبير من الأراضي المكتفية ذاتيًا بين القرنين الرابع والسادس.

وفي هذا النوع من الاقتصاد، يتم استخدام التجارة ببساطة لمبادلة السلع الفائضة مقابل أنواع أخرى من الفائض الذي تنتجه الأراضي الأخرى، بدلاً من تحفيز الإنتاج المتخصص لمشترٍ غير معروف.

وكما كتب عالم التاريخ "فرانك وليام ولبانك" في "تراجع الإمبراطورية الرومانية في الغرب": "على امتداد الإمبراطورية المُفككة بأكملها، كان هناك ارتداد تدريجي إلى الحرف صغيرة النطاق التي يعتمد فيها الاستهلاك على ما تنتجه الأيدي، حيث يتم تصريف الإنتاج للسوق المحلية وللطلبات المحددة في الجوار".

عدم التخصص ميزة

في الأزمة الحالية، يتمتع الأشخاص الذين لم يصبحوا متخصصين بالكامل بميزة، فإذا كان بإمكانك إنتاج طعامك الخاص، وإذا كنت لا تعتمد على الكهرباء أو المياه التي توفرها الشبكات العامة، فأنت لست فقط في مأمن من الاضطرابات التي قد تنشأ في سلاسل الإمداد الغذائي أو توفير الكهرباء والمياه؛ بل إنك أيضًا في مأمن أكبر من الإصابة بالعدوى، لأنك لا تعتمد على الطعام الذي أعده شخص آخر قد يكون مصابًا، ولا تحتاج إلى تورط أفراد، قد يكونون مصابين أيضًا، لإصلاح أي شيء في منزلك. كلما قلت حاجتك للآخرين، كلما أصبحت أكثر أمانًا وأفضل.

كل شيء كان ميزة في الاقتصاد شديد التخصص يصبح الآن عيبًا، والعكس صحيح.

الخطر الحقيقي: التفكك الاجتماعي

لن يكون الدافع وراء الانتقال إلى الاقتصاد الطبيعي هو الضغوط الاقتصادية العادية وإنما مخاوف أكثر جوهرية، وهي الأمراض الوبائية والخوف من الموت.

لذلك، يمكن أن تكون التدابير الاقتصادية القياسية جزءًا من الحل؛ إذ يمكنها (ويجب عليها) توفير الحماية للأشخاص الذين يفقدون وظائفهم وليس لديهم ما يلجؤون إليه والذين غالباً ما يفتقرون حتى إلى التأمين الصحي.

عندما يصبح هؤلاء الناس غير قادرين على دفع فواتيرهم، فإنهم سيخلقون صدمات متتالية، من عمليات إخلاء المساكن إلى الأزمات المصرفية.

ومع ذلك، ستكون الخسائر البشرية للمرض هي التكلفة الأكثر أهمية والتي قد تؤدي إلى التفكك المجتمعي. ويمكن لهؤلاء الذين تُركوا بلا أمل أو عمل أن ينقلبوا بسهولة على أولئك الذين هم في وضع أفضل.

هناك حوالي 30% من الأمريكيين ممن لديهم ثروة صفرية أو حتى سلبية، وإذا خرج المزيد من الناس من الأزمة الحالية بدون مال ولا وظائف ولا رعاية صحية، وإذا أصبحوا يائسين وغاضبين، فمن المتوقع انتشار مشاهد مثل هروب السجناء في إيطاليا مؤخرًا، أو النهب الذي أعقب إعصار كاترينا في نيو أورلينز في عام 2005.

وإذا اضطرت الحكومات إلى استخدام القوات شبه العسكرية أو العسكرية لقمع أعمال الشغب أو الهجمات على الممتلكات، فقد تبدأ المجتمعات في التفكك.

وبالتالي، ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي (وربما الوحيد) للسياسة الاقتصادية اليوم هو منع الانهيار الاجتماعي.

يجب على المجتمعات المتقدمة ألا تسمح للمسائل الاقتصادية -ولا سيما ثروات الأسواق المالية- بأن تعميهم عن حقيقة أن أهم دور يمكن أن تلعبه السياسة الاقتصادية الآن هو الحفاظ على الروابط الاجتماعية قوية تحت هذا الضغط الاستثنائي.

المصدر | برانكو ميلانفوفيتش - فورين افيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد