الأربعاء 8 أبريل 2020 05:52 م

من خلال تشديد الخناق على وكلاء إيران الإقليميين وقطاع الطاقة العراقي، تخاطر الولايات المتحدة بإتلاف ما تبقى من علاقتها بالحكومة العراقية.

وتظهر وثائق البنتاجون التي تم تسريبها في أواخر مارس/آذار نقاشا داخليا داخل الجيش الأمريكي حول ما إذا كان سيتم التصعيد ضد الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، التي كثفت مؤخرا هجماتها على أهداف ومصالح تخص الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي 26 مارس/آذار، منحت الولايات المتحدة العراق أقصر إعفاء من العقوبات حتى الآن لمواصلة لشراء احتياجاتها من الغاز الطبيعي الإيراني.

وتهدف هذه الجهود إلى القضاء على النفوذ الاقتصادي والعسكري لإيران في العراق، حيث تعتبر الولايات المتحدة ذلك مفتاحا لضمان استقرار العراق في ظل حكومة صديقة لها.

وبمواجهة النفوذ الإيراني في وقت تهدد فيه الضربة الاقتصادية الناجمة عن "كوفيد-19" وانخفاض أسعار النفط بتمزيق الحكومة العراقية بالفعل، يمكن أن يقوض ذلك الهدف النهائي الذي تريده الولايات المتحدة في نهاية المطاف.

تغير الأولويات الأمريكية في العراق

وتنظر الولايات المتحدة إلى احتواء الميليشيات العراقية، خاصة تلك التي لها علاقات وثيقة مع طهران، مثل "كتائب حزب الله"، كجزء من جهود مكافحة النفوذ الإيراني في المنطقة.

لكن تحطيم "كتائب حزب الله"، أو أي منظمة شبه عسكرية أخرى في العراق، يمثل تحديا استثنائيا. وتتداخل هذه الميليشيات بشدة في السياسة والمجتمع العراقي، وأصبحت مكونا أساسيا لقوات الأمن العراقية على مر السنين.

ويعني هذا أن الحكومة تتحمل تكلفة سياسية في كل مرة تهاجم فيها الولايات المتحدة إحدى الميليشيات.

وبالرغم من الضغوط الأمريكية، ليس هناك الكثير مما يمكن للحكومة العراقية فعله للسيطرة على أعمال الميليشيات المدعومة من إيران، التي ستواصل القتال من أجل تحقيق أهدافها الإقليمية.

ويمكن أن تؤدي محاولات كبح جماح الميليشيات القوية في العراق إلى زيادة تعقيد قدرة رئيس الوزراء المعين "عدنان الزرفي"، الموالي نسبيا للولايات المتحدة، على تشكيل حكومة، مع تأجيج الأحزاب الموالية لإيران لمزيد من الجدل حول تنصيبه.

وبالتالي، ربما لا يكون من المستغرب إصدار الحكومة العراقية بيانات منددة بشكل متزايد ضد قصف الولايات المتحدة لمواقع الميليشيات واستمرارها في التهديد بالعقوبات.

وفي غضون ذلك، تعيد واشنطن تموضع قواتها العسكرية في البلاد بهدف طويل الأمد يتمثل في خفض القوات في نهاية المطاف، ما أثار ردود فعل متباينة في الحكومة العراقية.

ويحتفل المقربون من إيران بهذه الخطوة، بينما يخشى المقربون من واشنطن من الفرص التي يمكن أن يوفرها تخفيف الوجود الأمريكي لتنظيم "الدولة الإسلامية".

الضغط بالعقوبات في وقت غير مناسب

ويهدد الحديث المستمر عن فرض عقوبات أمريكية، على وجه الخصوص، بمزيد من زعزعة استقرار الاقتصاد العراقي الهش بالفعل، والذي يواجه صراعات عميقة بسبب جائحة "كورونا" وتراجع أسعار النفط.

ولأعوام، كانت الولايات المتحدة تضغط على العراق لفطام نفسه عن إمدادات الطاقة الإيرانية. لكن واشنطن زادت هذا الضغط مؤخرا من خلال تقصير فترة الإعفاء من العقوبات إلى 30 يوما فقط قبل أن تبدأ  فرض عقوبات على واردات العراق من الغاز الطبيعي الإيراني.

ومن المحتمل أن يكون هذا محاولة لإجبار العراق على إظهار أنه حقق أي تقدم بشأن هدفه المعلن المتمثل في استبدال جميع وارداته الإيرانية على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة، خاصة بالنظر إلى أن استهلاك العراق من واردات الغاز الإيرانية زاد بالفعل من 24% إلى 31% بين 2018 و2019.

وعلى خلفية جائحة "كوفيد-19"، تخاطر واشنطن بإغراق اقتصاد البلاد والحكومة في حالة من الفوضى، وذلك بإصرارها على مواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وسيتطلب تخلي العراق عن الواردات الإيرانية استثمارات دولية ضخمة من أجل زيادة إنتاجه المحلي، وهو ما يعتبر مستحيلا بالنظر إلى الصدمات الاقتصادية المزدوجة لوباء "كوفيد-19" وانخفاض أسعار النفط.

وبالرغم من تصدير نفس الكمية من النفط تقريبا، فقد حقق العراق عائدات أقل بنحو ملياري دولار من شحناته النفطية في مارس/آذار مما حصّله في فبراير/شباط، ما يؤكد كيف أن صدمة سوق النفط العالمية بسبب أزمة "كوفيد-19" تزيد من الضغط على احتياطيات العراق المالية.

ومع عدم وجود نهاية قريبة للوباء، فضلا عن آثاره الاقتصادية ذات الصلة، تهدد الأزمة الصحية والاقتصادية العالمية قدرة الحكومة العراقية على الحفاظ على ميزانيتها وتشغيل خدماتها الحكومية الأساسية، ناهيك عن قدرتها على إجراء تغييرات هيكلية عميقة في قطاع الطاقة والكهرباء.

فوضى إضافية

وفي حين من المرجح أن يوجه وباء كورونا ضربة حادة للاقتصاد العراقي، فإن المخاوف بشأن تفشي الفيروس في البلاد قد تمنح بغداد مزيدا من الوقت في مواجهة الموجة الأخيرة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

ومع بقاء المزيد من الناس في منازلهم خوفا من الإصابة أو نشر المرض، خرج عدد أقل بكثير من العراقيين إلى الشوارع في الأسابيع الأخيرة للتعبير عن رفضهم للحكومة.

ولكن مع تلاشي الأزمة الصحية واستمرار النقص الحاد في المياه والكهرباء وخاصة خلال الصيف، فمن المؤكد أن المظاهرات ستعود.

وإذا كثفت الولايات المتحدة حملة القصف ضد "كتائب حزب الله" أو غيرها من الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، فإنها تخاطر بمزيد من الاحتجاجات في العراق من خلال تأجيج الغضب بين العراقيين الذين سئموا من الوقوع في مرمى تبادل إطلاق النار بين الولايات المتحدة ووكلاء إيران.

ويمكن لاختيار تصعيد الضغط في وقت يتصارع فيه العراق بالفعل مع هذه المخاطر الاقتصادية والسياسية الشديدة أن يرتد بنتائج عكسية على الولايات المتحدة وأهدافها، من خلال جعل العراق ليس فقط شريكا أقل تقبلا للحرب الأمريكية لاحتواء النفوذ الإيراني، ولكن أيضا ربما يجعله حليفا أقل امتثالا في المعركة العالمية المستمرة ضد "الإرهاب"، التي لا يزال العراق مركزا لها.

المصدر | إيميلي هاوثورن - ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد