السبت 4 أبريل 2020 04:27 م

كيف خرجت الصين من أزمة "كورونا" بعد تعرضها للسخرية باعتبارها مصدرا للوباء الأكثر رعباً منذ أن اجتاحت الإنفلونزا الإسبانية العالم بعد الحرب العالمية الأولى؟ يبدو أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس "دونالد ترامب" ووزير خارجيته "مايك بومبيو"، مصممة على جعل الصين تبدو شريرة. ويبدو أنهم يرون هذا الوضع فرصة لتحجيم الصين.

وتنخرط الولايات المتحدة والصين في لعبة أسماء فيما يتعلق بالفيروس، تبدو أكثر ملاءمة لملعب رياض الأطفال. ويفيد اللعب على الأسماء الإدارة الأمريكية في حشد الرأي العام المحلي قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.

في غضون ذلك، انخرطت الصين في حملة أكثر فعالية بكثير لتزويد عدد من الدول بالمواد اللازمة لمواجهة آثار الوباء. على سبيل المثال، تلقت بغداد وطهران شحنات مجانية من الأقنعة الواقية وأجهزة التنفس وغيرها من المواد الطبية.

وعلى النقيض من ذلك، ضاعفت الولايات المتحدة من حصارها الاقتصادي لإيران بالرغم من المناشدات العالمية لتخفيف العقوبات خلال الوباء. وواصلت الإدارة الأمريكية رفضها لتمويل أي نشاط إنساني يتعلق بالأراضي الفلسطينية.

لقد غابت الولايات المتحدة عن أي نشر لـ"القوة الناعمة" في الشرق الأوسط. فيما ساعدت الصين في تغذية الشائعات حول تورط الولايات المتحدة في نشر الفيروس.

انخرطت الولايات المتحدة والصين في حرب تجارية في المقام الأول حيث تبدو قضايا الأمن القومي أقل أهمية بكثير وغالباً ما تبدو أنها أضرار جانبية للحرب التجارية.

وتبدو تهديدات الصين للأمن القومي الأمريكي في منطقة الخليج ضئيلة للغاية مقارنة بالخلافات حول عدد من القضايا في محيط الصين.

بخلاف إعلان الصين السيادة على معظم بحر الصين الجنوبي، لا تتعلق أي من المواجهات الأخرى بين الولايات المتحدة والصين بالتوسع الإقليمي الصيني ولا تتطلب زيادات كبيرة في الإنفاق الدفاعي الأمريكي.

تشير آراء "بلومبرج" إلى أن مبادرة "الحزام والطريق" في الصين يتم تغطيتها بشكل سلبي في الولايات المتحدة، ومعظم أوروبا واليابان والهند، لكنها تعتقد أن الكثير من الانتقادات مبالغ فيها.

يجادل النقاد بأن الصين تجبر البلدان الفقيرة عمداً على الحصول على قروض صينية لا يمكنها تسديدها وذلك لاستخدامها كوسيلة للحصول على الخدمات اللوجستية ومشاريع الموانئ التي يتم إنشاؤها بقروض صينية.

انتقدت الولايات المتحدة المنشآت العسكرية الصينية في قاعدتها بجيبوتي باعتبارها دليلا على نية الصين في نشر القوة في المحيط الهندي وشبه الجزيرة العربية. وردت الصين على هذه الاتهامات ببساطة باعتبارها استجابة للانتقاد الموجه إليها بعدم تقاسم عبء حماية الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

ويعتبر وباء "كورونا"، الذي يضاعف من انهيار أسعار النفط، فرصة لصالح الصين لتظهر على أنها الدولة الأفضل استغلالا لتوجيه الضربة المزدوجة في منطقة الخليج. وهذا بدوره يتطلب دراسة ما إذا كانت المصالح الصينية والأمريكية متكاملة أو متنافسة.

منذ عام 1990، تحملت الولايات المتحدة مسؤولية حماية منطقة الخليج بمفردها بما يضمن عدم تدخل أي طرف معاد في التدفق الحر للنفط والغاز إلى العالم. وبدت بقية القوى الكبرى في العالم راضية تمامًا بالسماح للولايات المتحدة بتحمل العبء بمفردها.

وبالنظر إلى ثورة الطاقة التي اكتشفتها أمريكا حديثًا، لم يعد الجمهور الأمريكي يدعم الوجود المكلف في المنطقة. أدرك الرئيسان "أوباما" و"ترامب" ذلك وحاولا تنظيم الانسحاب الأمريكي من هذه المسؤوليات الأمنية. ولكن ثبت أن الانسحاب أصعب مما كانا يتخيلاه. تريد الولايات المتحدة المغادرة لكنها لا تريد أن تملأ أي جهة أخرى الفراغ.

انضمت الصين الآن إلى أمثال تنظيم "الدولة الإسلامية" وإيران كطرف تود الولايات المتحدة ضمان تحجيم نفوذه في المنطقة بعد رحيلها. ولكن هل تريد الصين حقا أن تقوم بهذا الدور؟

ماذا تريد الصين؟

أولاً وقبل كل شيء، تحتاج الصين إلى ضمان التدفق الحر للنفط والغاز من الخليج، ثانيًا، تدفع الصين جزءا من تكلفة هذه الواردات عن طريق بيع البضائع إلى المنطقة، لذلك يجب حماية الأسواق أيضًا.

لقد أثبتت الصين بنجاح لشركائها التجاريين أن مصالحها تجارية بحتة. لا تبذل أي جهد لإملاء سياساتها الداخلية أو الخارجية. ليس هناك ما يشير إلى أن الصين تسعى إلى استبدال المظلة الأمنية الأمريكية وليس لديها القدرة على القيام بذلك الآن، أو في المستقبل المنظور.

ستبقى الصين أكبر زبائن الطاقة لدى دول الخليج حتى نهاية عصر الهيدروكربونات. ومن المتوقع رؤية استثمارات صينية موسعة في المنطقة. ومع ذلك، ربما تكون دول الخليج الغنية، التي ليس لديها أكثر من 50 مليون مستهلك، قد وصلت بالفعل إلى نقطة الإشباع في سياق الاستثمار المربح.

ومن المحتمل أن تركز الصين على بناء أسواق في إيران والعراق، مستفيدة من العقوبات الأمريكية. ومن المتوقع أن تستغل الصين العراق كمدخل إلى الشرق الأوسط الكبير من خلال الاستثمار في البنية التحتية لوسائل النقل كما فعلت في أماكن أخرى. وإذا دعت الحاجة لحماية تلك الاستثمارات، فمن المتوقع أن تستخدم الصين القوة الناعمة. فعلى عكس الولايات المتحدة، لا تنظر الصين إلى مصالح الأمن القومي من خلال العدسة الأحادية للقوة العسكرية.

ومن المتوقع أن تساعد الصين الدول الاستبدادية في الحفاظ على النظام من خلال توفير جزء صغير من تقنيات ومعدات المراقبة التي تمتلكها لمراقبة سكانها. وبذلك، لن يتصرف الصينيون بشكل مختلف عن الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا وهي دول لم تتردد أبدًا في تزويد دكتاتوري الشرق الأوسط بما يكفي لقمع السخط الداخلي.

إذن، أين تتصادم مصالح الأمن القومي الأمريكي مع مصالح الصين في منطقة الخليج؟ لكي نكون منصفين، فإن العلاقات الصينية الإيرانية ستعقد أي جهود أمريكية للانتقام من طهران،ولكن يمكن للمرء أن يفترض أن علاقة أفضل مع الصين ستمنح طهران حافزًا بسهولة للتراجع عن بعض أنشطتها "الخبيثة" في المنطقة.

وفي السياق، لن تكون بكين مرتاحة لأن تملأ موسكو الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي. تعيش الصين جنبا إلى جنب مع روسيا ولديها أصول حيوية أكثر عرضة للخطر من الولايات المتحدة.

لا يعني هذا القول بأن الوجود الصيني المتزايد في منطقة الخليج سيخدم دائما المصالح الأمريكية. ستكون هناك تعقيدات وخلافات تشكل تحديات حقيقية لمصالح الولايات المتحدة. ربما يجبر الوجود الصيني أمريكا على رفع مستوى اللعبة الدبلوماسية مرة أخرى.

المصدر | باتريك ثيروس - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد