السبت 4 أبريل 2020 12:27 م

"ملتزمون بخفض التصعيد. نحن مستعدون لوقف إطلاق النار في كلّ الأراضي اليمنية إذا قبلوا".. بهذه الكلمات عبر سفير السعودية لدى اليمن "محمد آل جابر" عن اتجاه جديد تتبناه المملكة بهدف إنهاء الحرب مع جماعة أنصار الله (الحوثيين) رغم تبني الأخيرة تصعيدا عسكريا استهدف الرياض في 30 مارس/آذار الماضي.

ويحمل تصريح "آل جابر" دلالة خاصة؛ لأنه جاء مباشرة بعد قصف الحوثيين الرياض بصواريخ باليستية، في إطار ما وصفه الناطق العسكري باسم الحوثيين "يحيى سريع" بأنه "أكبر عملية عسكرية نوعية في بداية العام السادس للحرب في اليمن، استهدفت عمق العدو السعودي".

وبينما أعلن التحالف الذي تقوده السعودية صد صواريخ الحوثيين دون خسائر، ذكر "سريع" أن العملية العسكرية استهدفت مواقع حساسة في الرياض بصواريخ "ذو الفقار" وطائرات "صماد 3"، لافتاً إلى قصف أهداف اقتصادية وعسكرية في جازان ونجران وعسير بعدد من صواريخ "بدر" وطائرات "قاصف".

وأكد الحوثيون أنه سيتم الكشف عن تفاصيل "العملية العسكرية النوعية" خلال الأيام المقبلة، وتوعدوا "النظام السعودي" بعمليات موجعة ومؤلمة "إذا استمر في عدوانه وحصاره".

وفي ظل استمرار التقدم الميداني للحوثيين على عدد من المحاور اليمنية، واستمرار هيمنتهم على الشمال والعاصمة صنعاء، يطرح مراقبو الشأن اليمني علامات استفهام عديدة حول تغير موقف المملكة وتشبثها الشديد بالوصول إلى حل تفاوضي للأزمة، وهي التي ظلت ترفض أي مفاوضات مع الحوثيين على مدار السنوات الست الماضية.

أسباب متعددة

في هذا السياق، تنقل صحيفة "وول ستريت جورنال" عن الخبيرة بشؤون اليمن في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى "إيلينا دولوزييه"، قولها إن "السعودية لديها العديد من الأسباب التي تدفعها للسعي لإنهاء الحرب اليوم قبل الغد بأقل خسائر ممكنة".

أول هذه الأسباب هو الرئيس "هادي" نفسه، الذي بات ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره "غير قادر على حكم اليمن"، بعدما فقد السيطرة على الجنوب لصالح المجلس الجنوبي الانتقالي، وبخاصة في ظل الرفض الإماراتي لاستمراره في السلطة.

وإذا كان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 (عام 2015) هو الذي مكَّن "هادي" من الحفاظ على منصبه، حيث اعترف صراحةً بشرعية الرئيس اليمني، إلا أن مكتسبات الحوثيين على مدى السنوات التالية للقرار والنجاحات الأخيرة لهم في ساحة المعركة الميدانية تجعل من مطلب عودة "الشرعية" أمرا بعيد المنال.

وعليه، فلا حل بات ممكنا مع الحوثيين ولا توافق مع الإمارات بشأن اليمن في وجود "هادي"، وهو ما دفع المملكة للبحث عن حل جديد يقوم على عقد صفقة مع "الحوثيين" تؤمن حدود المملكة فقط، حسب تقدير "دولوزييه".

بخلاف ذلك، وفي ظل تضارب المصالح السعودية مع الإمارات في جنوب اليمن، فإن هناك مؤشرات على إمكانية قبول "أنصار الله" لعقد صفقة مع "المجلس الانتقالي الجنوبي" المتمركز في عدن.

وبذلك تتجه الحرب في اليمن إلى أن تصبح صراعا سعوديا حوثيا خالصا، خاصة بعد انسحاب معظم القوات الإماراتية، وفي ظل بروز "الانتقالي الجنوبي"، ذي النزعة الانفصالية، كقوة لا يستهان بها بفضل دعم الإمارات، التي دربت مقاتلي المجلس وقدمت له الدعم السياسي ما سمح له بتأمين موقعه في عدن، رغم معارضة حكومة "هادي".

وتعزز هذا النفوذ بشكل أكبر في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بتوقيع اتفاقية الرياض، التي أعطت الجنوب تمثيلًا متساويًا في حكومة وطنية مقرها عدن، كما ضمنت للمجلس وللمرة الأولى مكانًا في أي مفاوضات مستقبلية حول شكل اليمن ما بعد الصراع.

