الخميس 9 أبريل 2020 11:29 ص

"لا يجوز حرمان أحد تعسفا من حق الدخول إلى بلده".. هذا هو نص المادة 12 من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، الذي بدا فارغا من أي مضمون عملي خلال الأيام الماضية مع تفاقم ظاهرة "عالقي المطارات" العرب على خلفية تفشي "كورونا".

فبينما توقع مراقبون أن تؤدي أزمة الوباء إلى تضامن يتجاوز النزاعات الإقليمية والدولية، بل وربما تساهم في حلها، باعتبارها حالة إنسانية عالمية، إذا بالأزمة الخليجية تقدم مؤشرا معاكسا مفاده أن "حقبة ما بعد كورونا ستكون أسوأ على صعيد النزاعات".

ظهر ذلك خلال تعامل دول حصار قطر مع مواطنيها العالقين في الدوحة؛ حيث رفضت أكثر من دولة استقبال الطائرات القطرية أو الطائرات المستقبلة من قبل الدوحة رغم أن هذه الطائرات تم استخدامها فقط لنقل مواطني هذه الدول العالقين، ودون أعباء مالية تتحملها الدول المضيفة.

  • رفض مصري

من بين هؤلاء عشرات العمال المصريين الذين علقوا في قطر بعدما انتهت عقود عملهم، أو تم إنهاؤها بسبب الأزمة. وقد نشر بعضهم مناشدات، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حثوا فيها سلطات بلادهم على السماح لهم بالعودة وتوفير وسيلة لرجوعهم، في ظل أزمة "كورونا"، التي ضربت العالم حاليا، وتسببت في شلل بحركة الطيران المدني.

وبعدما خصصت الجهات المعنية في قطر طائرة إسبانية لنقل العالقين المصريين إلى بلدهم، فوجئت برفض السلطات المصرية استقبالهم دون تقديم أية أسباب، وفقا لما أوردته وكالة "الأناضول".

ولا يزال العالقون المصريون يعانون فقدان مورد الرزق وعدم القدرة على العودة لبلدهم، بعدما أعلنت مصادر بالشركة الوطنية القابضة "مصر للطيران" أن يوم 4 أبريل/نيسان الماضي هو موعد إقلاع آخر رحلة لإعادة العالقين المصريين من الخارج.

وتُلزم وزارة الخارجية المصرية أي مواطن في الخارج بالتوقيع على إقرار كتابي يتضمن موافقته على تحمل تكلفة الإقامة في أحد الفنادق الفخمة الواقعة قرب المطارات، التي اختارتها السلطات المصرية مكانا للحجر الصحي.

ورغم احتجاج السلطات المصرية بالظروف الصحية لرفض استقبال العالقين في الدوحة، أكدت السلطات القطرية أنها أجرت اختبار الكشف عن كورونا لجميع العالقين، وأن جميعهم يقيمون في سكنهم الآن دون تكبد أي تكاليف، و"هم في ضيافة دولة قطر حتى تتيسر عودتهم إلى وطنهم"، وفقا لما نقله موقع "العربي الجديد".

  • مماطلة بحرينية

لم تختلف الأمور كثيرا بالنسبة إلى قرابة 1500 عالق بحريني في الدوحة، تقاذفتهم المطارات منذ خروجهم من إيران، في منتصف فبراير/شباط الماضي.

ويذهب العديد من البحرينيين (الشيعة) إلى إيران عن طريق عمان أو دبي؛ حيث "لا توجد رحلات مباشرة بين طهران والمنامة في الوقت الراهن" لزيارة الأماكن المقدسة الشيعية، مثل مشهد وقم، لكن موسم هذا العام شهد تفشي "كورونا" في إيران، التي تحولت لاحقا إلى بؤرة للوباء في الشرق الأوسط.

وفي 28 مارس/آذار الماضي، أعلنت الدوحة استقبال 31 بحرينيا على أراضيها، بعدما رفضت المنامة نقلهم عبر طائرة خاصة بشكل مباشر، في ظل غلق أجواء البحرين الجوية في وجه قطر بموجب الحصار المفروض منذ يونيو/حزيران 2017.

وبدا من سياق الأحداث أن المنامة ترفض استقبال العالقين؛ "لأنهم ذهبوا إلى إيران" حتى ولو كانوا قد قدموا من أي دولة أخرى، وهو ما عبر عنه الإعلامي البحريني المعارض "عادل مرزوق" الذي اتهم حكومة بلاده بالمماطلة الطائفية وتسييس إجلاء العالقين، مغردا: "خلاصة الكلام: المماطلة في إعادة البحرينيين العالقين في إيران هي مماطلة لأسباب سياسية وطائفية؛ لا طبية وقائية (..) ولا لوجستية".

وجاء تعليق مستشار العاهل البحريني للشؤون الدبلوماسية وزير الخارجية السابق "خالد بن أحمد" ليؤكد تسييس الملف؛ إذ اتهم قطر بالتدخل في شأن المواطنين البحرينيين العالقين "بهدف الإساءة للبحرين".

وزعم أن "ما قامت به قطر من نقل المسافرين العالقين ضمن رحلات تجارية من إيران إلى الدوحة ثم إلى مسقط وإعادتهم إلى الدوحة يفتقر لأدنى معايير سلامة أطقم الطائرات والمسافرين بما يعرضهم للخطر الشديد".

غير أن البيان الصادر عن الحكومة القطرية (نشر في 27 مارس/آذار ) أورد أن 31 بحرينيا وصلوا إلى مطار حمد الدولي على متن رحلة الخطوط الجوية القطرية القادمة من إيران، وأن الدوحة عرضت على الحكومة البحرينية أن يغادروا إلى وطنهم على متن طائرة خاصة، دون أن تتحمل المملكة أو الأفراد المعنيون تكاليف الرحلة، لكن السلطات البحرينية رفضت هذا الخيار"، مؤكدا أن "وزارة الصحة أجرت فحص كورونا على جميع العالقين قبل إدخالهم أحد الفنادق المخصصة للحجر الصحي لمدة أسبوعين على نفقة دولة قطر".

في ضوء ذلك، شن مدير المكتب الإعلامي بوزارة الخارجية القطرية "أحمد بن سعيد الرميحي" هجوما حادا على مستشار ملك البحرين، مغردا عبر "تويتر": "قليل من الحياء! مواطنيكم منذ شهر تتقاذفهم المطارات والآن فقط تسألون عن سلامتهم".

وإزاء ما مثلته التطورات من إحراج دبلوماسي، أعلنت المنامة ترتيب رحلة لنقل العالقين، وهو ما رحبت به الوكالة القطرية الرسمية للأنباء (قنا)، في 29 مارس/آذار، مشيرة إلى أن الدوحة "كانت تأمل لو أن المنامة قبلت عرضها بنقل البحرينيين إلى بلادهم على متن طائرة خاصة كانت مجهزة لنقلهم بدل إطالة أمد انتظار الأشقاء البحرينيين".

  • استثمار سياسي

تقدم هذه الوقائع أدلة جديدة على صعوبة حل أزمة الخليجية في الوقت الراهن، وهو ما يخالف توقعات المراقبين المتفائلين الذين رجحوا أن "كورونا" يمكن أن يوفر فرصة للبلدان الخليجية لتجاوز خلافاتها الداخلية.

وقدم ملف العالقين مؤشرات قاطعة على أن حلحلة الأزمة الخليجية يبقى أمرا بعيد المنال، ليس فقط من منظور السجال بين دول الأزمة، بل من منظور تقديرات الخبراء لـ"العلاقات الدولية في عالم ما بعد كورونا" أيضا.

في هذا الإطار، يرى المحلل السياسي "بشير حسن" أن عالم ما بعد كورونا سيشهد اختلافا كبيرا في علاقات الدول، خاصة بعدما انقسم العالم إلى قسمين، دول الشمال ودول الجنوب، وكشف تفشي الوباء نزوع الدول (حتى الكبرى منها) لاستغلال الأزمة من أجل تحقيق مكاسب سياسية، وفقا لما أوردته صحيفة "اليوم السابع" المصرية.

ويتوقع الخبير الاستراتيجي "أيمن القاطري" أن تتسم مرحلة ما بعد كورونا بـ"صعود كل أنواع الشعبوية الممكنة حول العالم"، مشيرا إلى أن الأرضية الآن متاحة لذلك بعدما وضع تفشي الوباء نهاية لعدد من الأفكار الليبرالية القديمة، وفقا لما أوردته صحيفة "الشرق" القطرية.

وحتى على المستوى الداخلي، فإن برامج دول كثيرة، ومنها دول الأزمة الخليجية، سيجري عليها تغيرا، وفق تقدير "القاطري"، بعدما أثبتت جائحة "كورونا" أن "الاستثمار في التسلح من أكثر الاستثمارات غير المجدية في المستقبل بينما الاستثمار في البحث العلمي والتطوير هو أهم استثمار استراتيجي".

مراجعات كبيرة يتوقعها الخبير الاستراتيجي بدول مجلس التعاون الخليجي، تشمل كثيرا من السياسات الاستثمارية التي تهدف لضمان الاعتماد الذاتي في عالم لا يبدو أنه سيكون كما كان قبل "كورونا".

المصدر | الخليج الجديد