السبت 28 مارس 2020 08:52 ص

في حين يعد تحول عدوى ما إلى وباء أمر نادر الحدوث نسبيا، ولا تزال النوبات الشديدة من التفشي نادرة، إلا أنني لم أطلع على حلقة تاريخية قد توفر أي نظرة ثاقبة بشأن العواقب الاقتصادية المحتملة لأزمة "كورونا"، التي تتكشف حول العالم. حسنا، يبدو أن هذه المرة مختلفة حقا.

وتعد الميزة الرئيسية في هذه الحلقة، أو ما يجعلها فريدة، هي الاستجابة السياسية. وتعطي الحكومات حول العالم الأولوية للتدابير التي تحد من انتشار المرض وتنقذ الأرواح؛ بما في ذلك الإغلاق الكامل لمنطقة ما، كما حدث في الصين، أو حتى دول بأكملها، مثل ما حدث في إيطاليا وأسبانيا وفرنسا. وتطول القائمة لتشمل الكثير من الدول؛ بما في ذلك الولايات المتحدة، التي فرضت حظر سفر دولي صارم وحظرت جميع أنواع الفعاليات العامة.

ولا يمكن أن تكون هذه الإجراءات قريبة من الاستجابة السياسية لتفشي الفيروس الأكثر فتكا في العصر الحديث؛ أي جائحة "الأنفلونزا الأسبانية" عامي 1918-1919.

كان هذا الوباء، الذي أودى بحياة 675 ألفا في الولايات المتحدة فقط، وما لا يقل عن 50 مليونا في جميع أنحاء العالم، قد حدث على خلفية الحرب العالمية الأولى.

وتستبعد هذه الحقيقة وحدها إجراء أي مقارنات ذات مغزى فيما يتعلق بتأثيرات جائحة "كورونا" سواء على الولايات المتحدة أو على الاقتصاد العالمي.

وفي عام 1918، وهو العام الذي بلغت فيه وفيات "الأنفلونزا الأسبانية" ذروتها في الولايات المتحدة، كان فشل الأعمال التجارية أقل من نصف معدل ما قبل الحرب، وكانت أقل في عام 1919.

ومدفوعا بجهود الإنتاج في زمن الحرب، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة بنسبة 9% في عام 1918، ونحو 1% في العام التالي، حتى مع احتدام الأنفلونزا.

وعلى النقيض من ذلك، فإن عدم اليقين الشاسع المحيط باحتمالات انتشار "كورونا" داخل الولايات المتحدة والعالم، ومدة توقف الاقتصاد المطلوبة لمكافحة الفيروس؛ يجعل التنبؤ بآثار ذلك صعبا للغاية.

لكن، بالنظر إلى حجم ونطاق صدمة "كورونا"، التي تعمل في نفس الوقت على تراجع الطلب وتعطيل العرض، فمن المرجح أن تتجاوز الآثار الأولية على الاقتصاد تلك الآثار المترتبة على الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009.

وفي حين لم تبدأ أزمة "كورونا" كأزمة مالية، فإنها ربما تتحول إلى أزمة نظامية.

وعلى الأقل حتى يؤدي انخفاض النشاط الاقتصادي إلى فقدان الوظائف، لا تظهر ميزانيات الأسر الأمريكية إشكالية حتى الآن. علاوة على ذلك، تتم رسملة البنوك بقوة أكبر بكثير مما كانت عليه في عام 2008.

لكن الميزانية العامة للشركات تبدو أكثر اضطرابا. وكما أبديت تلك الملاحظة منذ أكثر من عام، فإن القروض المضمونة، التي توسعت البنوك في إصدارها بشكل سريع في الأعوام الأخيرة، تشترك في العديد من أوجه التشابه مع الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري سيئة السمعة التي كانت سببا رئيسيا في الانهيار المالي عام 2008.

وكما لو أن صدمة "كورونا" لم تكن كافية، اشتعلت حرب النفط السعودية الروسية، التي خفضت أسعار النفط إلى النصف تقريبا؛ ما زاد من مأزق قطاع الطاقة الأمريكي.

ومع تضرر الكثير من الصناعات بسبب اضطرابات سلاسل التوريد، وإصابة شرائح واسعة من قطاع الخدمات بالشلل، فإن حالات التعثر والإفلاس بين الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم من المتوقع أن ترتفع، رغم حزم التحفيز المالية والنقدية.

وفي حين أثرت الأزمة المالية وأزمة الديون في الثمانينيات على الأسواق الناشئة، أصابت الأزمة المالية العالمية غالبا الاقتصادات المتقدمة بشكل أكبر.

لكن في الأعوام الـ5 الماضية، تدهورت ميزانيات الأسواق الناشئة العامة والخاصة على حد سواء، وتباطأ النمو بشكل ملحوظ.

وفي ظل تساوي الأمور الأخرى، فإن التخفيض الكبير في سعر الفائدة الذي قام به مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، والإجراءات الأخرى التي تم الشروع فيها استجابة للوباء، من شأنها أن تخفف من الظروف المالية للأسواق الناشئة أيضا. لكن هناك أشياءً أخرى تبرز الكثير من الاختلافات.

وبالنسبة لأي شخص مطلع قليلا على هذا الملف، فإن اللجوء الكلاسيكي إلى سندات الخزانة الأمريكية في أوقات الإجهاد العالمي تكشف عن زيادة حادة في النفور من المخاطر بين المستثمرين.

إضافة إلى ذلك، فإن انهيار أسعار النفط والسلع يقلل من قيمة العديد من صادرات الأسواق الناشئة؛ وبالتالي يؤثر على وصول هذه الدول إلى الدولارات.

وفي حالة الإكوادور الأكثر تطرفا، وإن لم تكن فريدة، فقد تم ترجمة هذه المخاطر إلى "فارق سيادي" يقترب من 40 نقطة مئوية.

وأخيرا، كان النمو الاقتصادي في الصين محركا مهما (من خلال القروض) لأكثر من 100 دولة نامية منخفضة إلى متوسطة الدخل في العقد الماضي. وبالتالي، فإن سلسلة البيانات الاقتصادية الصينية الضعيفة في أوائل عام 2020 تثير احتمال انخفاض القروض الخارجية بشكل كبير.

ولم يشهد العالم منذ الثلاثينيات من القرن الماضي أن تواجه الاقتصادات المتقدمة والناشئة معا مزيجا من انهيار التجارة العالمية، وانخفاض أسعار السلع العالمية، والانكماش الاقتصادي، كل ذلك بشكل متزامن.

وصحيح أن جذور الصدمة الحالية مختلفة إلى حد كبير، وكذلك تختلف الاستجابة السياسية، لكن سياسات الإغلاق والتباعد لأجل إنقاذ الأرواح تحمل أيضا تكلفة اقتصادية باهظة.

وربما تتطور حالة الطوارئ الصحية إلى أزمة مالية هائلة. ومن الواضح أن هذه هي اللحظة التي ينتظرها ويخشاها الجميع بالنسبة لصناع السياسات المالية والنقدية.

المصدر | كارمن رينارت/بروجكت سنديكيت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد