مع دخولنا العام السادس من الحرب الأهلية اليمنية، ساهمت سلسلة من الأحداث في زيادة عدم الاستقرار في البلد الفقير الذي تمزقه الحرب.

وبين فترة وأخرى يتجدد الاقتتال الداخلي بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة الرئيس اليمني "عبد ربه منصور هادي"؛ ما يعرض "اتفاق الرياض" للخطر.

وظهرت توترات أيضا بين السعودية والإمارات، حيث يتنافس البلدان على مناطق النفوذ في جنوب اليمن، فيما يستغل الحوثيون الاحتكاكات السعودية الإماراتية لتوسيع نفوذهم.

وفي 15 مارس/آذار، أغلقت قوات المجلس الانتقالي، المتحالفة مع الإمارات، قصر "المعاشيق" الرئاسي في عدن وعرقلت اجتماعا مقررا لمسؤولين من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

وأعقب هذه المواجهة استئناف الاشتباكات في عدن بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية اليمنية.

وبدأت هذه الاشتباكات بعد أن داهمت "كتائب العاصفة" المتحالفة مع المجلس الانتقالي، "المعسكر 20"، وهو قاعدة عسكرية تسيطر عليها القوات المتحالفة مع السعودية.

وبالرغم أن الأعمال العدائية بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية اليمنية، لم تتصاعد إلى المستوى الذي شهدته في أغسطس/آب الماضي، إلا أن سيطرة المجلس على عدن هددت اتفاقية الرياض، التي تم توقيعها في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وأرست بنود تقاسم السلطة بين الفصيلين.

ويمكن تفسير هذه الأزمة الأمنية من خلال التنافس الجيوسياسي المستمر بين الإمارات والسعودية في اليمن، والتوترات الداخلية بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية، التي تؤجج العنف في جنوب اليمن.

وبالرغم أن الإمارات أنهت رسميا آخر مراحل انسحابها من اليمن في أوائل فبراير/شباط، إلا أن أبوظبي رفضت التخلي عن مجال نفوذها في جنوب اليمن.

وبالرغم من تعهدها بالانسحاب من اليمن بحلول 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حافظت الإمارات على وجود عسكري في المناطق الاستراتيجية في جنوب اليمن، مثل مطار الريان في المكلا، وميناء بلحاف في محافظة شبوة الغنية بالنفط.

كما تدعي الإمارات الآن أنها انسحبت من هذه المناطق، إلا أنها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع ميليشيات الحزام الأمني ​​التي تعارض الحكومة اليمنية، وقد أشارت أبوظبي مرارا وتكرارا إلى مخاوف بشأن الإرهاب لتبرير دور الإشراف على قوات المجلس الانتقالي.

وفي سقطرى، استخدمت الإمارات المساعدات الإنسانية لكسب الدعم الشعبي لطموحاتها التوسعية، وأنشأ المجلس الانتقالي بنجاح موطئ قدم له في الجزيرة عندما انشقت كتيبتان تابعتان للحكومة اليمنية للانضمام إلى صفوف الانفصاليين.

كما ساهمت السعودية في تصعيد التوترات في جنوب اليمن. ويُزعم أن المملكة، في 13 مارس/آذار، وجهت قوات الأمن الأردنية لمنع عبور وفد من كبار المسؤولين في المجلس الانتقالي إلى عدن، حين سعوا إلى المشاركة في المفاوضات السياسية.

وأحبط هذا القرار المتحدث باسم المجلس الانتقالي "نزار هيثم"، الذي حذر من عواقب وخيمة على عملية السلام.

كما تصدت السعودية لاستثمارات الإمارات في سقطرى بمبادراتها التنموية الخاصة، ما زاد من حدة الصراع بين البلدين من أجل الهيمنة على الجزيرة.

وبالإضافة إلى الأهداف الجيوسياسية المتعارضة لكل من السعودية والإمارات، لا تزال التوترات بين المجلس الانتقالي والمسؤولين الحكوميين اليمنيين تعوق تنفيذ اتفاقية الرياض.

ويزعم المجلس الانتقالي أن الحكومة اليمنية يسيطر عليها بالكامل "حزب الإصلاح"، الفرع اليمني لجماعة "الإخوان المسلمين".

ويزعم كبار مسؤولي المجلس الانتقالي أن "حزب الإصلاح" متحالف سرا مع الحوثيين.

وأدى تنفيذ ميليشيات الحزام الأمني لاعتقالات تعسفية وارتكابها لجرائم العنف الجنسي والتعذيب إلى زيادة العداء تجاه الإمارات في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية، كما أن جهود المجلس الانتقالي لكبح جماح هذه الميليشيات، بعد توقيع اتفاق الرياض، كانت غير مقنعة.

وتتهم الحكومة اليمنية، المجلس الانتقالي بالمسؤولية عن الاشتباكات المتكررة مثل تلك التي جرت في 5 ديسمبر/كانون الأول في أبين، والتي تهدد ما تبقى من أواصر اتفاق الرياض.

وبالرغم من فشل الحكومة اليمنية والمجلس الجنوبي في تنفيذ اتفاق الرياض حتى الآن، مازالت السعودية والإمارات تريان قيمة في ضمان عدم انهيار الاتفاق بالكامل.

وفي خضم حرب أسعار النفط وتفشي وباء "كوفيد-19"، ترغب السعودية والإمارات في منع تمزق تحالفهما، الذي توتر بالفعل بسبب اختلاف المواقف بشأن إيران وسوريا.

ونظرا للأهمية الحاسمة للتحالف السعودي الإماراتي، استفاد ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" من علاقته الشخصية الوثيقة مع نظيره السعودي "محمد بن سلمان" لتخفيف التوترات بين البلدين بشأن اليمن.

وأدى اضطرار السعودية لاحتواء قوات الحوثيين في محافظة مأرب، واستمرار ضربات الصواريخ الحوثية على مدن المملكة، إلى زيادة حاجة الرياض للتركيز حصريا على شمال اليمن.

وتعتبر الإمارات اتفاق الرياض ضامنا لإدراج المجلس الانتقالي الجنوبي في مفاوضات السلام المستقبلية في اليمن، الأمر الذي سيعزز موقف أبوظبي التفاوضي، فيما ترغب في تجنب رد الفعل الشعبي الذي قد ينتج عن تجدد تدخلها العسكري في اليمن.

إضافة إلى ذلك، تشعر كل من السعودية والإمارات بالقلق من جهود الحوثيين لاستغلال الاحتكاكات داخل التحالف في جنوب اليمن.

وكان اعتقاد إيران بأن اتفاق الرياض "يضفي الشرعية على الاحتلال السعودي لليمن"، واستعدادها للاستفادة من الخلاف بين السعودية والإمارات، قد أدى إلى زيادة تقويض الحوثيين لاستقرار هذه المنطقة المضطربة.

وفي 7 يناير/كانون الثاني، ضرب الحوثيون منشأة عسكرية موالية للحكومة في "الضالع"، ما أسفر عن مقتل 12 جنديا.

أما في 12 فبراير/شباط، فقد شن الحوثيون غارة صاروخية على قاعدة عسكرية تسيطر عليها الحكومة في أبين، ما أدى إلى مقتل 3 جنود يمنيين.

وحاول الحوثيون أيضا مغازلة أنصار "الإصلاح" للانضمام إليهم في جهودهم ضد الإمارات عبر الزعم بأن أبوظبي تسعى لإبادة "الإخوان المسلمين" في جنوب اليمن.

وفي حين ترغب كل من السعودية والإمارات في دفع أجندتها المستقلة في اليمن دون المخاطرة بتصعيد كبير بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية، فمن المرجح أن يستمر اتفاق الرياض حتى تضع اليمن إطارا جديدا للحوكمة.

وصادق "هادي" في 1 ديسمبر/كانون الأول، على النظام الفيدرالي في اليمن باعتباره الحل الأمثل للصراع.

وبالرغم أن الانفصاليين الجنوبيين يشعرون بالقلق من تأكيدات "هادي" على الفيدرالية، بسبب تجاربهم في التهميش قبل الحرب الأهلية عام 1994 وخلال مؤتمر الحوار الوطني لعام 2012، فمن المرجح أن توافق السعودية والإمارات على استقلال جنوب اليمن بشكل أو بآخر كأمر واقع وحل وحيد لمنع نشوب نزاع داخل المنطقة في المستقبل.

وبالرغم من دعوات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار في اليمن بسبب جائحة "كوفيد-19"، لا تزال الأعمال العدائية بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية تشكل خطرا كبيرا على استقرار اليمن في المستقبل.

وبالرغم أن هذه التوترات يثيرها التنافس والمصالح المتباينة بين السعودية والإمارات، إلا أن البلدين لديهما الحوافز الكافية للحفاظ على اتفاق الرياض وتجنب نزاع داخلي كبير في اليمن.

المصدر | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد