الجمعة 3 أبريل 2020 12:17 م

تتعامل معظم الدول في الوقت الحاضر مع التأثيرات اليومية لوباء "كورونا"، إلا أنه من المهم دائمًا الانتباه إلى المستقبل. ومن الواضح أن الوباء والاستجابات الوطنية والدولية له سيكون لها آثار لم تتضمنها توقعات ستراتفور 2020.

ولكن مثلما تعطلت أحداث العقد 2000-2010 بسبب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، نتوقع أن تشكّل الاتجاهات الجيوسياسية الكامنة نمط الاستجابة للفيروس والطريقة التي يتحرك بها التاريخ إلى الأمام بعد أن تنتهي الأزمة.

في الوقت الحالي، يبدو أن وباء "كورونا" هو محور التركيز الوحيد للنظام الدولي، وقد أصبح حدث "البجعة السوداء" الذي تجاوز جميع الأولويات الأخرى وهيمن على العواصم والمراكز المالية ونشرات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن نظرة خاطفة تظهر أن الفيروس لم يبدد أزمات الجغرافيا السياسية حيث تواصل الصين والولايات المتحدة المواجهة في بحر الصين الجنوبي، وتستمر المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في طريقهما للتفاوض على شروط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولم تتوقف الحروب والتمرد وعمليات الإرهاب.

إذا نظرنا إلى الوراء قبل أكثر من قرن بقليل، يمكننا أن نرى وباء آخر ضرب العالم وأدى إلى الحجر الصحي المحلي وإلى الانكماش الاقتصادي. اندلع وباء إنفلونزا عام 1918، المعروف أيضًا باسم "الإنفلونزا الإسبانية"، في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الأولى وانتشر بسرعة عن طريق تحرك القوات داخل مسرح المعركة وخارجه. أدى تأثير الوباء إلى تفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية للصراع العالمي، ولكنه لم يفعل الكثير لوقف الاتجاه الأوسع نحو ترسيخ الدولة القومية باعتبارها محور النظام الدولي. بالرغم من الجهود المبذولة لإنشاء عصبة الأمم للإشراف على عالم مترابط، شكل الأوروبيون حلاً للسلام وضع إطار الحرب القادمة، وسعى الأمريكيون إلى الهيمنة في قارتهم المحمية.

من المرجح أن يثبت وباء "كورونا"، على الأقل من خلال التقديرات الحالية، أنه أقل فتكًا من إنفلونزا 1918، ولكنه أظهر بالفعل أنه أكثر تشويشًا في المجال الاقتصادي. سببت إنفلونزا عام 1918 فقط أزمة اقتصادية أثارتها سنوات من الحرب العالمية، وكانت الروابط حول العالم محدودة أكثر في ذلك الوقت. على النقيض من ذلك، ظهر "كورونا" في عالم مترابط على نطاق ربما لم يكن من الممكن تصوره قبل قرن من الزمان. حدث هذا وسط التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي كانت تختبر حدود العولمة، مما أثار مرة أخرى تساؤلات حول مستقبل القوة في جميع أنحاء العالم.

جاء ذلك بينما كانت أوروبا لا تزال تتكيف مع التداعيات الاجتماعية والسياسية لأزمة ديونها، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود الحركات السياسية اليمينية. وجاء في الوقت الذي كانت فيه المنافسة العالمية على التكنولوجيا، وخاصة أنظمة المعلومات، تقترب من القمة وتهدد الاتصال العالمي.

عندما ننظر إلى وباء "كورونا" في سياق توقعات "ستراتفور"، سوف نفكر في العديد من الأسئلة. بالرغم من أنها ليست قائمة شاملة، إلا أن الاتجاهات الخمسة الأوسع أدناه توضح المناطق التي تتقاطع فيها أزمة "كورونا" مع الأنماط الاستراتيجية العالمية الحالية. كما هو الحال مع الأزمات العالمية والوطنية السابقة، فإن "كورونا" والاستجابة العالمية له لن تقلب النظام، لكنها ستسرع بعض الأنماط وستعطل أنماطًا أخرى، وفي النهاية ستكشف عن الضغوط والقوى الجيوسياسية العميقة التي تشكل النظام العالمي.

هل تربح الصين حرب "كورونا"؟

منذ البداية، تم السؤال عما إذا كانت أزمة "كورونا" ستعزز أو تزعزع استقرار قبضة الحزب الشيوعي على الصين، وبشكل أكثر تحديدًا ما هو تأثيرها على سلطة الرئيس الصيني والأمين العام للحزب "شي جين بينج". وكان مضمون السؤال أكبر - هل سيؤدي ذلك إلى تسريع أو إبطاء صعود الصين، وهل ستشهد الصين كسب أو فقد القوة مقابل الولايات المتحدة؟

توترت القيادة الصينية بالفعل بسبب محاولتها إعادة تشكيل الاقتصاد الصيني في مواجهة الاحتجاجات في هونج كونج؛ وتجدد المشاعر المعادية للصين في تايوان؛ والضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري من الولايات المتحدة قبل تفشي الفيروس. علاوة على ذلك، قد يكون توطيد السلطة في عهد "بينج" لتسهيل إعادة الهيكلة الاقتصادية والتحول إلى القومية قد مكّن الرئيس الصيني، لكنه ركز أيضًا المسؤولية عن الإخفاقات.

شهدت الصين تباطؤًا أو انكماشًا هائلاً في اقتصادها في الربع الأول من العام الحالي، وحاليا تحاول تخطي الأزمة الأكثر خطورة. ستواجه الصين مشاكل اقتصادية حادة حتى نهاية العام على الأقل، إن لم يكن بعدها. نحن نراقب مؤشرات على وجود مشاكل في قطاع الإقراض الصيني ونراقب عمق الضربة التي تلحق بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، والتي توظف عددًا أكبر من السكان و لديها إمكانية وصول محدودة إلى التمويل المصرفي.

ظهرت عدة أدلة على الاستياء الاجتماعي من بعض تدابير الاستجابة للوباء، بما في ذلك تقارير عن التحديات داخل الحزب. لكن من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان هذا مجرد تذمر في الوقت الحالي، أو أعراض استياء أعمق أو أنها تعكس كيانات خارجية تحاول استغلال لحظة ضعف محتملة في الصين.

سيكون السؤال الرئيسي الآخر خلال الأرباع العديدة القادمة هو وتيرة ونطاق إعادة تنشيط الصين لمبادرة "الحزام والطريق". إذا رأت الصين الحاجة إلى التركيز على الاستهلاك الداخلي والنشاط الاقتصادي، فقد تقطع هذه المشاريع الخارجية.

حتى قبل "كورونا"، كانت بكين تعيد تقييم القيمة مقابل التكلفة في العديد من مشاريع "الحزام والطريق". ولكن في حين أن الصين قد تعزز قوتها الناعمة عبر إرسال الأطباء والإمدادات الطبية إلى دول أخرى، فإنها ستفقد الزخم في محاولتها لتشكيل الديناميات السياسية والأمنية لجيرانها وشركائها إذا قلصت الإنفاق على البنية التحتية الخارجية على مدى السنوات القليلة المقبلة.

التكنولوجيا والبنية التحتية للمعلومات

لم تؤدِ محاولات الولايات المتحدة للحد من نشر تقنية "هواوي" في تطوير البنية التحتية العالمية "جي 5" إلى توتر العلاقات بين واشنطن وبكين فحسب، ولكن أيضًا بين الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها.

كما كشفت أزمة “كورونا”وتدابير الحجر الصحي المصاحبة لها عن الضعف البنيوي للبنية التحتية للاتصالات في العديد من البلدان والمجتمعات، مما عزز الطبيعة الحرجة للأعمال لهذه البنية التحتية. وقد أظهرت الأزمة أيضًا ضعف نظم المعلومات أمام التضليل والتلاعب الأجنبي.

كما أثارت الأزمة مخاوف تتعلق بالخصوصية بشأن زيادة استخدام الحكومات للتكنولوجيا لتتبع وإدارة انتشار "كورونا". حيث ازدادت التساؤلات حول المراقبة الحكومية؛ والمعلومات الشخصية والخصوصية؛ ووصول الحكومة إلى الاقتصاد والأعمال؛ والعلاقة بين الحكومات المحلية والاتحادية وحتى الوطنية.

في السنوات الأخيرة، تسببت هذه القضايا في تقلبات سياسة واجتماعية، ونقاشات حول السيادة. وسيتم تنشيط هذه المناقشات من جديد بسبب "كورونا".

ستعمل هذه المخاوف على تكثيف المناقشات حول أمن المعلومات الشخصية، و"السيادة السيبرانية" الوطنية. ونتوقع زيادة الاهتمام بتمويل وإدارة البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، مع دعوات لمزيد من التمويل الوطني والسيطرة على الشبكات. لذلك قد يسرّع الفيروس من التحركات نحو مزيد من الانعزال والتجزئة.

 مستقبل المنظمات الدولية

كان الجزء الأكبر من الاستجابة لأزمة "كورونا" قومياً بطبيعته، ولم تقده المؤسسات الدولية متعددة الجنسيات.

ظهرت العديد من المؤسسات الدولية العالمية في نهاية الحرب العالمية الثانية أو الحرب الباردة، في أوقات مختلفة تمامًا عن الوقت الحاضر. لم تواكب هذه المؤسسات العالم المتغير، وواجهت الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والمؤسسات الدولية الأخرى تحديات فيما يخص دورها وسلطتها حتى قبل "كورونا".

لطالما اعتبرت الولايات المتحدة العديد من هذه المؤسسات إما مقيدة أو غير فعالة، بينما بدأت الصين تسعى لتغيير اتجاهها لتناسب رؤيتها العالمية بشكل أفضل.

في حال اعتبار هذه المؤسسات فاشلة في الأزمة الحالية بعد أن فعلت القليل في الأزمة المالية العالمية قبل عقد من الزمن، إلى جانب فشلها في وقف الصراع في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وإدارة الهجرة بسبب النزاعات أو التصرف حيال مخاوف تغير المناخ العالمي، فإن "كورونا" سيثير الجدل حول إصلاح شامل للحوكمة العالمية.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فقد يؤدي ببساطة إلى تجاوز الدول للعديد من هذه المنظمات سعياً وراء مصالحها الخاصة.

اضطرابات سلسلة التوريد

يعتبر وباء “كورونا”أحدث صدمة لسلسلة التوريد المعولمة التي تلفت الانتباه إلى المخاطر التي تهدد استمرارية الأعمال والتجارة، وفي بعض الأحيان تشكل خطورة على الأمن القومي.

حتى قبل "كورونا"، كانت سلاسل التوريد العالمية تواجه تحديات من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ومن القومية الاقتصادية المتزايدة في جميع أنحاء العالم.

وبالرغم أن العالم لم يتحرر من قوة الجاذبية للصناعات التحويلية إلا أن التوترات التجارية بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العمالة في الصين تسببت في بدء بعض الصناعات التحويلية في فيتنام وأماكن أخرى في جنوب شرق آسيا.

وفي الوقت نفسه، كان التحضير لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وإعادة تقييم سلاسل التوريد حيث قامت الولايات المتحدة بمراجعة اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية والترتيبات التجارية في أماكن أخرى تؤثر أيضًا على القرارات المحيطة بسلاسل التوريد.

سينظر إلى الفيروس على أنه اضطراب قصير المدى للنشاط الاقتصادي العالمي، حيث تمكنت بعض الشركات من نقل الإمدادات بسرعة خارج الصين في الأيام الأولى من الحجر الصحي في الصين، في حين أعادت شركات أخرى تجهيز المصانع أو الاعتماد على فائض المخزون.

ولكن على مدى السنوات العديدة الماضية، فإن الابتعاد عن التسليم في الوقت المناسب والصدمات السياسية أوغيرها من الصدمات بما في ذلك مقاطعة الصين غير الرسمية لكوريا الجنوبية بسبب نشر منظومة "ثاد" وكارثة "فوكوشيما" أجبر الشركات بشكل متزايد على ضمان المرونة في سلاسل التوريد الخاصة بها، أو البدء بإجراءات تعزلها بشكل أفضل عن الصدمات العالمية المستقبلية.

الاضطرابات الاقتصادية العالمية الأوسع 

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث كان لتوسيع إنتاج الطاقة الأمريكية والدفع نحو مصادر الطاقة المتجددة تأثير بالفعل على أنماط العرض والطلب، فإن الانخفاض الإضافي في الاستهلاك المتعلق بـ"كورونا" سيؤثر بشكل كبير على الاستقرار المالي الوطني.

كانت السعودية والإمارات ودول أخرى تواجه رياحا معاكسة في الجهود الاقتصادية والإصلاحية قبل "كورونا"، وستظل بحاجة إلى معالجة تزايد أعداد الشباب الذين يتوقعون خدمات عالية من الحكومة، ويأتي كل ذلك وسط انخفاض الإيرادات.

إذا توقفت جهود الإصلاح، ستتحول احتياطيات الحكومة لإعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي بدلا من التنويع الاقتصادي وتطوير البنية التحتية والاستثمار الخارجي. وقد تثبت الإصلاحات الجزئية عدم الاستقرار الاجتماعي حتى مع ارتفاع الإنفاق الاجتماعي.

في حين أنه من المتوقع تحول بعض الدول إلى الصين فإن التحول في هذا الوقت سيكون بالرغم من تكلفة السيادة الوطنية أو على الأقل القدرة على المناورة السياسية، وكما هو موضح أعلاه، فقد تحتاج الصين إلى تحديد أولويات إنفاقها الداخلي.

سيلعب السلوك الإيراني ما بعد "كورونا" دورا في تحديد طبيعة المنافسة والعلاقات الإقليمية، وقد تكون الاضطرابات السياسية في إيران مزعزعة للاستقرار الإقليمي مثلها مثل تعزيز سيطرة الحكومة الإيرانية.

ويعتبر المكان الأخير الذي يجب مراقبته خلال العقد القادم للتأثيرات المتبقية من وباء "كورونا" هي البلدان التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، أو تلك التي تقع بين قوى أكبر، أو تلك الموجودة على الهامش العالمي.

تواجه دول جزر المحيط الهادئ، التي عانت من المنافسة المتزايدة بين الصين من جهة والولايات المتحدة وأستراليا من جهة أخرى، قيودًا اقتصادية كبيرة في التعامل مع "كورونا"، بالإضافة إلى انهيار السياحة وتخفيضات البضائع والإمدادات.

وعلى سبيل المثال ستكون أماكن مثل بيلاروسيا التي سعت إلى تحقيق التوازن بين الاهتمام الروسي والأوروبي والصيني المتنامي، أو منغوليا التي شهدت انخفاضًا كبيرًا في صادرات الفحم إلى الصين في الربع الأول من العام، مع خيارات أقل للاحتفاظ باستقلالية العمل.

المصدر | رودجر بيكر/ستراتفور- ترجمة وتحرير الخليج الجديد