ويتعلق السبب الأخير بالتطورات الميدانية التي يشهدها الصراع في اليمن مؤخرا، حيث يستعد الحوثيون لشن هجوم بري على محافظة مأرب، آخر معقل لحكومة "هادي" في شمال اليمن، بما يعني سعيهم لاستعادة الأراضي التي احتلوها خلال المراحل الأولى من الحرب، قبل أن يضطروا للتخلي عنها لاحقا.

شروط المنتصر

ولذا تصف المحللة اليمنية "ندوى الدوسري" التصعيد العسكري الحوثي الأخير تجاه الرياض بأنه "تصعيد استراتيجي"، مشيرة إلى أن التطورات الأخيرة أغرت عناصر الحوثيين الأكثر تطرفًا للاستفادة من مكاسبهم الأخيرة على الأرض والسعي لإنهاء الحرب عسكريًا.

وإزاء ذلك، يواصل المفاوضون السعوديون جهودهم للتوصل إلى صيغة مع "الحوثيين" لتأمين الحدود الجنوبية للمملكة، والخروج بأقل خسائر من الحرب.

لكن يبدو أن بعض تفاصيل التفاوض لا تزال متعثرة، وهو ما عبر عنه تصعيد الأسابيع الأخيرة بعدما أسفرت المحادثات عن انخفاض العنف في أواخر عام 2019.

ومع تقدم القوات الحوثية البرية في مناطق شمال اليمن، والتي كانت تعتبر في السابق بعيدة المنال، عاد شبح الحرب ليهدد بابتلاع مناطق اليمن التي كانت حتى الآن هادئة نسبيًا.

ويرتبط التصعيد الحوثي بسعي الجماعة لفرض شروطها الخاصة في التفاوض مع السعودية، باعتبارها "الطرف المنتصر فعليا" حسب توصيف "ستيفن سيش" من معهد دول الخليج العربية بواشنطن، حيث يسعى الحوثيون لاستغلال انشغال السعودية في أكثر من ملف؛ وفي مقدمتها أزمة كورونا، والأزمة الاقتصادية بسبب صراعها النفطي مع روسيا.

وفي هذا الإطار، يصف الباحث في العلاقات الدولية "عادل المسني" وضع السعودية بأنه "مأزوم"؛ لأنها لا تستطيع شن عمليات واسعة حتى لا تنهار المشاورات وتعود لصداع الاستهداف المستمر من ناحية، كما تخشى المملكة أن صورتها ستبدو "أكثر توحشا" حال استمرت في شن الحرب في الوقت الذي يتفشى فيه فيروس "كورونا"، وفقا لما أورده موقع "الخليج أونلاين".

وسيكون "الحوثيون" في مثل هذه الظروف أقل ميلًا لتقديم تنازلات خلال التفاوض، مما يعقد جهود الرياض للخروج بحل يحفظ ماء وجهها، حسب تقدير "المسني".

وضع أفضل

لكن ما يحفظ ما تبقى من أمل سعودي في إيجاد تسوية هو أن الحوثيين يرون السعودية في وضع أفضل لتقديم ما يحتاج إليه اليمن على المدى الطويل من إيران المتعثرة بأزمة كورونا والضعيفة اقتصاديًا، حسبما يرى "سيش".

كما أن سكان صعدة، القاعدة الرئيسية التقليدية لـ"الحوثيين" في شمال غرب اليمن، كانوا على الدوام مرتبطين بالسعودية، وشكلوا على مدى أجيال جزءًا من اقتصاد المملكة، وارتبطوا معها بروابط عائلية.

ولذا، فإن الوضع الحالي، الذي يسود فيه العداء بين الحوثيين والسعودية "حالة استثنائية " حسب تقدير المحلل اليمني "عبدالغني الأرياني"، الذي يشير إلى أن ضمان الرياض لحصول الحوثيين على مستوى من التمثيل في أي حكومة وحدة وطنية مستقبلية تتناسب مع السيطرة التي يمارسونها حاليًا على البلاد، يعد ورقة أساسية في عملية تسريع التسوية.

ورغم أن الحوثيون لم يردوا حتى الآن على دعوة السعودية بالتفاوض، يرجح الخبراء أن التفاوض المباشر بين الفريقين سيحدث عاجلا أم آجلا، لكن الوصول لاتفاق يرضي الطرفين في النهاية لن يكون مهمة سهلة أو قريبة في كل حال.

المصدر | الخليج الجديد