السبت 28 مارس 2020 12:27 م

أمرت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" القادة العسكريين بالتخطيط لتصعيد القتال في العراق، وأصدرت تعليمات الأسبوع الماضي للتحضير لحملة تدمير ميليشيا "كتائب حزب الله" المدعومة من إيران، والتي سبق أن هددت بمزيد من الهجمات ضد القوات الأمريكية.

لكن قائد قوات التحالف الدولي في العراق حذر من أن مثل هذه الحملة قد تكون دموية وتؤدي إلى نتائج عكسية وتهدد بالحرب مع إيران.

وفي مذكرة شديدة اللهجة، كتب القائد العسكري "روبرت وايت"، الأسبوع الماضي، أن الحملة العسكرية الجديدة ستتطلب أيضًا إرسال آلاف القوات الأمريكية الأخرى إلى العراق وتحويل الموارد بشكل مختلف عما كانت عليه المهمة العسكرية الأمريكية الرئيسية هناك وهي: تدريب القوات العراقية على محاربة تنظيم "الدولة".

ويأتي توجيه "البنتاجون" ورد فعل الجنرال "وايت" -وكلاهما اتصالات عسكرية داخلية سرية التبادل- وسط خلاف محتدم داخل إدارة "ترامب" حول السياسة تجاه إيران ومسار الحرب الأمريكية في العراق، الذي بدأ قبل أكثر من 17 عاما.

وكان بعض كبار المسؤولين، بمن فيهم وزير الخارجية "مايك بومبيو" ومستشار الأمن القومي "روبرت سي أوبراين"، يضغطون من أجل عمل عسكري جديد ضد إيران ووكلائها، ويرون وجود فرصة لتدمير الميليشيات المدعومة من إيران في العراق خاصة أن القادة في إيران مشغولون بسبب أزمة وباء "كورونا" في بلادهم.

فيما كان القادة العسكريون الأمريكيون، بما في ذلك وزير الدفاع "مارك إسبر" ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال "مارك ميلي"، قلقين من التصعيد العسكري الحاد، ومحذرين من أنه قد يزيد من زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط في وقت كان فيه الرئيس "ترامب" يأمل في تقليص عدد القوات الأمريكية في المنطقة.

ومع ذلك، قال المسؤولون الأمريكيون إن "إسبر" أذن بالتخطيط لحملة جديدة داخل العراق مع تقليل عدد القوات المرصودة لمكافحة الإرهاب هناك لتوفير خيارات للرئيس "ترامب" في حالة تصعيد الميليشيات المدعومة من إيران هجماتها ضد القوات الأمريكية.

وخلال اجتماع المكتب البيضاوي في 19 مارس/آذار، لم يتخذ "ترامب" أي قرار بشأن الحملة الجديدة في العراق، لكنه أمر باستمرار التخطيط، وفقا لمسؤولين أمريكيين.

ورفض متحدث باسم مجلس الأمن القومي التعليق. وقالالمتحدث باسم "البنتاجون"، "شون روبرتسون"، في بيان: "القوات الأمريكية موجودة في العراق بدعوة من الحكومة العراقية وتظل تركز على الشراكة مع قوات الأمن العراقية من أجل الهدف المشترك المتمثل في هزيمة فلول تنظيم الدولة بشكل دائم. ولن نناقش الافتراضات أو المداولات الداخلية".

ويجري النقاش في الوقت الذي يعرب فيه كبار المسؤولين في "البنتاجون" وكبار القادة في جميع أنحاء العالم عن مخاوف متزايدة بشأن حالات "كورونا" المتزايدة؛ مما قد يهدد قدرة الجيش على إرسال قوات جاهزة للقتال.

وقال العديد من المسؤولين الأمريكيين إنهم صُدموا بالنبرة الحادة لمذكرة الجنرال "وايت" التي أُرسلت في 16 مارس/آذار، بعد يوم من تلقيه تعليمات "البنتاجون" لبدء التخطيط والتي قالوا إنها أكدت التكاليف والمخاطر ضد محاولة تدمير ميليشيا "كتائب حزب الله".

وأشارت المذكرة أيضا إلى أن مثل هذه الحملة قد تخالف الاتفاق الحالي مع الحكومة العراقية الذي يسمح للقوات الأمريكية بالعمل في البلاد.

ومن المرجح أن تضع تلك الحملة القيادة العراقية في موقع الاضطرار إلى الاختيار بين حلفائها الأمريكيين والإيرانيين.

وقال "كريم النوري"، وهو شخصية بارزة في "منظمة بدر"، وهي ميليشيا مدعومة من إيران: "لا يمكن أن يكون العراق ضحية للصراع بين الإيرانيين والأمريكيين؛ لأن ذلك سينتهي لصالح إيران"، ما يعني أن الحملة الأمريكية ستجبر العراق على الاقتراب من إيران.

ولطالما استخدمت إيران الميليشيات الشيعية في العراق كقوات بالوكالة لمحاربة القوات الأمريكية والعراقية وممارسة النفوذ السياسي داخل الحكومة. وقال العديد من المتخصصين الإقليميين إن "كتائب حزب الله" العراقي، مثل "حزب الله" اللبناني، لها مكونات عسكرية وسياسية على حد سواء، ولها روابط بالسياسيين والشركات والمؤسسات الخيرية والشبكات الأخرى.

وقال "مايكل نايتس"، المحلل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي درس تلك المليشيا لأكثر من عقد من الزمان: "إنها مثل حكومة الظل".

ونتيجة لذلك؛ فإن تنفيذ أي خطة واسعة النطاق لتدمير "كتائب حزب الله" يشكل مخاطر سياسية وأمنية ضخمة لإدارة "ترامب"، وتحديات لعملية للجيش.

كما أن هذه الحملة من شأنها أن تجهد العلاقات المتوترة بالفعل مع الحكومة المركزية الضعيفة في العراق؛ حيث دعا أعضاء البرلمان العراقي في يناير/كانون الثاني إلى إخراج جميع القوات الأمريكية في البلاد بعد غارة لطائرات أمريكية بدون طيار على مطار بغداد الدولي قتلت قائد "فيلق القدس" الجنرال الإيراني "قاسم سليماني"، وكذلك "أبومهدي المهندس"، الزعيم الفعلي لجماعات الميليشيات العراقية.

وحث العديد من كبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم "بومبيو" والجنرال "ميلي"، قوات الأمن العراقية على قمع الميليشيات الشيعية المارقة التي تهاجم القوات الأمريكية، وإلا ستضطر الولايات المتحدة إلى الانتقام.

وأمرت تعليمات "البنتاجون" المخططين في القيادة المركزية للجيش وفي العراق بوضع استراتيجية لتفكيك عمليات "كتائب حزب الله"، وذلك وفقا لعدد من المسؤولين الأمريكيين الذين رأوا الأمر أو أطلعوا عليه.

وقالت التعليمات إن القوات شبه العسكرية الإيرانية (الحرس الثوري) يمكن أن تكون أهدافا مشروعة إذا كانت موجودة مع مقاتلي "كتائب حزب الله".

وقتلت هجمات "كتائب حزب الله" الصاروخية جنديين أمريكيين وجنديا بريطانيا في قاعدة عسكرية هذا الشهر؛ ما جلب ضربة انتقامية شنتها الطائرات الحربية الأمريكية بعد ذلك بيوم واحد.

ومع ذلك، قال مسؤولون أمريكيون إنه لا يوجد دليل قاطع على أن إيران أمرت بالهجوم الذي نفذته الميليشيا. لكن "بومبيو" ومسؤولين كبار آخرين طالبوا في الأسابيع الأخيرة بعمل عسكري، ليس فقط ضد "كتائب حزب الله"، لكن أيضًا ضد القوات العسكرية الإيرانية.

وخلال اجتماع في البيت الأبيض في 12 مارس/آذار، اقترح "إسبر" والجنرال "ميلي" ردا أكثر محدودية على الهجمات الصاروخية  وهو الرأي الذي أيده "ترامب"؛ حيث أمر بغارات ليلية على 5 مستودعات أسلحة مشتبه بها في العراق تستخدمها "كتائب حزب الله".

وقال العديد من المسؤولين الأمريكيين إن هناك حاجة ملحة للتخطيط لخيارات حيال الهجوم ضد "كتائب حزب الله"؛ حيث هددت الجماعة، ربما مع الميليشيات الشيعية الأخرى، بتكثيف الضربات ضد القوات الأمريكية المتمركزة في القواعد العراقية بعد احتفالات "عيد النوروز" في إيران.

وكشفت وكالات المخابرات العسكرية الأمريكية أن هجمات كبيرة قد تكون قيد التنفيذ، وفقا لمسؤول عسكري أمريكي كبير تم إطلاعه على بعض خطط الطوارئ في العراق.

والأربعاء، طلبت "كتائب حزب الله"، في بيان، من مقاتليها الاستعداد لهجمات محتملة من الولايات المتحدة، وهددت بالانتقام من الأمريكيين وأي عراقي يساعدهم. وقال البيان: "سنرد بكل قوة على جميع منشآتهم العسكرية والأمنية والاقتصادية".

