حين أصبح الرئيس "فلاديمير بوتين" زعيما لروسيا قبل أكثر من عقدين، لم تكن موسكو لاعبا رئيسيا في العالم العربي.

وكانت الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قوية للغاية، ولم تكن أي قوة كبرى تشكل تهديدا حقيقيا لمكانة واشنطن الجيوسياسية في المنطقة.

ومع ذلك، منذ سبتمبر/أيلول 2015، عندما كثفت روسيا تدخلها العسكري المباشر في الأزمة السورية، تغيرت المفاهيم الإقليمية، وأصبح العديد من الجهات الحكومية وغير الحكومية تعترف الآن بواقع القوة الروسية في المنطقة.

وفي حين أن تركيز السياسة الخارجية لروسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينصب على سوريا وليبيا، فإن الوضع الصعب في غزة يغري موسكو للعب دور متزايد.

ومن وجهة نظر "بوتين"، يجب على موسكو أن تنخرط في القضية الفلسطينية من أجل تسهيل عودة روسيا إلى المنطقة.

ومن الناحية العملية، استلزم ذلك تحسين العلاقات بين موسكو و"حماس"، وهو ما تؤكده العديد من الزيارات والاتصالات بين كبار المسؤولين الحكوميين الروس وممثلي "حماس" في الأعوام الأخيرة.

وبالرغم أن حكومة "بوتين" تحتفظ بعلاقات وثيقة مع (إسرائيل)، إلا أن موسكو وتل أبيب لم يسبق لهما أن تحدثا عن القضايا المتعلقة بالفلسطينيين.

وأثار تقارب روسيا مع "حماس" غضب (إسرائيل) والولايات المتحدة، وكلاهما يتهم الكرملين بإضفاء الشرعية على "منظمة إرهابية". وقد أزعج هذا التطور السلطة الفلسطينية، المنافس الفلسطيني الرئيسي لـ"حماس".

لكن اعتراضات واشنطن وتل أبيب ورام الله لم تمنع روسيا من الدخول في حوار أكبر مع "حماس"، التي لا تعتبرها موسكو جماعة إرهابية.

وبدلا من ذلك، تعتقد الحكومة الروسية أنه يجب الاعتراف بـ"حماس" كفصيل فلسطيني له نفوذ ودور حاسم في القضية الفلسطينية.

وفي الواقع، كان المسؤولون الروس يستقبلون قادة الحركة في موسكو منذ مارس/آذار 2006، بعد وقت قصير من الانتخابات البرلمانية الفلسطينية التي فازت فيها "حماس".

ولكن في عام 2006، كان السياق مختلفا حيث كانت روسيا لاعبا أقل تأثيرا بكثير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن موسكو تتحدى اليوم دور واشنطن التقليدي كوسيط بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وسلط رد روسيا على "صفقة القرن" الضوء على هذه النقطة. وكما قال رئيس لجنة مجلس الدوما للشؤون الدولية "ليونيد سلوتسكي"، فإن خطة "ترامب-كوشنر" مؤيدة لـ(إسرائيل) بشكل صارخ، ولا تأخذ مصالح الجانب الفلسطيني في الاعتبار.

نظام "الأسد" عامل مهم

ويعد أحد أسباب حرص روسيا على تحسين موقفها مع "حماس" هو اهتمام موسكو بدفع الحركة نحو إعادة تنسيق العلاقات مع النظام السوري.

وفي 4 مارس/آذار، بدا أن الجهود الروسية لتسهيل التقارب بين دمشق و"حماس" قد تكون ناجحة. وتحدث "إسماعيل هنية"، زعيم "حماس"، في مؤتمر صحفي في موسكو، وأعلن أن كلا من الحكومة السورية والمواطنين السوريين ظلوا لأعوام داعمين رئيسيين لحركته.

وقال: "لا يمكننا أن ننسى هذا التاريخ. لا توجد سياسة أو أي قرار من حماس للانخراط في القضية السورية، وأنفي بشدة وجود أي مقاتل أو شهيد من حماس في إدلب، أو قبل أحداث إدلب، أو حتى في الثورة السورية".

وأصدر "هنية" هذا البيان بعد اجتماع مع وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف"، ومسؤولين روس آخرين، أوضح فيه أن "حماس" مستعدة للعب دور بناء فيما يتعلق بإنهاء الأزمة السورية.

ومن المرجح أن تستمر روسيا في محاولة تخفيف أي توترات مستمرة بين الحكومة في دمشق و"حماس".

الهروب من العزلة

ومن منظور "حماس" يمكن لشراكة متنامية مع قوة كبرى مثل روسيا، العضو المهم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والتي تقوم بدور أكبر في الشرق الأوسط، أن تساعد في مواجهة الجهود الإسرائيلية والأمريكية لعزل الحركة الفلسطينية.

ومن خلال اتصالات "حماس" المتنامية مع موسكو، يهدف الفصيل إلى تعزيز مكانته على الساحة الدولية واكتساب عدد متزايد من الشركاء.

وتعتمد حماس على حقيقة أن النفوذ الروسي المتزايد في المنطقة سيؤدي إلى تحسينات للفلسطينيين. وتأمل في أن يؤدي التقارب بين "حماس" وروسيا إلى دفع "بوتين" إلى ممارسة نفوذه على رئيس الوزراء الإسرائيلي "نتنياهو" للضغط على (إسرائيل) لرفع حصارها على غزة.

وفي الوقت الذي يتم فيه توثيق حالات "كوفيد-19" في قطاع غزة المحاصر، ربما تتفاقم الأزمات الصحية والإنسانية في غزة بشكل خطير في الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة إذا انتشر الوباء في القطاع الذي يعد من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم.

كيف تدخل دول الخليج المعادلة

ومن المثير للاهتمام أن هناك دورا محتملا تلعبه الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. فقد استضافت قطر، التي تفتخر بكونها مؤيدة للفلسطينيين، اجتماعا بين روسيا و"حماس" في فبراير/شباط. وتساعد الدوحة في تسهيل التقارب بين موسكو و"حماس"، في إطار سعيها لإيجاد طرق جديدة لتقويض الجهود الأمريكية والإسرائيلية الرامية لعزل"حماس".

وبالإضافة إلى قطر، تحافظ الكويت على علاقات جيدة مع روسيا، وقد استخدمت أيضا أوراقها الدبلوماسية للدفاع عن القضية الفلسطينية في العديد من المحافل الدولية.

وجدير بالذكر، أنه في مايو/أيار 2018، أشادت "حماس" بالكويت لمنعها مشروع قرار لمجلس الأمن برعاية واشنطن، والذي كان سيدين "حماس" لإطلاقها صواريخ على (إسرائيل) من غزة.

وفي الشهر التالي، قال الناطق باسم حماس "فوزي برهوم"، إن "موقف الكويت الحقيقي في دعم فلسطين والفلسطينيين في قطاع غزة هو شيء نفخر به. ونأمل أن تحذو دول عربية أخرى حذو الكويت في إعادة بناء قطاع غزة ودعم الشعب الفلسطيني".

وإذا استطاعت موسكو بالتوازي متابعة مبادرات مع الدول الخليجية، فسوف ترحب "حماس" بهذا التطور باعتباره مفيدا لجدول أعمال الحركة، الذي يهدف إلى الحد من نفوذ واشنطن الإقليمي.

وفي هذا السياق، تنظر "حماس" بشكل إيجابي لعودة روسيا إلى الشرق الأوسط.

ومثل العديد من الجهات الفاعلة من الدول وغير الدول التي تعارض الهيمنة الأمريكية في العالم العربي، ترى "حماس" أن روسيا هي القوة التي يمكن أن توازن ثقل الولايات المتحدة.

ويبقى أن نرى فقط مدى موثوقية روسيا، خاصة على المدى الطويل. ومن غير الواضح أيضا مدى نجاح "حماس" في إقناع موسكو بممارسة ضغوط كافية على حكومة "نتنياهو" حتى تلين (إسرائيل) سياساتها، وهي التي حولت غزة "سجن كبير" بعد أعوام من الحصار.

وفي حين تدرك روسيا و"حماس" الكثير من المكاسب في التقارب والحوار المستمر، فلا ترغب موسكو في الانضمام إلى طهران في تبني أجندة معادية لـ(إسرائيل).

وبدلا من ذلك، سيواصل "بوتين" سعيه تحقيق التوازن في علاقة روسيا بالأطراف المتعارضة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع توخي الحذر أيضا بشأن معالجة القضايا التي تؤثر بشكل مباشر على المصالح الإسرائيلية.

المصدر | جورجيو كافييرو - معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد