السبت 28 مارس 2020 09:15 ص

عطل تفشي وباء "كورونا" كلا من العرض والطلب في جميع أنحاء العالم. ولا تعد مصر بالطبع محصنة ضد احتمالات الركود الناجمة عن التوقف المفاجئ في سلاسل التوريد، والانخفاض الحاد في الطلب، محليا وعالميا؛ نتيجة للانتشار السريع للفيروس.

ويظهر التراجع في النشاط الاقتصادي بشكل أوضح في بلد يتبنى تدابير مالية جديدة ويشهد زيادة في الإنفاق العام على مشاريع البنية التحتية الرئيسية مثل مصر.

ونجحت هذه السياسات بينما كان الاقتصاد قويا، لكن حان الوقت للنظر في استراتيجيات جديدة لتعزيز القطاع الخاص؛ حيث تواجه الحكومة المصرية بعض القرارات الصعبة.

وتبنت الحكومة برنامجا إصلاحيا طموحا بدءا من 2016، تضمن تحرير قيمة العملة ورفع الدعم الحكومي على مراحل.

واقترن تنفيذ هذه الإصلاحات بمعدل تضخم مرتفع. نتيجة لذلك؛ تقلص الدخل المتاح، وضعف طلب المستهلكين في السوق المحلية.

  • علامات تحسن أوائل 2020

ورغم الانخفاض في جانب الطلب، إلا أن الاقتصاد المصري أظهر علامات تحسن كبيرة في بداية هذا العام. وكان معدل نمو الناتج القومي الإجمالي في مصر 5.6% في السنة المالية 2018-2019، واستقرت البطالة عند نحو 8%، في حين انخفض التضخم إلى أرقام أحادية وبدا أنه تحت السيطرة.

ووفقا للبنك المركزي المصري، انخفض معدل التضخم السنوي بالنسبة لأسعار المستهلك من 7.2% في يناير/كانون الثاني 2020 إلى 5.3% في فبراير/شباط. واكتسب الجنيه المصري قوة ثبات أمام الدولار عام 2019، وتم اعتباره أحد أفضل العملات أداءً في العالم لهذا العام.

إضافة إلى ذلك، وصلت التحويلات من المغتربين المصريين العاملين في الخارج إلى 26.6 مليار دولار في عام 2019؛ ما جعل مصر خامس أكبر دولة متلقية للتحويلات في العالم، وفقا للبنك الدولي، وتعد التحويلات مصدر دخل مهم للعديد من المصريين.

وشهد العام الماضي، أيضا، انتعاش صناعة السياحة، وهي ركيزة أساسية للاقتصاد المصري. ويضم قطاع السياحة نسبة كبيرة من العمالة ويدر العملات الأجنبية مع عائدات بلغت 12.4 مليار دولار في السنة المالية 2018-2019.

وشهدت عائدات السياحة ارتفاعا من 3.93 مليارات دولار في الربع الأول من السنة المالية 2018-2019 إلى 4.19 مليارات دولار في الربع الأول من السنة المالية 2019-2020.

  • تحديات خطيرة في الأفق

وفي حين أنه من السابق لأوانه قياس التأثير الاقتصادي الكلي الذي سيحدثه تفشي "كورونا" على الاقتصاد العالمي، وكذلك على الاقتصادات المحلية، إلا أن هناك بعض المجالات التي من المحتمل أن تواجه فيها مصر تحديات خطيرة.

وسيؤثر تعطل سلاسل التوريد سلبا على الصناعات التي تعتمد على الواردات من الصين والأسواق الأجنبية الأخرى، وبالتالي سيؤثر ذلك سلبا على مستويات الإنتاج للسوق المحلية وكذلك للصادرات.

وسيكون لانخفاض التجارة الدولية آثار سلبية على الإيرادات من قناة السويس، التي بلغت 5.8 مليارات دولار في عام 2019.

وتكافح دول الخليج الغنية بالنفط مع التأثير الاقتصادي لتفشي الفيروس بالنظر إلى انخفاض الطلب على النفط، خاصة من الصين، فضلا عن الانخفاض الحاد الأخير في الأسعار الناجم عن النزاع بين السعودية وروسيا مع تداول خام برنت بسعر أقل من 30 دولارا للبرميل.

وسيؤدي ذلك إلى تشديد السياسات الاقتصادية في دول الخليج، وقد يتطلب الأمر تخفيض الأجور وتسريح العمالة الوافدة؛ما قد يؤثر بدوره على تحويلات المصريين الوافدين، الذين يمثلون نسبة عالية من القوى العاملة في الخليج.

ومن غير المرجح أن تشهد صناعة السياحة انتعاشا حتى الموسم المقبل في ضوء قيود السفر المستمرة والأثر النفسي المستمر للمخاطر الصحية المرتبطة بالسفر الدولي.

ومن المحتمل أن تنتقل أزمة الطلب على المستويين العالمي والمحلي إلى ركود يؤثر على الاستثمارات المحلية والعمالة.

إضافة إلى ذلك، في ضوء عدم اليقين العالمي حول الوضع الحالي، والدور المتزايد الذي من المنتظر أن تلعبه الحكومات في حماية اقتصاداتها، قد تجد دول مثل مصر صعوبة أكبر في الحصول على التمويل اللازم لدعم اقتصادها.

وربما لا تكون المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي قادرة على التعامل مع الطلبات الضخمة التي من المحتمل أن تنشأ نتيجة لهذه الأزمة؛ بالنظر إلى العدد الهائل من البلدان المتضررة.

  • الحاجة إلى تصرف حكومي

وتحسبا لهذه التحديات، سارعت الحكومة المصرية إلى اتخاذ إجراءات تحفيزية. وأعلن البنك المركزي المصري في 16 مارس/آذار تخفيض الفائدة على الاقتراض بمقدار 3% لتحفيز الصناعة وزيادة الطلب، بينما زاد من حدود الائتمان للشركات لدعم رأس المال العامل ودفع الرواتب.

وخوفا من "الدولرة"، وتخفيفا للضغوط المتوقعة على العملة، تقدم البنوك العامة شهادات إيداع جديدة بفائدة 15% لمدة عام واحد، وهي متاحة فقط عبر الإنترنت دون الحاجة إلى الذهاب شخصيا إلى البنك.

علاوة على ذلك، أصدر البنك المركزي المصري تعليماته لجميع البنوك بتوفير فترة سماح مدتها 6 أشهر لجميع القروض كأداة طارئة لتخفيف العبء على السكان والقطاع الخاص.

كما أعلنت الحكومة عن الإجراءات التالية:

1- تخصيص 100 مليار جنيه مصري لمكافحة الفيروس.

2- تخفيض سعر الغاز الطبيعي والكهرباء للصناعات.

3- الإفراج الفوري عن متأخرات دعم الصادرات.

4- تقديم الدعم لصناعة السياحة والعقارات من خلال مبادرات التمويل المصرفي.

ومع تغير العالم في أعقاب جائحة "كورونا"، أمام مصر فرصة لتنفيذ بعض الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد من خلال تعزيز ثقة القطاع الخاص المحلي، وكذلك التحرك بوتيرة أسرع لتعزيز التحول التكنولوجي، خاصة في مجال الرعاية المالية والصحية.

وبناءً على ما نراه على الصعيد العالمي، من المرجح أن تواجه مصر بعض التحديات الصحية والتحديات الاقتصادية الخطيرة في الأيام المقبلة. ومن المهم أن تتصرف بسرعة وبطريقة خلاقة للتخفيف من حدتها.

المصدر | ياسر النجار/معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد