الجمعة 3 أبريل 2020 07:15 م

حتى يوم الثلاثاء 31 مارس/آذار، أبلغ السودان رسميا عن 6 حالات مؤكدة فقط مصابة بمرض فيروس التاجي الجديد "كوفيد-19".

وكانت جميع الحالات المؤكدة في البلاد حتى الآن لأشخاص وصلوا مؤخرا من خارج البلاد. وهكذا، حتى كتابة هذه السطور، يبدو أن حالات تفشي المرض داخل المجتمع السوداني غير موجودة.

وبالمثل، في جارة السودان الأكثر اكتظاظا بالسكان إلى الشرق، إثيوبيا، بلغ عدد الحالات 25 حالة، مع 9 حالات جديدة في آخر 48 ساعة فقط.

وتعتبر هذه الأرقام أقل بكثير من العدد الكبير من الحالات المبلغ عنها في مصر، الجارة الشمالية للسودان، حيث يقدر المسؤولون أن عدد الحالات وصل إلى ما يقرب من 850، أو جنوب أفريقيا مع أكثر من 1300 حالة، وهو أعلى عدد في القارة.

وقد تتغير هذه الأرقام، حيث تبقى قدرة الاختبار التشخيصي الحالية للفيروس محدودة، وتعمل الحكومات في أفريقيا بسرعة لتعزيزها.

وسمحت هذه التقديرات الصغيرة لحالات "كوفيد-19" في السودان للعديد من السودانيين بالتعبير عن تنفسهم الصعداء من أن معدل انتشار فيروس كورونا لم يطغى على بلادهم كما هو الحال في الدول الآسيوية والغربية.

ويملك القادة السودانيون بشكل عام خبرة عالية للتعامل مع هذه الأزمة الطبية الحالية بجدية على أساس الخبرة السابقة للبلدان الأفريقية الأخرى التي ابتليت بوباء "إيبولا" عام 2014.

ومع ذلك، كشفت الأزمة نفسها نقاط ضعف الحكومة الانتقالية الجديدة بقيادة المدنيين في السودان. وجاءت هذه الحكومة إلى السلطة فقط في أغسطس/آب من عام 2019، بعد أكثر من 30 عاما من حكم الجنرال "عمر البشير".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، اضطر وزير المالية الجديد "إبراهيم البدوي"، وهو مسؤول سابق في البنك الدولي ذو خبرة دولية واسعة، إلى الاعتراف بأن الحكومة الانتقالية ليس لديها أمل كبير في البقاء دون دعم دولي بقيمة 5 مليارات دولار على الأقل.

وسوف يواجه هذا الدعم، الذي كان يأمل المسؤولون السودانيون أن يأتي من المؤسسات المالية الدولية ودول الخليج العربي والحكومات الغربية، صعوبة مع تصاعد الركود الاقتصادي العالمي.

وسيثير غياب الدعم المالي التساؤل حول ما إذا كانت الحكومة الانتقالية في السودان ستتمكن من تلبية مطالب الشعب، الذي احتج لشهور لإسقاط النظام السابق، وإيجاد حل لاحتياجات ما يقرب من نصف السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر.

ويمكن تفسير نجاح مسؤولي الصحة العامة السودانيين جزئيا من خلال قرارهم بإغلاق حدود البلاد في 16 مارس/آذار، بما في ذلك مطار الخرطوم الدولي والحدود الشمالية مع مصر، أمام معظم المسافرين.

ومثل العديد من البلدان الأقل نموا، ستنهار بسرعة المرافق الطبية والصحية في البلاد، التي أضعفتها عقود من العقوبات ونقص الاستثمار، إذا حدث تفشي داخل البلاد.

لذلك، كان الأمل الوحيد لعلاج الفيروس هو محاولة إيقافه عند الحدود.

ومع ذلك، يواجه السودان تحديين شديدي الخطورة في الوقت الراهن. الأول هو أن هذه الأزمة كشفت عن نقاط ضعف في البنية التحتية للصحة العامة في البلاد أصبحت الآن أكثر وضوحا.

حيث يوجد نقص حاد في الأطباء وغيرهم من المهنيين الصحيين في معظم أنحاء البلاد. وارتفع سعر الأدوية بنسبة من 150 إلى 300%. وتفتقر المستشفيات العامة إلى الإمدادات الأساسية، ويتقاضى الأطباء أجرا ضعيفا.

ويتراوح دخل أطباء القطاع العام في السودان نحو 200 دولار فقط شهريا، ومن المتوقع أنهم يشترون مستلزماتهم الطبية الخاصة، مع الشح في معدات الحماية الشخصية اللازمة لمكافحة الفيروس مثلما حدث في جميع أنحاء العالم.

ولأعوام، اضطر الأطباء السودانيون إلى إرسال أسر المرضى لشراء أي عنصر ضروري لتوفير الرعاية لأقربائهم، بما في ذلك الإبر، والقطرات، وحتى أنابيب الأكسجين.

ويعتبر التحدي الثاني هو النقص في العملة الصعبة، خاصة الدولار، الذي تحتاجه البلاد ليس فقط لتلبية احتياجاتها الطبية والصحية العامة، ولكن أيضا للحصول على الواردات الأساسية مثل الغذاء والوقود.

وفي هذا العام وحده، طلب وزير الصحة السوداني، "أكرم علي التوم"، ميزانية قدرها 51 مليار جنيه سوداني، أو ما يقرب من مليار دولار، كخطوة أولى في محاولة إعادة بناء نظام الصحة العامة في البلاد.

وبالمثل، على مدى الأعوام الخمسة الماضية، كان السودان بحاجة إلى ما يزيد عن 800 مليون دولار من مساعدات المانحين الطارئة لمجرد تلبية احتياجاته الأساسية، مثل استيراد المواد الغذائية وشراء الأدوية الحيوية.

وفي حين أن هناك فقط 5 آلاف و500 حالة إصابة مؤكدة بفيروسات تاجية عبر القارة الأفريقية في الوقت الحالي، فإن محللين في مؤسسات مثل المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، واللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة، ومصرف التنمية الأفريقي، يتوقعون أن تتعرض العديد من الدول الأفريقية بعد أسبوعين إلى 3 أسابيع لتفشي الفيروس.

وقد يتطلب التصدي لهذا التحدي جهدا منسقا من دول القارة، لإنفاق أكثر من 100 مليار دولار من أجل تعزيز أنظمة الصحة العامة المهترئة. ويجب أن تأتي الغالبية العظمى من هذا التمويل من الإقراض الجديد ومن المانحين الخارجيين.

ورأى خبراء من اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة أن ما لا يقل عن نصف الأموال اللازمة ربما تأتي من التنازل عن مدفوعات الفوائد للمؤسسات المالية الدولية.

ومن شأن هذا أن يتيح للعديد من البلدان متنفسا ضروريا لإعداد قطاعات الصحة العامة لمواجهة تفشي الحالات خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة. كما سيخلق متنفس للدول الأفريقية للاستعداد للانكماش الحاد في الاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، تبقى قضية السودان معقدة بسبب استمرار العقوبات الأمريكية ضد البلاد. وبالرغم من أن العديد من هذه العقوبات قد تم رفعها أو تخفيفها على مدى الأعوام القليلة الماضية، إلا أنه لا يزال هناك عدد كبير من العقوبات، مثل إدراج السودان كدولة راعية للإرهاب.

ولا يعكس استمرار العقوبات حقيقة أن النظام السابق قد تمت الإطاحة به في ثورة شعبية العام الماضي ليأتي إلى السلطة حكومة موالية للولايات المتحدة.

وبدلا من ذلك، تمنع العقوبات الحالية الحكومة السودانية من التفاوض مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشأن أكثر من 50 مليار دولار من المتأخرات التي تدين بها البلاد لهاتين المنظمتين، ما يمنع السودان من من الحصول على قروض خلال هذه الفترة الانتقالية.

وبالرغم أن الخارجية الأمريكية تعترف بالمكاسب الضخمة التي تحققت في السودان خلال العام الماضي، فإن العديد من مسؤولي الإدارة الأمريكية يرون عدم رفع العقوبات والقيود المفروضة على البلاد قبل أن يثبت السودانيون أنه يمكن الوثوق بهم.

ومع ذلك، لا يملك الانتقال الهش إلى الديمقراطية في السودان أمل في النجاح إذا استمرت العقوبات المالية المفروضة، ما يدفع البلاد إلى مزيد من اليأس في خضم الركود الاقتصادي العالمي الوشيك.

ويهدد تناقض الولايات المتحدة تجاه التقدم الأخير للسودان قابلية بقاء الحكومة الجديدة في البلاد. 

وبدون المساعدة الاقتصادية، لن تكون الحكومة قادرة على كبح جماح الانهيار الاقتصادي، ما يؤدي إلى الاضطرابات الشعبية، وتقويض الحكم الحالي.

وبعيدا عن الحكم، سيكون هناك فقدان في الأرواح، حيث تعوق الضغوط المالية أي محاولات يمكن أن تقوم بها البلاد لإعداد بنيتها التحتية الصحية لمواجهة جائحة فيروس كورونا.

المصدر | هازار خضير- ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد