الأربعاء 8 أبريل 2020 06:02 م

تحديات خطيرة بدأت بالظهور في دول الخليج العربية خلال الأيام القليلة الماضية، تتعلق بالأمن الغذائي للدول التي طالما اعتمدت لعقود طويلة على عائدات النفط لتوفير الإيرادات المالية اللازمة لاستيراد القسم الأكبر من احتياجاتها من السلع الأساسية.

لكن أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد "كوفيد–19" فرضت تحديات جديدة على هذا الصعيد، وهو يجبر الحكومات اليوم على البحث عن طرق بديلة لتوفير الاحتياجات الأساسية لشعوبها.

فالعديد من الدول المصدرة للغذاء حول العالم تفضل الاحتفاظ به حاليا كمخزون استراتيجي لمواجهة الأزمة، ما قد يسبب تناقصا في المواد الغذائية الرئيسية لدى الدول المستوردة للغذاء.

هذا الواقع الجديد حذر منه مدير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، الصيني "كو دونغيو"، ومدير منظمة الصحة العالمية، الإثيوبي "تيدروس أدهانوم جيبريسوس"، ومدير منظمة التجارة العالمية البرازيلي "روبيرتو أزيفيدو"، في بيان مشترك مطلع أبريل/نيسان الجاري، لفتوا النظر فيه إلى إمكانية تعطل سلاسل الإمدادات الغذائية جراء تفشي كورونا.

وقال المدراء الثلاثة إن "الغموض حول توفر الغذاء يمكن أن يتسبب بموجة قيود على التصدير، ربما تتسبب في نقض الغذاء في السوق العالمية"، وفقا لما أوردته وكالة "فرانس برس".

السعودية والبحرين

وفي هذا الإطار، قرأ مراقبون للشأن السعودي دعوة المؤسسة العامة للحبوب المستثمرين السعوديين بالخارج لتوريد 355 ألف طن من القمح إلى المملكة، بما يمثل 10% من إجمالي الاستهلاك المحلي.

ورغم أن محافظ المؤسسة "أحمد الفارس" ذكر، في بيان، أن الدعوة تأتي في إطار "برنامج الاستثمار الزراعي السعودي في الخارج"، الذي يمثل أحد برامج استراتيجية الأمن الغذائي في المملكة والهادف الى تنويع مصادر الإمدادات الغذائية الخارجية، إلا أن شبكات التواصل الاجتماعي عجت بتعليقات لناشطين سعوديين يحذرون من بوادر نقص في بعض المواد الغذائية في المملكة في ظل تفشي وباء كورونا.

 وفي السياق ذاته، جاء تعليق رئيس الوزراء القطري الأسبق "حمد بن جاسم"، عبر تويتر، قائلا : "إذا كان ما يقال عن نقص بعض المواد الغذائية في السعودية صحيح فهذا لا يدعو للتندر أو الشماتة لا قدر الله (..) رغم أننا ما نزال نذكر ما قيل عنا في بداية الحصار من قبل وزير خارجيتهم آنذاك، فيجب أن يهب الجميع للمساعدة، ولا تقابل السيئة إلا بالحسنة، فالشعب السعودي منا ونحن منه".

بالمثل، لجأت الحكومة البحرينية للمستثمرين في القطاع الخاص لتغطية أي عجز محتمل في السلغ الغذائية، إذ قامت مجموعة "لولو هايبر ماركت" بشحن دفعة من المنتجات الغذائية على متن طائرة تابعة لطيران الخليج بهدف "ضمان تلبية متطلبات السوق في المملكة بشكل مستمر"، وفقا لما أوردته صحيفة "الوطن" المحلية.

وقدم ذلك مؤشرا على أزمة تلوح في الأفق في دول الخليج، التي دأبت على مدى السنوات العشر الماضية على شراء آلاف الأفدنة الزراعية الرخيصة في الخارج دون أن يسفر ذلك سوى عن تأمين 10% فقط من احتياجاتها الغذائية، فيما لا تزال تستورد النسبة الباقية.

ويعزز من خطورة الأزمة المتوقعة أن خبراء التنبؤ يتوقعون أن منحنى تعافي الاقتصادات الخليجية بعد أزمة كورنا سوف يكون على شكل حرف "L"، ما يعني أن معدلات النمو سوف تستقر عند حافة منخفضة لفترة طويلة، وفقا لما أوردته وكالة "بلومبرج".

وعزت الوكالة الأمريكية هذا التنبؤ المتشائم إلى أن الاقتصادات الخليجية اليوم تبدو أضعف مما كانت عليه قبل صدمة أسعار النفط في عام 2014، فالنمو غير النفطي أبطأ والاحتياطيات أقل والديون أعلى والعجز أوسع، مرجحة أن ينخفض النمو غير النفطي في السعودية (أكبر اقتصاد في دول مجلس التعاون الخليجي) إلى -2% هذا العام، وهو أول انكماش منذ أكثر من 3 عقود.

وبإضافة ما أعلنته وزارة الصحة السعودية، الثلاثاء 7 أبريل/نيسان، بشأن توقعات استمرار أزمة كورونا لشهور قادمة، فإن البحث عن حلول استراتيجية في قطاع الزراعة بات هو الخيار الوحيد لمشكلة الأمن الغذائي المتفاقمة في الخليج.

تعريف جديد

من الواضح أن أزمة كورونا سوف تعيد تعريف مصطلحات اقتصادية راسخة مثل القدرة الشرائية والأمن الغذائي، الذي تحول تعريفه من فكرة "تأمين الدولة احتياجات سكانها من العناصر الغذائية الرئيسية من خلال الموارد الموجودة تحت سيطرتها" إلى تعريف بديل، خلاصته "تأمين الدولة احتياجات سكانها من العناصر الغذائية الرئيسية بنفسها".

والسبب في ذلك هو أن بعض الدول ربما تمتلك اليوم الموارد المالية اللازمة لجلب الغذاء، لكنها لن يكون بمقدورها تلبية كامل احتياجاتها بسبب الأزمات في الدول المصدرة والانقطاعات في سلاسل التوريد.

وقبل اندلاع أزمة كورونا، احتلت دول مجلس التعاون الخليجي مواقع متقدمة بمؤشر الأمن الغذائي العالمي الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2019، رغم أنها نسبياً لا تملك المناخ والأرض الخصبة والمياه الوافرة الموجودة في دول أخرى حول العالم.

ويعتمد المؤشر العالمي على 3 مؤشرات فرعية؛ هي قدرة المستهلك على تحمل تكلفة الغذاء، وتوفر الغذاء، وسلامة وجودة الغذاء، دون اشتراط زراعته وطنيا، وهو المفهوم الذي دقت أزمة كورونا جرس إنذار لمراجعته.

ولذا ينوه الباحث "إبراهيم محمد"، في تحليل نشره بموقع إذاعة صوت ألمانيا (DW)، إلى أن تزامن أزمة كورونا مع بداية الموسم الزراعي في الكثير من الدول الخليجية يشكل فرصة لتكاتف الجهود الحكومية والأهلية لزراعة مساحات مضاعفة من الأراضي بمختلف أنواع الخضر والبقوليات والحبوب بهدف زيادة الإنتاج والمخزون الاستراتيجي منها لمواجهة النقص المتوقع في هذه السلع وارتفاع أسعارها في السوق العالمية قبل حلول الشتاء القادم، بعدما أثبت الواقع أن "توفر الأموال لا ينفع كثيراً في حال عدم توفر إمكانية الشراء من الخارج".

مقترح كويتي

من هذا المنطلق يمكن قراءة الدعوة التي أطلقتها الكويت لإنشاء "شبكة أمن غذائي" موحدة على مستوى دول الخليج العربية، على غرار شبكة الربط الكهربائي فيما بينها، وهي الدعوة التي طرحها وزير التجارة "خالد الروضان" خلال الاجتماع الاستثنائي لوزراء التجارة في مجلس التعاون الخليجي الذي تم عبر الاتصال المرئي.

ويرى الخبير الاقتصادي والمالي القطري "عبد الله الخاطر" أن المقترح الكويتي يعد "ضرورة استراتيجية"، خاصة في ظل أزمة كورونا، مؤكدا أن "منطقة الخليج تحتاج بشكل كبير لآليات تحفظ كيانها وشعبها في كل الظروف والأزمات الاقتصادية والمالية والوبائية"، وفقا لما أورده موقع "الخليج أونلاين".

لكن تبقى هناك شكوك كبيرة في إمكانية تبني هذا المقترح في ظل الانقسام الخليجي المستمر منذ فرض الحصار الخليجي على قطر في يونيو/ حزيران 2017، وهو الانقسام الذي ظهرت تجلياته مؤخرا في أزمة العالقين حين رفضت البحرين استقبال طائرة استأجرتها قطر لإعادة مواطنيها العالقين في الدوحة.

كما لم تتم الاستجابة حتى الآن لطلب قطر الرسمي الموجه إلى منظمة الطيران المدني الدولي، والذي دعت فيه السعودية والإمارات والبحرين لفتح المجال الجوي أمام طائرات الشحن المُحمّلة بالمساعدات الإنسانية والطبية وشحنات الأدوية لإيصالها بأسرع وقت.

وحتى يتم قطع الشك باليقين، يبقى المؤكد أن مفهوم الأمن الغذائي في الخليج سوف يشهد تغييرات جذرية كلما استمرت أزمة تفشي كورونا لفترة أطول.

المصدر | الخليج الجديد