وقال "نايتس" إن الأهداف المباشرة لحملة "البنتاجون" ضد "كتائب حزب الله" ستكون على الأرجح قيادة الجماعة وقواعدها ومستودعات الأسلحة، إضافة إلى مجموعة واسعة من الصواريخ.

ويعتقد أن المليشيا لديها إمكانية الوصول إلى ترسانة خفية من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى التي نقلتها إيران إلى العراق على مدى الأشهر العديدة الماضية، وفقا لمصادر في المخابرات الأمريكية ومسؤولين عسكريين.

ويمكن لحملة موسعة أن تضرب أهداف الميليشيات عبر مساحات واسعة من العراق وسوريا، وربما ميليشيات شيعية أخرى في العراق متحالفة بشكل فضفاض مع "كتائب حزب الله". وقال "نايتس": "لا يمكنك ضرب المقاتلين العاديين فقط، يجب أن تضرب القيادة، ومعظمهم قد تفرقوا".

في الوقت نفسه، قال المسؤولون الأمريكيون إن المخاطر المنصوص عليها في مذكرة الجنرال "وايت" حقيقية، ويعتقد بعض المخططين العسكريين أنه سيكون من الحماقة أن تصعد إدارة "ترامب" العمليات العسكرية داخل العراق في أي وقت قريب.

يتمركز أكثر من 5000 جندي أمريكي حاليًا في العراق، ومعظمهم جزء من مهمة تدريب وتقديم المشورة لقوات الأمن العراقية في المهمة ضد تنظيم "الدولة". وكان مسؤولو "البنتاجون" يسعون إلى تقليص هذا الوجود إلى حوالي 2500 جندي في الأشهر المقبلة.

ومن المرجح أن تستمد أي حملة ضد "كتائب حزب الله" دعما من حوالي 70 ألف فرد عسكري أمريكي منتشرين حاليًا في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك في السعودية ودول الخليج الأخرى. وقد دخل أكثر من 14 ألف من تلك القوات إلى المنطقة منذ مايو/أيار الماضي وسط تصاعد التوترات مع إيران.

كما أرسل "البنتاجون" بطاريات "باتريوت" للدفاع الجوي، وقاذفات "B-52"، وطائرات بدون طيار مسلحة، وغيرها من أفراد الهندسة والدعم.

وقال مسؤول عسكري أمريكي كبير إن القادة ما زالوا يسارعون في إرسال المزيد من بطاريات "باتريوت" والأسلحة الأخرى إلى العراق، لكنهم لا يزالون على بعد أسبوع أو أسبوعين من وجود أنظمة دفاعية إضافية هناك.

وفي الأسابيع الأخيرة، مع تزايد التهديد من هجمات الميليشيات والتعرض لفيروس "كورونا"، قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بتسليم قواعد التحالف لنظرائهم العراقيين.

وقال قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال "كينيث ماكنزي"، في حديث للصحفيين في اليوم التالي لضرب الولايات المتحدة لمستودعات أسلحة لـ"كتائب حزب الله" هذا الشهر، إن التهديد من إيران ووكلائها لا يزال "مرتفعا للغاية". وأضاف أن "التوترات لم تنخفض منذ أن قتلت الولايات المتحدة الجنرال سليماني".

بينما يقول المسؤولون الأمريكيون إنه ليس لديهم دليل واضح على أن إيران وجهت بشكل محدد الهجوم القاتل على معسكر "التاجي" في 11 مارس/آذار، إلا أنهم يقولون إن "كتائب حزب الله" و"فيلق القدس" الإيرانية تنسق أعمالها بشكل وثيق.

وقال الجنرال "ماكنزي" إن الولايات المتحدة مستعدة لضرب مواقع تخزين أسلحة إضافية للميليشيات وأهداف أخرى إذا استمرت الهجمات ضد القوات الأمريكية. وحمّل "كتائب حزب الله" مسؤولية 10 هجمات صاروخية ضد القوات الأمريكية المتمركزة في العراق في الأشهر الستة الماضية.

وأشار "إسبر"، الأربعاء، إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن ترد بشكل أكبر على الهجمات الصاروخية للميليشيا، لكنه لم يقدم تفاصيل.

وأضاف، في مقابلة مع قناة "إن بي آر" المحلية: "أنت لا تقتل أو تجرح الأمريكيين ثم تفلت من العقاب.. سنرد في الوقت والمكان والطريقة التي نختارها. سنحاسبهم ".

المصدر | مارك مازيتي وإريك شميت/نيويورك تايمز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد