الاثنين 30 مارس 2020 07:31 ص

"سوريا العربية الشقيقة لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة".. رسالة كتبها ولي عهد أبو ظبي، "محمد بن زايد"، عبر حسابه على"تويتر" الجمعة الماضي، تثير التساؤل حول ما إذا كانت موجهة إلى الشعب السوري المذبوح، أم إلى نظام "الأسد"، الذي بيده السكين.

بعد اندلاع الثورة السورية ضمن موجة الربيع العربي، أغلقت دولة الإمارات سفارتها في دمشق عام 2012، لتعيد افتتاحها بعد ست سنوات، في ديسمبر/كانون الأول 2018، رغم تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، في خطوة اعتبر خبراء أنها تمثل خروجًا على الإجماع العربي.

لكنّ الاتصال الثنائي بين ولي عهد أبو ظبي، الحاكم الفعلي للإمارات، ورئيس النظام السوري، "بشار الأسد"، يؤكد استمرار الإمارات في خياراتها السياسية المعروفة بالعداء لثورات الربيع العربي.

دعمت الإمارات في مصر، عام 2013، الانقلاب العسكري على الرئيس الشرعي المنتخب، "محمد مرسي"، وفي ليبيا تدعم سياسيًا وعسكريًا، وبشكل علني، قوات اللواء المتقاعد المتمرد، "خليفة حفتر"، في قتاله ضد حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليًا.

وأما في سوريا، فإن قادة المعارضة السورية يتحدثون عن انتقال "محمد بن زايد" من مرحلة الدعم الخفي إلى الدعم المعلن لنظام "الأسد"، بعد إعادة فتح سفارة أبو ظبي في دمشق.

وفي الحقيقة، فإن النظام السوري يعاني من تراكمات الحرب الأهلية المستمرة منذ تسع سنوات والعزلة الدولية، خاصة ضمن محيطه العربي والإقليمي.

المعلن في اتصال ولي عهد أبو ظبي برئيس النظام السوري، هو وقوف الإمارات إلى جانب الشعب السوري، في مواجهة الأزمة العالمية الناتجة عن تفشي وباء فيروس "كورونا المستجد".

لكنَّ مراقبون يرون أن مساعدة "الشعب السوري" يمكن أن تكون عبر بوابات أخرى، غير البوابة التي اختارتها الإمارات.

وسبق لدولة الإمارات أن رفضت، في أكتوبر/تشرين الأول 2015، طلبًا سعوديًا للتوقيع على بيان أصدرته سبع دول هي، السعودية وقطر وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، تطالب فيه روسيا بوقف عملياتها العسكرية في سوريا.

ولم تعترض الإمارات على التدخل العسكري الروسي الداعم لنظام "الأسد" في سوريا، منذ عام 2015، على العكس من الدول العربية الأخرى، ومنها السعودية، الحليف الأقرب للإمارات، والتي عارضت رسميًا هذا التدخل العسكري.

في قراءة للمصالح الإماراتية في إعادة علاقاتها مع النظام السوري، وانتقال الدعم متعدد الجوانب إلى الشكل المعلن، تبدو ثمة عوامل عدة، منها أن الإمارات لم تكن مُصرة على إسقاط أو تغيير النظام السوري، خلافًا للموقف الواضح للدول العربية والمجتمع الدولي ضد انتهاكات النظام السوري، واستخدامه القوة المفرطة ضد المتظاهرين، قبل انتقال الصراع إلى طابعه العسكري، واستخدام قوات النظام القصف الجوي العشوائي والأسلحة الكيميائية، واعتقال أكثر من 300 ألف سوري مناهضين لسياسات رئيس النظام، "بشار الأسد".

ويعتقد خبراء أن هناك خلافات جدية بين حكومتي أبو ظبي ودمشق حول ما يتعلق بإيران و"حزب الله" اللبناني، لكن هذه الخلافات لم تشكل دافعًا لتتبنى الإمارات موقفًا مؤيدًا للإطاحة بالنظام السوري، فيما يبدو أنها تخوفات من أن يكون لحركات الإسلام السياسي الدور الأكبر في سوريا ما بعد "بشار الأسد"، وهو ما يتعارض مع الاستراتيجيات الإماراتية في العداء والحرب على تلك الحركات، سواء في سوريا أو ليبيا أو مصر أو غيرها.

لذلك تجد الإمارات أنها مستعدة لإعادة القبول بشرعية رئيس النظام السوري، الذي تنظر إليه كقوة حاسمة في مواجهة حركات الإسلام السياسي، التي تعاديها الإمارات.

ويرى مراقبون أن الإمارات تقود ما بات يعرف باسم "الثورة المضادة" لإجهاض ثورات الربيع العربي، في سياق سياساتها المعادية لحركات الإسلام السياسي، التي اضطلعت بالدور الأكبر في قيادة وتوجيه تلك الثورات، التي شملت تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.

