الأحد 29 مارس 2020 03:17 م

كان آخر من انضم إلى جوقة حلفاء الجنرال الليبي "خليفة حفتر"، الذي يهاجم العاصمة طرابلس منذ نحو عام، هو رئيس النظام السوري "بشار الأسد".

وتم إضفاء الطابع الرسمي على هذا التحالف خلال الفترة الماضية بافتتاح "سفارة ليبية" في دمشق، وتشكلت هذه الشراكة الغريبة دون تعليق من أي من أطراف المجتمع الدولي، ويبدو أن ما يحدث في ليبيا لم يعد يعني أي جهة.

ولا تعد ليبيا الحرب المنسية في الشرق الأوسط، بل الحرب التي تم تجاهلها، وبعد أن احترقت لمدة 5 أعوام حتى الآن، انهارت البلاد بالكامل تقريبا، وهو وضع كان يمكن أن يمنعه الحد الأدنى من الإرادة السياسية الحكيمة لأي من الفاعلين الدوليين.

وحتى هجوم طرابلس غير المبرر كان كافيا لإثارة رد فعل من حكماء العالم، وفي الأسبوع الماضي، كان هناك بيان من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وتونس والجزائر وآخرين يدعو الأطراف المتحاربة هناك إلى هدنة للسماح للبلاد بمعالجة ملف تفشي فيروس "كورونا" "كوفيد-19".

لكن للأسف، لا تزال طرابلس مسرحا للحرب، ولا يزال أكثر من مليوني شخص في المدينة يعانون من القصف اليومي، وانقطاع الكهرباء بسبب حصار النفط، والتهديدات بقطع إمدادات المياه.

وطوال الوقت تستخدم الأطراف المهاجمة لطرابلس كلمة "حلب" لوصف المدى الذي هم عازمون على الذهاب إليه للفوز في هذه المعركة.

واتسعت الحرب التي كان صانعو السياسات يحذرون من تداعياتها في منطقة ملتهبة، حيث امتدت تأثيراتها الآن لنقاط ساخنة قريبة مثل شرق البحر الأبيض المتوسط، ويبدو من المرجح انتشارها أكثر.

وتبدو أوروبا غير مهتمة بالفوضى وعدم الاستقرار المشتعلين على عتبة بابها، وسمحت أوروبا لليبيا بأن تصبح المسرح الرئيسي في العالم لحرب الطائرات بدون طيار، مع إدخال الإمارات ومصر طائرات بدون طيار صينية الصنع إلى ميدان حرب الشرق الأوسط.

وأظهرت هذه التطورات أن الطائرات الصينية بدون طيار، بالإضافة إلى معدات أخرى مثل المدفعية الموجهة، هي البديل الرخيص والفعال للحرب بالوكالة.

ويعد هذا الأمر رمزيا للغاية بالنسبة لمستقبل انتشار الأسلحة والتحديث التكنولوجي الذي من المقرر أن تشهده الصراعات الإقليمية الأصغر.

وبوجود مقاتلين نشطين لدى مقاولين عسكريين خاصين مثل مجموعة "فاجنر" الروسية، إضافة إلى الجماعات المتمردة من تشاد وسوريا، وأولئك من السودان الذين تمدحهم الصحافة الإماراتية، ناهيك عن كثرة فرق القوات الخاصة و"المستشارين العسكريين"، فسوف تكون هذه ديناميكية لها عواقب وخيمة لعقود قادمة.

ويجب أن يمثل ما يحدث في ليبيا درسا للجميع حول ما سيبدو عليه المستقبل في الوقت الذي تعمل فيه القوى الوسيطة في ظل غياب أي قوى قادرة على موازنة الأمور، والتي لا تزال قصيرة النظر بحيث لا تستطيع تقديم حلول ذات مصداقية وفعالية.

وفي جوهرها، كانت الحرب في ليبيا مدفوعة بتطلعات القوى الإقليمية، وتفسر هذه الديناميكية لماذا يتدهور الوضع بسرعة كبيرة، ولماذا يغض الغرب الطرف عن هذه التطورات.

ويعد "حفتر" الوجه المحلي لمشروع إقليمي تقوده أبوظبي، ويأتي اعتداؤه على العاصمة تتويجا للخطط التي بدأت في 2014، ليتبع خطى الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي".

وتعتبر هذه محاولة فجة لعكس عقارب ساعة الربيع العربي، وبالرغم من أن المرء لا يستطيع التكهن بالمنطق الذي يقف وراء تلك المحاولات، لكن الطموح الإماراتي واضح للجميع.

لكن ليبيا ليست مصر، ولم يؤدِ دفع "حفتر" لتسريع خطواته في ليبيا إلا إلى رد فعل من تركيا، التي تصر على أنها لن تسمح للإمارات بإعادة تشكيل المنطقة وفق تصورها الخاص.

ويندلع هذا التنافس الخطير عند تقاطع مهم بين العالمين العربي والأفريقي، وينبغي أن يكون بمثابة تنبيه إلى أولئك الذين تكمن مصالحهم في الاستقرار.

ولسوء الحظ، فإن أولئك الذين يدركون الحاجة إلى تغيير جذري في منطقة الشرق الأوسط معزولون عن الأمر.

وكانت الولايات المتحدة غائبة في عهد "دونالد ترامب"، الذي لن يخاطر بالعلاقات مع "ديكتاتوره المفضل" أو الإمارات، بينما يوجه أنظاره بالكامل نحو إيران.

وفي الوقت نفسه، اعتمدت أوروبا على الولايات المتحدة لفترة طويلة حتى ضمرت عضلاتها السياسية الخارجية، وبالرغم من الجهود التي بذلتها ألمانيا لخلق إجماع دولي حول ليبيا، لكن هناك الكثير مما لا يمكنها القيام به بمفردها.

وبالرغم من ادعاءات إنشاء لجنة جيوسياسية، تفتقر دول الاتحاد الأوروبي إلى الوحدة والإرادة والدهاء للتعامل مع دول الخليج والمجازفة بالشراكات الاقتصادية المربحة بسبب وضع لم يصبح بعد أزمة وجودية بالنسبة لها.

وإذا استمر وضع ليبيا كحرب يتم تجاهلها، فإن التكلفة الإنسانية سترتفع بشكل كبير، وستستمر عدوى عدم الاستقرار في الوصول إلى مناطق لا يمكن احتواؤها.

وإذا كانت الحرب المأساوية في سوريا تنبئنا كيف استغلت القوى الأخرى المساحة التي خلفتها الولايات المتحدة، وإذا رمزت حرب اليمن إلى تحول الديناميكيات الغربية الخليجية، فإن ليبيا هي الصراع الذي يجمع الاتجاهات الجيوسياسية البارزة طوال العقد الماضي لإضفاء الطابع الرسمي على الواقع المرير الذي نحن (الغرب) السبب الأكبر في تعثره، ولا نزال نفتقر للحكمة في معالجته.

المصدر | طارق مقريزي | الجارديان - ترجمة وتحرير الخليج الجديد