الجمعة 10 أبريل 2020 02:11 م

بعد أن اتفقت منظمة الدول المنتجة للنفط "أوبك"، وحلفاؤها من الدول المنتجة على تجديد اتفاق خفض الإنتاج المعروف باسم "أوبك بلس"، تتزايد التساؤلات حول إذا ما كان الاتفاق الجديد سيكون كافيا لإنقاذ أسواق النفط من أزمة أسعار غير مسبوقة.

ومساء الخميس (9 أبريل/نيسان)، أعلنت الدول المنتجة تخفيض إنتاج النفط بمعدل 10 مليون برميل يوميا، خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران المقبلين، بما سيمثل 10% من الإنتاج العالمي، وهو ذات الرقم الذي أشار إليه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في تغريدة نشرها الأسبوع الماضي، ما قدم مؤشرا على أن اتفاق "أوبك بلس" ربما جرى برعاية أمريكية هذه المرة.

ودشنت الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي حملة لإعادة الانضباط إلى أسواق النفط، بعدما بدأت حرب النفط في التأثير سلبا على صناعة النفط الصخري الأمريكية، التي تحتاج إلى أسعار أعلى من 40 دولارا للبرميل للحفاظ على الإنتاج.

وأجرى "ترامب" اتصالات مكثفة الأسبوع الماضي مع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" وولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" وهي اتصالات أثمرت عن خفض تاريخي للإنتاج بمشاركة الولايات المتحدة، وهي المرة الأولى التي تشارك فيها واشنطن في اتفاق سياسي لخفض الإنتاج بهدف رفع أسعار النفط.

مشاركة أمريكية

ورغم أن الرئيس الأمريكي لا يملك سلطة دستورية لإجبار شركات بلاده على خفض الإنتاج، يبدو أن ظروف تفشي فيروس كورونا منحت "ترامب" ذريعة للتدخل وإغلاق بعض منصات الحفر.

وحسب تحليل نشره الخبير الروسي "دميتري غافريلينكو" بموقع "إكسبرت أونلاين"، فإن الرئيس الأمريكي وجد طريقة على الأرجح لخفض إنتاج النفط على أراضي الولايات المتحدة على خلفية أزمة تفشي كورونا، مستشهدا بما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية حول دراسة البيت الأبيض إمكانية حظر إنتاج النفط من المنصات في خليج المكسيك بسبب تسجيل إصابات بالفيروس بين العاملين في شركات النفط هناك.

وإذا توقف إنتاج النفط في خليج المكسيك، فسيتوقف حوالي 2 مليون برميل من النفط عن دخول السوق، وهو ما يتناسب مع حصة الولايات المتحدة من خفض الإنتاج الإجمالي المطلوب لموازنة السوق، والذي تتحمل فيه دول "أوبك بلس" الثلثين (10 ملايين برميل يوميا)، بينما تتحمل الولايات المتحدة والدول من خارج "أوبك بلس" الثلث (5 ملايين برميل يوميا)، في صيغة وصفتها بعض وسائل الإعلام العالمية بـ "أوبك بلس بلس".

ومن المتوقع أن يحقق تطبيق هذا الميزان أسعارا فوق 40 دولارا لبرميل النفط، بما يجعل الصناعة مربحة مجددا بالنسبة إلى أغلب منتجي النفط الصخري بالولايات المتحدة.

وتعد هذه الصيغة مناسبة أيضا لروسيا، التي تعتمد رقم 40 دولارا كسعر تقديري في ميزانيتها، بما يعني خروجها من نطاق العجز.

شكوك ومؤشرات

لكن معطيات عدة تؤشر إلى أن فاعلية هذا الاتفاق لن تدوم طويلا، منها المدة المعلنة من جانب دول "أوبك بلس" لمستوى خفض الإنتاج بحدود 10 ملايين، والتي لا تزيد على الشهرين، فقد أورد بيان المجموعة أن التخفيض سيهبط بعد ذلك إلى 8 ملايين برميل يوميا من يوليو/ تموز إلى ديسمبر/ كانون الأول، ثم إلى 6 ملايين برميل يوميا من يناير/كانون الثاني 2021 إلى أبريل/نيسان 2022، وفقا لما أوردته وكالة "رويترز".

وبالإضافة إلى ذلك، فإن انحدار الطلب العالمي على الوقود بمقدار 30 مليون برميل يوميا، أو 30% من الإمدادات العالمية، بعدما أدت إجراءات مكافحة انتشار الفيروس لتوقف الطائرات والحد من استخدام السيارات وكبح النشاط الاقتصادي، يعني أن مقدار الخفض الإجمالي المتفق عليه لخفض الإنتاج (15 مليون برميل يوميا) قد لا يفي بحجب ما يكفي من النفط الخام من أجل إعادة الانتعاش إلى الأسعار.

بخلاف ذلك، ورغم أن الولايات المتحدة قدمت تعهدات نظرية بالمشاركة في خفض الإنتاج، فإن أمريكا لم تلتزم بحصة محددة للخفض، قائلة إن الانخفاضات الطبيعية للإنتاج بسبب انخفاض الأسعار وبسبب إغلاق بعض الحقول بفعل تفشي كورونا ستكون هي مساهمتها للأسواق، بما يعني أن إنتاج النفط الأمريكي سوف يعاود الارتفاع بمجرد انتعاش الأسعار وعودة الحقول المغلقة للعمل.

وأخيرا، يبدو أن بعض الدول المفترض أن تشارك نظريا في اتفاق خفض الإنتاج قد انقلبت عليه مبكرا، وعلى رأسها المكسيك التي أعلنت أنها لم توافق على اقتراح خفض إنتاج البلاد النفطي بمقدار 400 ألف برميل في اليوم، مؤكدة أن البلاد ستخفض الإنتاج بمعدل 100 ألف برميل فقط.

ونتيجة لذلك، شككت مؤسسة "جولدمان ساكس" المالية فيما إذا كانت تخفيضات الإنتاج الأخيرة ستكون كافية لتعويض تراجع الاستهلاك، إذ تقدر المؤسسة بأن فيروس كورونا سيقلص الطلب بواقع 19 مليون برميل يوميا في الفترة من أبريل/نيسان إلى مايو/أيار.

وعلى هذا الأساس، يعتبر "بيورنار تونهاوجين"، رئيس أسواق النفط في شركة "ريستاد إنرجي" أن اتفاق "أوبك بلس بلس"، أقل بكثير مما تحتاجه السوق في الوقت الحالي، وفقا لما أورده موقع "وول ستريت جورنال".

في السياق ذاته، يشير المحللون في بنك الاستثمار الأمريكي إلى أن توقيت الاتفاق جاء "متأخرا جدا" في ظل وصول سعة التخزين إلى التشبع خلال فترة حرب النفط الماضية، وفقا لما أوردته وكالة "رويترز".

ويعني ذلك أن الاتفاق الراهن ربما لن يكون كافيا لرفع الأسعار إلى المستويات المطلوبة مجددا، خاصة مع إغلاق المزيد من الصناعات واستمرار تباطؤ الطلب بسبب تفشي كورونا.

ويبدو أن حركة أسواق النفط خلال الساعات التالية للاتفاق عززت هذه الشكوك، حيث عاد النفط للتراجع مجددا، الجمعة (10 أبريل/نيسان)، حيث يبدو أن المستثمرين باتوا مقتنعين أن الصفقة الجديدة لن تكون كافية لتعويض النقص في الطلب العالمي.

الخاسر الأكبر

وإزاء هذه المعطيات، تبدو الولايات المتحدة هي الرابح الأكبر من اتفاق "أوبك بلس" الأخير، حيث ستحصل على ارتفاع نسبي في الأسعار دون التزامات واضحة بشأن التخفيضات، فيما يبدو أن السعودية وروسيا سوف تتقاسمان الخسارة التي ستتحدد بناء نصيب كل منهما من خفض الإنتاج، ومستوى الأسعار الذس ستستقر عنده الأسواق في نهاية المطاف.

وفي هذا الصدد، يشير الباحث "أليكسي موخين"، في تحليل نشره بصحيفة "إزفستيا" الروسية، إلى أن السعودية نجحت في تحقيق مكاسب على مستوى الحصة التي ستتحملها من خفض الإنتاج، بعدما نجحت في استغلال احتياطياتها الضخمة من النفط لرفع المعروض اليومي من 9 إلى 12 مليون برميل يوميا دون زيادة حقيقية في الإنتاج، بهدف التلاعب في حجم الإنتاج الحقيقي لتحمل حصة وهمية من الخفض.

بعبارة أخرى، نجحت الرياض في اعتماد رقم 11 مليون برميل يوميا كمستوى إنتاج أساسي للبلاد بدلا من 9 ملايين برميل يوميا، ومع الاتفاق على خفض الرياض إنتاجها النفطي بموجب الاتفاق الجديد إلى 8.5 مليون برميل يوميا، تكون السعودية قد خفضت نصف مليون برميل فقط من حجم صادراتها الحقيقية قبل إغراق الأسواق.

ورغم ذلك، فإن هذه التخفيضات المحدودة لن تكون كافية لرفع الأسعار إلى المستوى اللازم لجلب التعادل إلى الموازنة السعودية، حيث يتوقع المراقبون أن تصل الأسعار بالكاد إلى حافة 40 دولار للبرميل.

وحتى هذا الرقم لن يكون قادرا على الصمود لفترة طويلة، فمع عودة الخام الأمريكي المفقود مجددا إلى الأسواق، سوف تبدأ الأسعار في الانخفاض مجددا، وهو ما قد يجبر الدول المنتجة إما على تخفيض إنتاجها بشكل أكبر، أو قبول الأسعار المنخفضة كأمر واقع في انتظار تعافي الطلب العالمي بعد انحسار أزمة كورونا.

المصدر | الخليج الجديد