وبالإضافة إلى ذلك، تتبنى الإمارات سياسات إقليمية "مناهضة" للسياسات التركية والقطرية في ليبيا وسوريا وغيرهما، من خلال دعم قوى "الثورة المضادة"، وتجنيد المرتزقة، ودعم التدخل العسكري الروسي بجانب قوات النظام السوري.

وتشهد العلاقات بين تركيا والإمارات توترات عميقة؛ بسبب الملفات الخلافية المتعلقة بالموقف التركي من الأزمة الخليجية، والسياسات الإماراتية في ليبيا وسوريا المناهضة للعمليات العسكرية التركية في سوريا، ووقوف تركيا بجانب حكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دوليًا، إضافة إلى الاتهامات التي توجهها تركيا إلى الإمارات بالتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة زعزعة الأمن والاستقرار، والدور التخريبي في القطاع الاقتصادي، خاصة تلك الحملة المنظمة التي استهدفت "الليرة" التركية، وأدت إلى هبوط أسعار صرفها مقابل العملات الأجنبية.

وتلعب الإمارات دورًا في الدعاية المضادة الموجهة ضد تركيا والدور التركي المُرحب به شعبيًا ورسميًا في عدد من الدول العربية، التي تشهد نزاعات مسلحة وأزمات إنسانية، حيث تساهم الجهات التركية المعنية في مد يد المساعدة لشعوب تلك الدول.

ويتركز الدور الإماراتي على دفع المزيد من الأموال لناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات فضائية ومواقع إلكترونية ومؤسسات بحثية وإعلامية في كل من الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وشكل التدخل الإماراتي "المباشر" عبر الدعم المالي لمنظمة "جولن" لتنفيذ انقلاب (15 يوليو/ تموز 2016) على حكومة الرئيس التركي، "رجب طيب أردوغان"، محطة فارقة في العلاقات الثنائية بين البلدين.

والمحطة الأخرى، التي لا تقل أهمية عن محاولة الانقلاب الفاشلة، والتي زادت من حدة التوترات في العلاقات بين البلدين، هي وقوف تركيا، بعد الأزمة الخليجية في 5 يونيو/حزيران 2017، بجانب دولة قطر، لمواجهة الحصار الاقتصادي والدبلوماسي، الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر، إضافة إلى الدعم التركي العسكري للدوحة، الذي يُنظر إليه على أنه العامل الأهم في تراجع الدول الأربعة عن تنفيذ عمل عسكري ضد قطر، أشار إليه أمير الكويت خلال زيارته للولايات المتحدة، في يوليو/تموز 2018.

كثيرًا ما أشارت تقارير غربية إلى دور إماراتي ما في المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي شهدتها تركيا في 2016، وتحدثت تقارير أخرى عن دور مباشر لرجل الأمن الفلسطيني، "محمد دحلان"، الذي يعمل مستشارًا لدى ولي عهد أبو ظبي.

وتحدثت الجهات التركية المسؤولة، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عن إصدار "مذكرة حمراء" بحق "دحلان" لدوره في محاولة الانقلاب الفاشلة، عبر تمويل منظمة "جولن"، المسؤول عن المحاولة الانقلابية الفاشلة.

وسبق أن أدلى وزير الخارجية التركي، "مولود جاويش أوغلو"، بتصريح قال فيه إن "دولة مسلمة مولت بثلاثة مليارات دولار محاولة الانقلاب في تركيا"، مشيرًا إلى أنه علم بعد ذلك بأن تلك الدولة هي الإمارات.

لذلك، تدرك أنقرة حقيقة السعي الإماراتي لـ"إثارة البلبلة وزرع الفتنة وإلحاق الضرر بتركيا وإثارة الفوضى فيها"، حسب تصريح لوزير الداخلية التركي، "سليمان صويلو"، لقناة "الجزيرة"، في 16 فبراير/شباط الماضي.

وتعتقد الإمارات أن السياسات التركية في الشرق الأوسط عمومًا تشكل تهديدًا جديًا لمصالحها ولمصالح الدول الحليفة لها، وتهديدًا للدور الإماراتي الطامح إلى فرض النفوذ في دول عدة بالمنطقة وفي شمال إفريقيا والقرن الإفريقي، لذلك تجد نفسها في صدام مباشر مع تركيا في كل من سوريا وليبيا، بالإضافة إلى ما يتعلق بقطر والسودان وليبيا، لتمكين النفوذ الإماراتي في هذه البلدان.

وتأمل حكومة أبو ظبي أن ترى عودة سريعة لحكومة النظام السوري إلى الجامعة العربية، واستعادة دورها في المحيط العربي، لتشكيل ما يشبه جبهة مناهضة لتركيا ودورها الإقليمي "قد" تضم كلًا  من السعودية ومصر والبحرين إلى جانب سوريا، لتجاوز حالة الانقسام العربي في مواجهة تركيا، وليس لمواجهة إيران، التي تحتل ثلاث جزر إماراتية!.

المصدر | الأناضول