الاثنين 6 أبريل 2020 01:42 م

بعد فترة قصيرة من التعافي النسبي، عاد الاقتصاد التركي إلى التأزم مجددا على خلفية تفشي فيروس "كورونا" الجديد (كوفيد – 19) في البلاد، ليسارع الرئيس "رجب طيب أردوغان" لاحتواء الأضرار عبر حزمة تحفيز بقيمة 15 مليار دولار لدعم الاقتصاد مع خفض الضرائب للأعمال التجارية.

وأقرت الدولة التركية إجراءات منها خفض نسبة الفائدة بهدف دفع عجلة الإنتاج، وتسهيل منح قروض متوسطة الأجل بدون فائدة للأفراد والمؤسسات والشركات، وتأجيل سداد الديون أو الأقساط إلى مؤسسات الدولة، مثل مؤسسة الضمان الاجتماعي، لمدة 3 أشهر قابلة للتمديد، ما ساهم في تخفيف أثر الأزمة وتداعياتها، خاصة على قطاعي السياحة والخدمات.

لكن قلقا ظل مرتبطا بحقيقة أن الاقتصاد التركي كان قبل تفشي كورونا يحقق نموا طفيفا للغاية منذ أزمة الليرة عام 2018، مع وجود توقعات تشير إلى أن تركيا ستعاني من انكماش تراكمي في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربعين الثاني والثالث من عام 2020، بنسبة تقدرها وكالة "موديز" للتصنيفات الائتماني بنحو 7%.

وحدثت الوكالة توقعاتها للسنة المالية في تركيا لمراعاة جائحة كورونا، بتعديل نموها الاقتصادي المقدر بنسبة 3% إلى انكماش بنسبة 1.4% خلال العام المقبل، مشيرة إلى أن "الصدمة ستصيب بشكل أكبر على الأرجح القطاعات ذات الصلة بالسياحة خلال الصيف".

نقص السيولة

وتستند تقديرات "موديز" ومثيلاتها إلى تقدير مفاده أن إجراءات السلطات التركية لن تكون كافية لمنع انكماش الاقتصاد، وأن البلاد مقبلة على خسارة كبيرة في الوظائف مع إغلاق الكثير من المتاجر، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية.

وإزاء ذلك، يوصي خبراء، بينهم "أتيلا يسيلادا"، المحلل في مركز أبحاث "جلوبال سورس"، بأن تمنح الحكومة التركية دعما ماليا بسهولة أكبر، بما يعني ضخ سيولة أكبر في القطاعات المتضررة من أزمة "كورونا".

ولما كانت الحكومة قد أنفقت في ميزانية العام الماضي بسخاء، فإن السيولة قد تنفذ، وبالتالي قد تضطر السلطات إلى طباعة المزيد من النقود وهو ما من شأنه أن يزيد معدل التضخم، وهو ما يحذر منه "يسيلادا".

من هنا جددت المعارضة التركية مطالبها السابقة لـ "أردوغان" بضرورة التوجه إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض كبير يتيح تحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد، غير أن الرئيس التركي سبق أن تعهد مرارا بعدم طرق هذا الباب.

فـ "أردوغان"، الذي طالما تغنى لسنوات طويلة بأنه الرئيس الذي تمكن من سداد ديون تركيا للبنك الدولي عقب وصوله إلى الحكم، تعهد مرارا بعدم العودة للاستدانة مجددا من المؤسسات الدولية "مهما كلف الأمر"، وهو ما أكده مدير قسم أوروبا في الصندوق "بول تومسون" عندما صرح بأن معظم الاقتصادات التسعة الصاعدة بوسط وشرقي أوروبا تقدمت بطلبات للحصول على دعم عاجل على خلفية تداعيات أزمة كورونا، باستثناء تركيا وروسيا.

وتعتمد الحكومة التركية، لحل أزمة السيولة بعيدا عن الاقتراض الدولي، نهجا يقوم على تقليص الإنفاق وإطلاق حملة تبرعات لجلب التمويل، شملت تنازل "أردوغان" وأعضاء حكومته عن رواتبهم لمدد تتراوح بين 3 و 7 أشهر، تحت شعار "تركيا.. نحن نكفي أنفسنا".

وجه إيجابي

وفي مقابل ما خلفته أزمة "كورونا" من آثار اقتصادية سلبية وتوقعات متشائمة على المدى القصير (العام المالي المقبل)، ثمة وجه إيجابي لها، حسب تقدير المحلل "محمود عثمان"، تمثل في تسبب الحظر الصحي، الذي فرضته بكين خلال صراعها مع تفشي الوباء، إلى توجه كثير القطاعات الصناعية نحو تركيا بدلا من الصين، وخصوصا المستلزمات الصحية وأدوات الوقاية من المرض كالكمامات وغيرها، بالإضافة لصناعة الماكينات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك الأمر بالنسبة للأقمشة والألبسة الجاهزة.

الصناعات التركية ستسفيد أيضا على المدى المتوسط من انخفاض أسعار البترول والطاقة، وهبوط سعر صرف الليرة التركية مقابل العملات الرئيسية، وهي حزمة أسباب جعلت تركيا مقصدا رئيسيا للتعويض عن السوق الصينية، حسبما يرى "عثمان".

ويقدم هذا الوجه الإيجابي تفسيرا لما وراء التصريحات المتفائلة لوزير الخزانة والمالية التركي "بيرات البيرق"، التي أبدى فيها ثقته بأن تركيا ستحقق هدفها المتمثل في تحقيق نمو بنسبة 5% هذا العام على الرغم من الأضرار الناجمة عن أزمة "كورونا"، وبالمخالفة لتوقعات الوكالات الدولية.

وفي السياق، أشار "البيرق" إلى نقاط القوة التي يتمتع بها الاقتصاد التركي وعلى رأسها مديونيته المنخفضة وقوته العاملة الكبيرة وبنيته التحتية القوية.

هذه التركيبة وصفها نائب محافظ البنك المركزي التركي "أوغوزخان أوزباش" بـ "البنية الديناميكية" التي تضمن تجاوز اقتصاد بلاده لأزمة "كورونا" في "أقصر وقت وبأقل خسائر نسبية" وفقا لما نقلته وكالة "الأناضول".

ولفت "أوزباش" إلى أن المكتسبات التي حققها الاقتصاد التركي، خلال المراحل الماضية، ساهمت في تعزيز مقاومته ضد أزمة كورونا، متوقعا فترة من الانتعاش بعد تلاشي انتشار الفيروس في البلاد.

وفي حال تحقق هكذا سيناريو، فإن منحنى تعافي الاقتصاد التركي سيكون على شكل حرف "V"، أي أن الاقتصاد سيبدأ في التعافي سريعا بمجرد تلاشي آثار المرض، حسبما أورده الخبير الاستراتيجي "جونيت باكسوي" عبر موقعه الإلكتروني.

ويشير "باكسوي" إلى أن تركيا ستكون من أقل المتضررين من أزمة "كورونا"، لوجودها وسط القارات وفي قلب ممرات الطاقة والتجارة التي تستخدمها العديد من القوى العالمية، يعني ضمانها "مكانا معززا في النظام العالمي الجديد بميزة موقعها الجغرافي".

فهل تصدق توقعات المتفائلين بشأن اقتصاد تركيا؟ أم تفرض واقعية الوكالات الدولية أرقامها؟ إدارة حكومة "أردوغان" للأزمة ستحسم الإجابة خلال الأسابيع المقبلة.

المصدر | الخليج الجديد